عماد مفرح مصطفى

عماد مفرح مصطفى

عماد مفرح مصطفى, صحفي سوري

بدعوته قيادات حزبه إلى عقد مؤتمر طارئ الربيع القادم لاتخاذ قرار تاريخي بالتخلي عن العمل المسلح ضمن مساع لإنهاء الصراع المستمر مع السلطات التركية منذ ثلاثين عاما، يكون زعيم "حزب العمال الكردستاني" عبد الله أوجلان قد فتح آفاقا جديدة لحل القضية الكردية في تركيا.

فمن شأن هذه الخطوة -التي تمتن أسس عملية السلام بين أنقرة و"حزب العمال الكردستاني"- أن تقرب اللحظة التاريخية بحصول حل جذري للقضية الكردية في داخل تركيا، مع إمكانية أن يتبع ذلك تحول جوهري في طبيعة العلاقة بين الدولة التركية والمسألة الكردية في كامل المنطقة.

بحيث تتحول تركيا -التي دفعت تكاليف باهظة بسبب علاقتها المتوترة مع أكرادها بلغت أربعين ألف ضحية من مواطنيها (الأتراك والأكراد)، وخسائر اقتصادية تقارب مئات المليارات من الدولارات- إلى دولة تستثمر سياسيا وإستراتيجياً في الوجود الكردي المتفاعل في كامل المنطقة.

لذا يمكن القول إن إدراك تركيا لأهمية عملية السلام مع أكرادها ربما يتجاوز رغبة إيقاف التدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية، إلى تحويل العديد من الأجنحة والفصائل السياسية والأيديولوجية المنتمية لعقيدة "حزب العمال الكردستاني" بين الأكراد -بما فيها حزب "الحياة الحرة/ بيجاك" في إيران- إلى قوى سياسية واقتصادية نافذة تتلاءم والإستراتيجيات التركية في المنطقة. موسعة المحيط الحيوي لنفوذها في الشرق الأوسط على حساب النفوذ الإيراني، المعتمد في جوهره على "العصبوية" الطائفية والانتماءات الضيقة.

كذلك، فإن التحول نحو الحل السلمي والديمقراطي والتخلي عن السلاح والعنف، سيتبعه استغناء "حزب العمال الكردستاني" عن الخدمات الإيرانية، مما يعني زيادة دعم مرتكزات حل القضية الكردية في كامل المنطقة، والمعتمد -بشكل أساسي وجوهري- على إشاعة مناخات ديمقراطية لا تستطيع "دولة دينية" و"ثيوقراطية" مثل إيران توفيرها أو تقديمها.

أغلب الظن أن تأثيرات هذه الدعوة -في حال الاستجابة لها- ستغير شكل ونمطية العلاقات البينية بين الأكراد أنفسهم، وما يكتنف تلك العلاقات من صراع، يعتمد طرفاه على "حزب العمال الكردستاني" في تركيا من جهة، و"الحزب الديمقراطي الكردستاني" في العراق من جهة أخرى.

التحول نحو الحل السلمي والديمقراطي والتخلي عن السلاح والعنف، سيتبعه استغناء "حزب العمال الكردستاني" عن الخدمات الإيرانية، مما يعني زيادة دعم مرتكزات الحل الديمقراطي للقضية الكردية في كامل المنطقة

وسينعكس الأمر بدوره على الساحة الكردية في سوريا، فمع تخفيف حدة المزاحمة السياسية بين الحزبين وتحرير "حزب العمال" من "المحور الإيراني"، يُتوقع حدوث انفراجات سياسية، يتقرب بموجبها "حزب الاتحاد الديمقراطي" (النسخة السورية من "حزب العمال الكردستاني") من المعارضة السورية القريبة من تركيا.

وربما كانت عملية نقل ضريح "سليمان شاه" (جدّ مؤسس الدولة العثمانية) وما تبعها من تسريبات حول تنسيق تركي مع "قوات حماية الشعب" الكردية، يصب في هذا الاتجاه.

حيث يحمل هذا التعاون في مضمونه رسالة سياسية وأمنية بخصوص التوجهات المستقبلية لتركيا، والتي قد ترى في تعاونها مع قوات "حماية الشعب" -وهي صاحبة السلطة الفعلية في المناطق الكردية بسوريا- الطريقة المثلى لحماية حدودها من شرارات الحالة السورية وتبعات الصراع هناك.

لا شك أن دعوة أوجلان جاءت بعد مجموعة متباعدة من الإصلاحات والتحولات قام بها "حزب العدالة والتنمية" الحاكم في تركيا، بدءا من السماح بتنظيم دورات لتعليم اللغات غير التركية، وإطلاق قناة تلفزيونية ناطقة بالكردية "6TRT"، ووصولا إلى إعلان أردوغان "حزمة الإصلاحات الديمقراطية" في سبتمبر/أيلول ٢٠١٣، والمتضمنة في بعض بنودها إعطاء التراخيص لفتح مدارس ومعاهد خاصة باللغات غير التركية، وإعادة تسمية بعض القرى الكردية بأسمائها القديمة، ورفع القيود عن النشر باللغة الكردية.

غير أن التحول الأهم لم يقتصر على الجانب الحكومي وطرْحه لرؤية مختلفة عن رؤية الحكومات التركية المتعاقبة التي تعاطت مع القضية الكردية بالطرق والأساليب الأمنية والعسكرية، فقد ساهم أوجلان في إحداث تحول ما يمهد لفكرة تخلي حزبه عن السلاح، من خلال تغير نظرته لمحددات الصراع، وتبنيه لمفهوم "الأمة الديمقراطية"، ونقده "النظرية القومية" و"الجنسوية"، الأمر الذي أثر -بشكل ملموس- على الخطاب "القومي الرومانسي" لدى حزبه.

لكن وبالرغم من تأثير أوجلان (المسجون مدى الحياة في سجن "إمرالي" التركي) على خطاب الحزب، وطلبه الصريح لأتباعه التخلي عن السلاح، وسط ترحيب حكومي ورفض من حزب "الحركة القومية" (ثاني أحزاب المعارضة الكبرى في تركيا)، فإن عوائق مركبة وحقيقية تعترض سبيل تلك الدعوة، أهمها ما يتعلق بقدرة "حزب العمال" على تجديد نفسه وخطابه ليتواءم مع التحولات السياسية المقبلة، وقدرته على إجراء مراجعات شاملة وجذرية في أسسه النظرية والعقائدية.

عملية السلام في تركيا -التي بدأت قبل أكثر من عامين من خلال مفاوضات "غير مباشرة" بين الحكومة التركية وأوجلان- تدعمها قطاعات عريضة من الشعب الكردي والتركي، وذلك لإدراك الطرفين أن السير في اتجاه السلام هو الطريق الأصح

هذا إلى جانب مقدرة الحزب الفعلية على التخلص من النزعة العسكرية، بعد أن أضفى "الجناح العسكري" صبغته على كامل الحزب منذ تبنيه مبدأ "الكفاح المسلح" عام ١٩٨٤، حيث اعتبرت قيم الشهادة والاستشهاد والتضحية الجسدية، مع المقاربة المستمرة لمستوى "الثورية" واتقاد جذوتها بالعنف والمقاومة المسلح، من المرتكزات الأساسية في بينة الحزب.

صحيح أن اللجنة القيادية في "منظومة المجتمع الكردستاني" (وهي اللجنة القيادة في "حزب العمال الكردستاني") قد أصدرت بيانا موسعا حول نداء أوجلان، وربطت فيه التخلي عن "الكفاح المسلح" بحل القضية الكردية حلا جذريا، إلا أن اللجنة لم ترفض النداء بل وصفته "بالخطوة التاريخية"، مطالبة الحكومة التركية بتسلم زمام المبادرة وتقديم مؤشرات صادقة على نيتها في إنجاح عملية السلام، والإيفاء بتعهداتها وتنفيذ "الشروط العشرة التي طرحها أوجلان" كإطار شامل للحل السياسي.

الحقيقة، أن عملية السلام في تركيا -التي بدأت قبل أكثر من عامين من خلال مفاوضات "غير مباشرة" بين الحكومة التركية وأوجلان- تدعمها قطاعات عريضة من الشعب الكردي والتركي، وذلك لإدراك الطرفين أن السير في اتجاه السلام هو الطريق الأصح من أجل إحداث نقلة سياسية وأيديولوجية في البلاد، تجنبها المزيد من إزهاق الأرواح ومراكمة الأحقاد، فضلا عن تحويل عوامل الضعف والاستنزاف إلى عوامل قوة وتفاعل، في منطقة يتنازعها صراع الهويات وحدودها الدموية.

لا يُعرف بالضبط حجم ومدى التحولات التي قد تطرأ على عملية السلام خلال الأشهر والسنوات القادمة، لكن ما يمكن قوله هو أن مستقبل الأكراد والأتراك ليس مرهونا بالغطاء السياسي والديمقراطي فقط، بل بعقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة جديدة ذات هوية متفاعلة ومتجددة، هوية قادرة على تغليب روح العدالة والتسامح على لوثة الانتقام وحوار البنادق والدم.

المصدر : الجزيرة

التعليقات