عامر راشد

عامر راشد

كاتب فلسطيني


معركة مفصلية
المعادلة الصفرية
الحرب الساخنة
مأزق مزدوج

تصاعدت حدة الاتهامات المتبادلة بين موسكو وواشنطن على خلفية انهيار وقف إطلاق النار في مناطق شرق وجنوب شرق أوكرانيا. وتمدد المعارك لتشمل قصف ميناء ماريوبول الإستراتيجي، يخلع على الأزمة الأوكرانية والعلاقات الروسية الغربية، أبعادا سلبية وأكثر تعقيدا.

تشترك الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية، والاتحاد الأوروبي بنسبة أقل، في تقدير أن الفرص المتاحة لتسوية الأزمة الداخلية الأوكرانية بوسائل دبلوماسية باتت محشورة في هامش ضيق جدا.

تقدير عُبِّر عنه في سيل من التصريحات الرسمية الروسية في الأيام القليلة الماضية، تضمنت تصريحا غير مسبوق على لسان الرئيس فلاديمير بوتين، اتهم فيه الجيش الأوكراني بأنه "بات فيلقا لحلف شمال الأطلسي (الناتو) لا يخدم المصالح الوطنية الأوكرانية، وإنما يهدف إلى تحقيق أهداف جيوسياسية مثل ردع روسيا". وقابلت الإدارة الأميركية التصريحات الروسية بحملة مضادة لوحت فيها بفرض المزيد من العقوبات الاقتصادية الغربية على روسيا، بينما اتهم البرلمان الأوكراني موسكو بأنها تدعم "عدوان" من وصفتهم بـ"المتمردين" و"الإرهابيين" في دونتسك ولوغانسك، شرق وجنوب شرق أوكرانيا.

تشترك الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية، والاتحاد الأوروبي بنسبة أقل، في تقدير أن الفرص المتاحة لتسوية الأزمة الداخلية الأوكرانية بوسائل دبلوماسية باتت محشورة في هامش ضيق جدا

حملة الاتهامات المتبادلة بين موسكو من جهة، وواشنطن وكييف من الجهة الأخرى، جاءت عشية اتساع رقعة العمليات العسكرية في منطقة الدونباس، وتمددها إلى لوغانسك، واستهداف ميناء ماريوبول بصاروخ أودى بأرواح العشرات، وهو ما رأت فيه كييف وواشنطن وبروكسل مقدمة معركة للسيطرة على هذا الميناء الإستراتيجي، وتوسيعا لخطوط القتال ينسف أسس اتفاق وقف إطلاق النار، الذي تم التوقيع في سبتمبر/أيلول الماضي.

معركة مفصلية
يحتل ميناء ماريوبول موقعا إستراتيجيا غاية في الأهمية، بإطلالته على بحر آزف الموزع بين الشواطئ الروسية والأوكرانية، وتحكمه بمضيق كيرتش الفاصل بين البر الروسي وشبه جزيرة القرم في الغرب. وإذا كان الجميع يسلم بأن الأوضاع لن تعود إلى ما قبل 18 مارس/آذار 2014، تاريخ توقيع الرئيس بوتين على انضمام شبه جزيرة القرم إلى الاتحاد الروسي، إلا أن فتح معركة ماريوبول ينظر إليها من قبل كييف والعواصم الغربية كامتداد للصراع على شبه الجزيرة، الذي حسمته موسكو بالضربة القاضية لصالحها.

في حين تدفع الأخيرة بأن واشنطن غير راغبة في تحسن الأوضاع السياسية وتعزيز فرص التسوية الدبلوماسية في أوكرانيا، من خلال إصرار إدارة أوباما على عدم رفع العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، والتلويح بعقوبات إضافية.

أهمية ماريوبول بالنسبة لروسيا تتمثل في أنها تؤمن الطريق البحري للوصول إلى شبه جزيرة القرم، وهناك مشروع روسي لبناء جسر للشاحنات وسكة حديد بالإضافة إلى الرحلات البحرية، لكن مستقبل هذا المشروع يرتبط بمصير هذه المدينة، التي تعد المدينة الأكبر تحت سيطرة القوات الأوكرانية الحكومية في الجنوب الشرقي للبلاد، وهو ما من شأنه كذلك -في حال فقدان كييف لها- تكريس واقع جديد يدعم جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك المعلنتين من جانب واحد، من قبل مناهضي الحكم الأوكراني الجديد. ناهيك عن المكانة الاقتصادية للمدينة، من حيث المنشآت الاقتصادية الحيوية الموجودة فيها.

المعادلة الصفرية
يقدِّم الخطاب الرسمي الروسي، موقف موسكو من الأزمة الأوكرانية وتداعياتها بأنها ناجمة عن سعي حلف "الناتو" لتوسيع مناطق نفوذه في بلدان الاتحاد السوفياتي السابق، مما أدى -بحسب الدكتور أندريه سوشينتسوف، الأستاذ في معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية والباحث في منتدى "فالداي"- إلى نشوء "لعبة المعادلة الصفرية" في الفضاء السوفياتي السابق.

وعليه فإن موسكو إزاء الأزمة الأوكرانية "تدافع عن مصالحها القومية التي يُعدّ بعضها حيويا للغاية"، في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة انتهاز الأزمة لتعزيز مواقعها نحو الشرق في الجوار الروسي، و"بذلك تكون قد ساعدت على تصدع المجتمع الأوكراني وتعزيز القوى السياسية العديمة المسؤولية".

ويلفت سوشينتسوف إلى أن دول "الناتو" لا تدرك أن "دول الاتحاد السوفياتي السابق هشة للغاية، وأن الاستفزازات الخارجية تهدم الاستقرار السياسي في هذه البلدان، مما يعني انهيار شروط النمو الاقتصادي. وهذا ما يعوق خروج بلدان الاتحاد السوفياتي من فخ المداخيل المتوسطة وانتقالها إلى مستوى الدول الأوروبية المتطورة، ذلك لأن الرخاء هو الذي يفضي إلى الديمقراطية وليس العكس".

لا تظهر إدارة أوباما صراحة وجود نية لديها للدخول في صراع مباشر مع روسيا، وتكتفي بالضغط على موسكو من خلال حلف "الناتو"، لإطالة أمد الأزمة الأوكرانية، في مسعى لمزيد من توريط روسيا وتخريب علاقاتها مع بروكسل

بداية حل الأزمة الأوكرانية، وفقا لما تنادي به موسكو، يتطلب تنازلات مؤلمة من كييف في مفاوضات مع ممثلي "جمهوريتي الدونباس ولوغانسك"، بإقرار الحكومة الأوكرانية المركزية أنها فقدت السيطرة الفعلية على جزء من الدولة، كتجسيد عملي يضمن العودة إلى تطبيق اتفاق مينسك لوقف إطلاق النار.

رئيس هيئة رئاسة مجلس السياسة الخارجية والدفاعية الروسي، فيودور لوكيانوف، دافع عن هذه الفكرة في مقالة له نشرها في موقع "روسيا وراء العناوين"، سبتمبر/أيلول الماضي، وخلص فيها إلى القول: "السيناريو الأمثل لروسيا، كما يبدو لنا، يتمثل بإعداد صيغة ما لأوكرانيا موحدة، تمنح صلاحيات حكم ذاتي واسع لدوينتسك ولوغانسك، وضمانات تصون حقوقهما داخل كيان الدولة الجارة. وفي هذه الحالة يمكن أن تقدم روسيا المساعدة لهما في إطار الجهود الدولية التي ستبذل، في شتى الأحوال، لإعادة إعمار أوكرانيا. إن وجود هاتين المنطقتين ضمن أوكرانيا من شأنه أن يوفر لموسكو ذراعا للتأثير في السياسة الداخلية الأوكرانية..".

لكنه يستدرك بالتقليل من إمكانية التوصل إلى مثل هذا الاتفاق، لأن "الولايات المتحدة تنظر إلى الأزمة الأوكرانية عبر مؤشر مصالحها الإستراتيجية الخاصة في أوروبا، ومن زاوية احتواء روسيا"، ولذلك فإن "مصير أوكرانيا الشرقية عنصر من عناصر خريطة مستقبلية كبيرة، ومشوشة، وبالغة التعقيد، يستحيل التكهن بتفاصيلها الآن".

تقديرات لوكانيوف، المقرب من الكرملين، تلامس الحل الذي ترغب به موسكو وتتناسب مع التعامل الروسي إزاء "جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك"، فهي لم تعترف بهما حتى الآن، وليست على عجلة من أمرها لفعل ذلك، عكس ما جرى تماما مع موضوع شبه جزيرة القرم، واعتباره الحدث الأهم لروسيا في حديث بوتين مع المواطنين نهاية العام الماضي.

وكان يمكن لروسيا أن تعترف بهاتين الجمهوريتين لو كانت راغبة في تقسيم أوكرانيا، ولنتذكر الاعتراف السريع والواضح بجمهوريتي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا عام 2008.

وفي الوقت ذاته فإنها تزود دونيتسك ولوغانسك بقوافل دعم إنسانية، ولا تنكر وسائل الإعلام الروسية وجود مئات، وربما ألوف المتطوعين الروس، ومن جنسيات أخرى، يقاتلون في جنوب شرق أوكرانيا، لدعم هاتين "الجمهوريتين". ولكن روسيا تسعى إلى حل تقبل به بروكسل وواشنطن، ضم القرم إضافة إلى أوكرانيا موحدة بحكم ذاتي موسع للمناطق الجنوبية الشرقية، مع التشديد على ضرورة عدم انضمام أوكرانيا إلى "الناتو".

في المقابل، لا تظهر إدارة أوباما صراحة وجود نية لديها للدخول في صراع مباشر مع روسيا، وتكتفي بالضغط على موسكو من خلال حلف "الناتو"، لإطالة أمد الأزمة الأوكرانية، في مسعى لمزيد من توريط روسيا وتخريب علاقاتها مع بروكسل، وربما مع بلدان أخرى في الاتحاد السوفياتي السابق.

الحرب الساخنة
فضلا عن المغالبة الروسية والغربية المباشرة في الأزمة الأوكرانية، تفيد تقديرات الكثير من المخضرمين والمحللين السياسيين في موسكو بأن الولايات المتحدة نجحت في جر روسيا إلى "حرب باردة" جديدة، ومن بين هؤلاء آخر رئيس للاتحاد السوفياتي السابق، ميخائيل غورباتشوف، الذي صرح مؤخرا، لوكالة "إنترفاكس" الروسية، بأن "الحرب الباردة" نشبت وتجري بشكل علني، وأضاف أنه لا يستطيع استبعاد محذور أن "الحرب الباردة" لن تؤدي إلى "حرب ساخنة"، وأعرب عن خشيته من أن الغرب قد يتجاسر على ذلك.

لا يمكن لبروكسل أن تسمح بتغيير خريطة أوروبا السياسية، ولكنها تعاني مشكلتين أساسيتين: الأولى الأزمة الاقتصادية التي تهدد وحدة الاتحاد الأوروبي، والثانية عدم وجود نخب تثق بها داخل الحكم الأكراني

وفي سياق متصل، أوضح رئيس هيئة الأركان العامة الروسية، الجنرال فاليري غيراسيموف، في اجتماع لقيادة الهيئة في الثلاثين من يناير/كانون الثاني 2015، أن الغرب يستخدم أساليب جديدة في المواجهة مع روسيا، تجمع وسائل عسكرية وغير عسكرية، سياسية ومعلوماتية.

وأضاف أن مشكلة منظومة الدفاع الصاروخي الأميركية بدأت تكتسب طابعا عالميا، ويجري تعزيز مكونات هذا النظام في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مشددا على أن روسيا لا يمكنها الوقوف مكتوفة الأيدي أمام تطوير منظومة الدفاع الصاروخي الأميركية، وستضطر إلى اتخاذ إجراءات جوابية.

مأزق مزدوج
وإذا صحت التقديرات بأن الأزمة الأوكرانية لم تعد سوى جزء من عملية فرض "لعبة معادلة صفرية"، في فضاء الاتحاد السوفياتي السابق، ستدخل الأزمة في طور أعلى وأوسع من التصعيد، يتعداها إلى مواجهة شاملة بين روسيا والغرب، والولايات المتحدة خاصة، بأدوات سياسية واقتصادية شرسة.

وفي الوقت الراهن، يبدو الصراع صعبا وشائكا، فبوتين يريد تصحيح ثلاثة أخطاء كبيرة، الأول هو ضم جمهورية القرم إداريا إلى أوكرانيا في خمسينيات القرن الماضي، وهو أمر لم يكن ليغير شيئا نظرا لوجود الاتحاد السوفياتي آنذاك، والثاني عدم مطالبة الرئيس بوريس يلتسين بالقرم عند منح أوكرانيا استقلالها، والثالث هو عدم إدراج أي بند حول ضرورة عدم جواز توسيع الناتو نحو الشرق باتجاه دول حلف "وارسو" والاتحاد السوفياتي السابق، في الاتفاقات الموقعة لانسحاب القوات السوفياتية من شرق أوروبا.

بدورها، لا يمكن لبروكسل -بدعم من واشنطن- أن تسمح بتغيير خريطة أوروبا السياسية، ولكنها تعاني مشكلتين أساسيتين: الأولى الأزمة الاقتصادية التي تهدد وحدة الاتحاد الأوروبي، والثانية عدم وجود نخب تثق بها في داخل أوكرانيا الحاكمة، والتجربة المريرة مع القيادات السياسية على مختلف مشاربها في سنوات وجود أوكرانيا كدولة مستقلة.

وربما تفتح أو تكشف هاتان المشكلتان عن عدم وجود آلية وطريقة محددة للتدخل بقوة أكثر في الأزمة الأوكرانية تتجاوز فرض عقوبات على روسيا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك