عامر راشد

عامر راشد

كاتب فلسطيني


حل وسط بطعم الخسارة
ضرورات فرضت الاتفاق
عقدة ديبالتسيفي
محصلة أولية

توقف دوي أصوات المدافع مرة أخرى في شرق أوكرانيا، مع تسجيل اختراقات محدودة، ولكن الأسئلة المطروحة هي إلى متى؟ ومن سيضغط على الزناد أولا؟ وهل هناك إمكانية لتحويل وقف إطلاق النار إلى اتفاق سلام شامل أو تحقيق هدنة شاملة بين السلطات الأوكرانية والانفصاليين.

نصف نجاح على حافة واد سحيق يغص بالتفاصيل التي تكمن فيها الشياطين، وصف ينطبق على اتفاق "مينسك2" الذي خرجت به القمة الرباعية بين رؤساء روسيا وأوكرانيا وفرنسا والمستشارة الألمانية، أو ما يصطلح على تسميته "رباعية النورماندي".

فالاتفاق الذي بني على اتفاق "مينسك1"، الموقع عليه في سبتمبر/أيلول الماضي، يتضمن وقفا لإطلاق النار وسحب الأسلحة الثقيلة إلى خط 19 سبتمبر/أيلول 2014، دون آليات واضحة للتنفيذ على الأرض، أو وسائل مراقبة لوجستية ملموسة على مدى التزام الطرفين المتحاربين، كما أن بقية البنود، التي كُشف عنها، صيغت بطريقة مبهمة قابلة لتفسيرات وتأويلات شتى.

حل وسط بطعم الخسارة

الاتفاق الذي بني على اتفاق "مينسك1"، يتضمن وقفا لإطلاق النار وسحب الأسلحة الثقيلة إلى خط 19 سبتمبر 2014، دون آليات واضحة للتنفيذ أو وسائل مراقبة لوجستية ملموسة، كما أن بقية البنود، التي كُشف عنها، صيغت بطريقة مبهمة قابلة لتفسيرات شتى
الأطراف المشاركة في القمة سوقت لاتفاق "مينسك2" كحل وسط بين الحكومة الأوكرانية والمتمردين عليها في منطقتي "دونيتسك" و"لوغانسك"، اللتين أعلنت فيهما جمهوريتان مستقلتان عن السلطة المركزية من طرف واحد، بيد أن كييف لم تخرج من الاتفاق بمكاسب يمكن أن تعتد بها، فالتحليلات الروسية والأوروبية الغربية والأميركية تؤكد في غالبيتها أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين انتصر على نظيره الأوكراني بيوتر بوروشينكو في القمة، بفرض رؤية روسيا لشروط وقف إطلاق النار، واضطرار بوروشينكو للموافقة نظرا لتدهور أوضاع القوات الحكومية في أرض المعركة.

ولا يضع اتفاق "مينسك2" -من وجهة نظر كييف- أسسا واضحة لتسوية شاملة للأزمة الأوكرانية، ويمكن أن تكون مقبولة من كل الأطراف، فنص الاتفاق وإن تضمن بندا يؤكد على احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها، إلا أنه أحال ترجمة ذلك إلى مفاوضات تكميلية بين كييف وقادة إقليمي "دونيتسك" و"لوغانسك"، تبحث في إعطاء وضع خاص للإقليمين، في ظل بون شاسع في المواقف.

وملخص هذه المواقف متعلق بطبيعة وشكل الدولة في أوكرانيا على ضوء ما سيؤول إليه الحل الشامل لاحقا، هل ستكون دولة مركزية فدرالية أم دولة توجد فيها مناطق بحكم ذاتي موسع، قد تتبنى سياسة خارجية مستقلة، وتؤثر في صناعة القرار السياسي المركزي الأوكراني، إلى إقرار وضع اقتصادي خاص بالإقليمين، واستخدام اللغة الروسية فيهما، كجزء من الحل المفترض.
والمثال الحاضر هنا بقوة هو تجربتا "أبخازيا" و"أوسيتيا الجنوبية" اللتين تحولتا من مقاطعتين جورجيتين إلى جمهوريتين مستقلتين، باعتراف دولي محدود جدا، لكنهما ما زالتا تعيشان بحكم الأمر الواقع، بدعم روسي غير محدود.

وتجدر الإشارة إلى بند في اتفاق مينسك2" ذي مغزى يمكن أن يصب في هذا الاتجاه مستقبلا، ينص على أن يتم حل مواضيع أمن الحدود بالتنسيق بين كييف و"لوغانسك" و"دونيتسك"، أي أن الاتفاق لا يعطي للحكومة المركزية مهمة أمن حدود جنوب شرق أوكرانيا مع روسيا. كما أن سحب الأسلحة الثقيلة إلى حدود 19 سبتمبر/أيلول 2014 لا يعني تراجع قوات الجانبين إلى تلك الحدود، وهو ما أكده أحد قادة المتمردين بالقول لوكالة "فرانس برس": "باقون حيث نحن".

ضرورات فرضت الاتفاق
سبق التوقيع على اتفاق "مينسك2" هجمات عسكرية مركزة شنها المتمردون على القوات الحكومية، استطاعوا من خلالها السيطرة على مساحات شاسعة جديدة جنوب شرق أوكرانيا، وإجبار وحدات الجيش على التراجع وحصارها في آخر معاقلها، الأمر الذي دفع كييف إلى القبول بوقف إطلاق النار بشروط صعبة فرضت عليها من جانب موسكو.

استفادت موسكو من تناقضات طفت على السطح بين أوربا وأميركا برز فيها عدم رغبة أوروبا في فرض عقوبات جديدة على روسيا، قد تضر بالبلدان التي ستفرضها، ومعارضة برلين وباريس توجه واشنطن لتزويد الجيش الأوكراني بأسلحة دفاعية
ويضاف إلى ذلك، في نطاق أوسع، شعور الحكومة الأوكرانية بأنها راهنت على حسابات خاطئة بخصوص إمكانية تسليح جيشها من قبل أوروبا الغربية والولايات المتحدة، وقدرتها على تغطية تكاليف الحرب في ظل انهيار اقتصاد البلاد، لاسيما أن تعويلها على دعم أوروبي وأميركي جاء بنتائج محبطة. كذلك تفضيل الأوربيين الانخراط في البحث عن تسوية سياسية تقلل من خسائر كييف قدر الإمكان، وفي الوقت عينه سعيهم إلى عدم تعميق الخلافات مع موسكو، مما يقتضي تخفيض سقف المطالب المقدمة إليها.

بدورها وجدت روسيا في اتفاق "مينسك2" فرصة سانحة لتلافي فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية الأوروبية عليها، والعمل على تخفيفها وكسرها مستقبلا، دون أن تقدم أي تنازلات جوهرية لحكومة بوروشينكو، أو التراجع عن اعتبار أنها تدافع عن نفسها في موقفها المتصلب من الأزمة الأوكرانية، وما تصفه بخطر تمدد حلف "الناتو" إلى مجالها الحيوي وحدودها.

واستفادت موسكو من تناقضات طفت على السطح بين بلدان الاتحاد الأوروبي الولايات المتحدة، برز فيها عدم رغبة أوروبا في فرض عقوبات جديدة على روسيا، قد تضر بالبلدان التي ستفرضها، ومعارضة برلين وباريس توجه واشنطن لتزويد الجيش الأوكراني بأسلحة دفاعية.

عقدة ديبالتسيفي
في إجابته على سؤال حول كيفيه حل قضية القوات الحكومية المحاصرة في مدينة ديبالتسيفي أجاب الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ببساطة: "نرى أنه من الضروري أن يلقوا السلاح". وكان لإجابة بوتين وقع ثقيل على أوكرانيا، التي حذر رئيسها بوروشينكو من مخاطر كبيرة تحيط باتفاق وقف إطلاق النار.

وسيترتب على شكل حل قضية القوات الحكومية المحاصرة في مدينة ديبالتسيفي تأثير كبير على مستقبل "مينسك2"، لما تمثله من موقع مهم وعقدة مواصلات رئيسية بين عاصمتي إقليمي "دونيتسك" و"لوغانسك"، فضلا عن تهديد المتمردين لمدينة ماريوبول الإستراتيجية، وآخر المعاقل الواقعة تحت سيطرة القوات الحكومية.

وحسم مستقبل المدينتين المذكورتين سيكشف إلى حد بعيد وجهة تقرير مستقبل جمهوريتي "دونيتسك" و"لوغانسك"، وشكل الدولة الأوكرانية، بينما تميل موازين القوى على الأرض إلى فرض حكم ذاتي موسع أقرب إلى الاستقلال الناجز.

محصلة أولية
يمكن القول إن ما خرجت به القمة الرباعية تسوية مؤقتة، تحتاجها كييف لالتقاط أنفاسها، مثلما تحتاجها موسكو أيضا للتهدئة مع بلدان الاتحاد الأوربي، التي عبرت من جانبها عن ارتياحها للاتفاق على لسان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند بالقول: "أوروبا تنفست الراحة"، لكن السؤال الأهم هل تنفست أوكرانيا الراحة؟
ما خرجت به القمة الرباعية هو تسوية مؤقتة، تحتاجها كييف لالتقاط أنفاسها، مثلما تحتاجها موسكو أيضا للتهدئة مع بلدان الاتحاد الأوربي، التي عبرت من جانبها عن ارتياحها للاتفاق على لسان الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند
الرئيس الأوكراني ذهب إلى القمة وهو يدرك سلفا أنه خسر مقدما العديد من الأوراق، أولها القوة العسكرية على الأرض، وثانيها الحفاظ على أوكرانيا بحكم مركزي، وثالثها إغلاق الباب أمام انضمامها إلى حلف "الناتو" في الأفق المنظور، بسبب تحفظ دول محورية في الحلف، مثل ألمانيا وفرنسا.

وثمة أوراق أخرى بالغت كييف في تقديرها، مثل إمكانية الدخول في عضوية الاتحاد الأوروبي، فقد ثبت أن أوكرانيا تحتاج إلى وقت طويل حتى تستوفي شروط ومعايير الانضمام للاتحاد، إصلاحات اقتصادية وقانونية وهيكلية. وتم تثبيت نص في البيان الصادر عن رباعية النورماندي يدعو إلى إجراء "محادثات ثلاثية بين الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا وروسيا، للوصول إلى اتفاق لحل المسائل التي تثير قلق روسيا، نظرا لتنفيذ اتفاقية إقامة منطقة تجارة حرة بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي"، وهذا يلبي أحد المطالب الرئيسية لروسيا.

بالمقابل دعا قادة البلدان الأربعة إلى مواصلة المحادثات الثلاثية بين الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا وروسيا بشأن الطاقة، للإبقاء على ضخ إمدادات الغاز الروسي عبر الأراضي الأوكرانية، وهو ما سيساعد على تخفيف الأعباء الاقتصادية عن كييف.

في المحصلة استطاعت روسيا تسجيل نقاط كثيرة ومهمة في القمة الرباعية، لم يكن أمام أوكرانيا سوى القبول بها لحاجتها الماسة إلى التقاط أنفاسها، ونتيجة للموقف الأوروبي الضاغط عليها في هذه المرحلة، غير أن الطريق مازال طويلا قبل تحقيق تسوية شاملة وقابلة للحياة، لافتقار اتفاق "مينسك2" إلى آليات تنفيذ محددة، وبقاء الحلول معلقة بانتظار بلورتها في مباحثات لاحقة، يتوقع أن تكون شاقة ومعقدة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك