مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول

أخذت التسريبات المتوالية عن الرئيس السيسي ومكتبه أبعاداً متعددة في مواقفه وعلاقته بأنظمة الحكم في الخليج العربي، باعتبارها -حسب الفاظه- مخزونا من أكياس الرز المملوءة بالنقود، أي أن التحالف معهم ليس مصلحيا إستراتيجياً بل نفعيا وقتيا، إضافة إلى أمور أخرى متعددة لسنا بصدد تفنيدها ولا حتى التعامل معها ككتلة واحدة، وقد زعمت السطات المصرية أنها مفبركة.

لكن المهم هو عدم إنكار مجملها والاعتراف الضمني بمسار التسريبات، والأهم من ذلك -وهو أخطر مضمون فيها- ما يُشكله التسريب من الحلقة المفقودة لمعرفة غرفة العمليات المركزية التي تحكم مصر من القاهرة.

فهذا البعد لم يجر تسليط الضوء عليه رغم أهميته، وهو تأكيد لطبيعة شخصية الرئيس السيسي وقدراته التي لا تتفق مع حركة المشهد السياسي في مصر، ويؤكد الدور القوي والمركزي لغرفة العمليات، فهذه الغرفة صاحبة القرار هي مدار استشراف المستقبل السياسي لمصر، وليس قدرة المعارضة الحالية على إسقاط نظامها الذي يعتمد على وجود الرئيس السيسي كواجهة له اليوم، ولكن ليس إلى الغد الذي قد لا يبعد سوى سنوات قليلة جداً.

وليس المقصود من عجز المعارضة الإسلامية والعلمانية عن إسقاط النظام هو إمكانياتها المحدودة والمحاصرة من قبل المؤسسة الاجتماعية والأمنية والعسكرية السياسية القوية في مصر، والتي تدير المشهد من غرفة عملياتها، لكنه أيضا من الحال البائس والواقع الممزق الذي تعيشه المعارضة، ومواسم الملاعنة والكفر بالتنسيق بين الإسلاميين واليسار، على مستوى القيادات والقاعدة.

كما أن تجربة الإخوان في المعارضة الثورية لا تزال تعطي نماذج فشل، ولا يبدو أنها استفادت من فشلها في تجربة الحكم السطحي الضعيف الذي وُرطوا فيه، أو المعارضة السياسية الهشة التي حاصرها الحزب الوطني ثلاثة عقود وحجّمها على مقاس مناسب له، وإن عجز عن تفتيت الإخوان الجماعة السلمية الاجتماعية التربوية التي صمدت أمام الإنجليز والقصر، ثم أمام مذابح العسكريين من عبد الناصر وحتى مذبحتيْ رابعة والنهضة، وهي تمُّر اليوم بأقسى اختبار يهز أركانها لتثبيت قرارها التاريخي السلمي، رغم حجم القمع الذي واجهته والتضحيات التي قدمتها.

ومؤشر هذا الفشل أيضاً -وعلى الأقل في المنظور الحالي- يتبين من خلال حجم الهوس العاطفي والخطاب المنفعل الذي يهمين على الحراك والأداء السياسي لشخصيات الجماعة، بل وتحويل كل مكتسباتهم في بلدان عربية أو في بعض المنابر العالمية إلى حالة عاطفية متشنجة في كثير من المشاهد، بدلاً من صناعة الإستراتيجية البديلة التي لن تُعيد الضحايا، ولكن تبني عبرهم مشعلا مضيئا لما أملوه وأمله الناس من ثورة 25 يناير وماتوا في سبيله.

التسريبات تؤكد الدور القوي والمركزي لغرفة العمليات، فهذه الغرفة صاحبة القرار هي مدار استشراف المستقبل السياسي لمصر، وليس قدرة المعارضة الحالية على إسقاط نظامها الذي يعتمد على وجود الرئيس السيسي كواجهة له اليوم، ولكن ليس إلى الغد الذي لن يتأخر كثيرا

إن مجرد غياب ملامح الرؤية المرحلية ثم الرؤية الإستراتيجية للعودة إلى مسارات خطاب ومضامين 25 يناير، وصناعة وطن الدستور والحقوق -ضمن تقسيم موضوعي يدرك أن إلقاء الضحايا تلو الضحايا في فم الاستبداد ليس حكمة ولا نضالا ثوريا راشدا- يعطي دلالته في هذا الاتجاه.

ومع أن الإخوان أقدموا مؤخرا -كما تفيد كل المصادر- على إجراء انتخابات داخلية شاملة تأخرت عقودا، وتم إعفاء محمد بديع ومجمل القيادات من المسؤولية التنفيذية بطلب منهم، وتصعيد مجموعات ذات بعد ديمقراطي وصناعة سياسية جديدة، لكنهم فيما يبدو مختطفون وجدانيا بحالة الانفعال العاطفي، الذي يعتقد أن العنف الثوري دون سلاح هو مساحة مبهمة لا يتوجب وضع تصور سياسي لها، أو لمرحلة العبور من مشهد إلى مشهد.

كما يغيب عنهم أن أزمة مصر وأزمة شارعها العام والسياسي، كما هي أزمة التفكير السياسي لدى الإخوان واختراق خطابهم بغلو سلفي التف عليهم مع السيسي، أو إشكالية الخندقة التربوية في العمل الوطني، تحتاج زمنا لمعالجة الفكرة وصياغة التصور قبل هدر المزيد من الدماء والتضحيات.

ومن هذه المقدمة التي تُظهر واقع المعارضة وأقوى فصائلها وأكثرها تضحية ومبدئية وهم شباب الإخوان، يتبين لنا أن الرئيس السيسي ليس مهدداً من قبل المعارضة، ورغم كل الضجيج والضغط الإعلامي فإن ما يتعرض له النظام الأصلي الحاكم في القاهرة لا يُهدد بإسقاطه، على الأقل فيما يُقرأ من الساحة الداخلية في مصر وتجاذبات القوى الاجتماعية السياسية، وإن لم يركد القدر للحكم الحالي حتى حينه.

لكن الرئيس السيسي هو حلقة التغيير القادمة فيما يبدو من قبل النظام الخاص الحاكم، وعليه فإن تورطه داخليا حين نقل المواجهة الخطيرة مع داعش مصر وداعش سيناء إلى عسكرة الصراع السياسي وقتل المعارضين السلميين بالذخيرة الحية، وجعل أمامهم أحد خيارين: القتل في المعتقل أو القتل في الشارع، ثم فتح الخط مع روسيا وإيران للتحالف معهما في مواجهة الثورة السورية وهو ما يستفز دولا خليجية، ثم إعلانه تبنيه حربا عسكرية تكون نواتها الجيش المصري كشريك في الحرب الأهلية الليبية، كل ذلك يعطي مؤشرات بأن الرجل يُدحرج لسيناريو معين يكاد ينصرم في سنتين أو أقل.

الحقيقة التي تبرز للمراقب بعد التأمل الدقيق هي أن الحلقة العسكرية المسيسة والقوية في قيادات القوات المسلحة ترتبط اجتماعيا واقتصاديا بالنظام الخاص أكثر من ارتباطها بالرئيس السيسي، وعليه فإن كل خيوط اللعبة تبرز اليوم أكثر على السطح بأيديهم في ظواهر المشهد

إن أخذ هذه الصورة المهمة في الاعتبار ثم العودة إلى طريقة حديث الرئيس السيسي وتفكيره في حديثه مع مقربين منه وأركان مكتبه -الذي أعقب بضحك شديد من أحدهم- يحمل مؤشرات هذه القدرات لدى الرئيس السيسي ومن يدفعه من الخلف أو من محيطه، وهو ما يدفعنا بالتأمل العميق للعودة إلى اكتشاف النظام الخاص الذي تنتمي له غرفة العمليات المركزية، وهو هنا مجددا الكتلة الصلبة المرتبطة اقتصاديا بمصالحها الشخصية الضخمة في الحزب الوطني، وأن الشخصية المحورية التي دفعتها سابقا لحكم مصر لا تزال معدة ومهيأة بعد اكتمال المشهد.

إن التأمل البسيط فضلا عن العميق، يجعل المرء يرى في عودة النظام الخاص للحزب الوطني ما هو أبعد من قضية تبرئة شخصيات حلفاء للرئيس السيسي لتعزيز مسيرته، ويُدرك تماما أن هذا النظام الخاص القوي لا يملك الرئيس السيسي أي مستوى منافس له، وأن الذراع القضائية المسيسة والشرسة وذات الأدوات الإعلامية الضخمة التي سُخّرت للرئيس السيسي هي في الحقيقة تابعة للنظام الخاص، وتغييرها نحو موجة جديدة سهل جداً.

لكن سيبقى السؤال الصعب، وهو: ماذا عن أركان القيادات العسكرية وهل هي موالية للرئيس السيسي أم للنظام الخاص؟ والحقيقة التي تبرز للمراقب بعد التأمل الدقيق هي أن الحلقة العسكرية المسيسة والقوية في قيادات القوات المسلحة ترتبط اجتماعيا واقتصاديا بالنظام الخاص أكثر من ارتباطها بالرئيس السيسي، وعليه فإن كل خيوط اللعبة تبرز اليوم أكثر على السطح بأيديهم في ظواهر المشهد؛ فهل بدأ العد التنازلي لعودة زعيم النظام الخاص جمال مبارك الرئيس لا السجين؟

هذا له دلائله الواضحة وإن لم يمكن أن يُجزم به، ومن هي الشخصية المرشحة بديلا مرحليا ثانيا أيضا؟ أم إن الأمر يستوجب مهلة جديدة لتأزم أكبر للرئيس السيسي؟

لعل من أهم الشواهد التي التقطها المراقب -وهو أمرٌ مؤلمٌ لمصر- أن عدم التحمس لرعاية مصالحة تحقن الدماء وتعيد الصراع سياسيا، سببه هو إدراك القادرين على رعاية هذه المصالحة من الطرفين بأن موسمها لم يحل، لأن النظام الخاص لم يستلم الحكم مباشرة وهو من يملك القرار؛ فكم ستخسر مصر حتى حينه بقراره أو رفضه؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك