عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوريا ويهتم بقضايا الفكر والثقافة، ويكتب بشكل دوري في بعض الدوريات العربية.


فقدان الوساطة
مسار دي ميستورا
المواقف الدولية

أثارت تصريحات المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، التي اعتبر فيها أن بشار الأسد جزء من الحل في سوريا، ردود فعل غاضبة لدى المعارضة السورية ولدى غالبية السوريين.

وفاقم من غضب السوريين تزامن تلك التصريحات مع انهمار صواريخ وبراميل نظام الأسد المتفجرة على رؤوس المدنيين في بلدة دوما، ومع استمرار حربه الشاملة الكارثية التي قضت على أرواح مئات آلاف السوريين وشردت أكثر من نصف سكان سوريا ودمرت مدنا وبلدات عديدة، ومع اقتراب الأزمة السورية من اكتمال عامها الرابع، وهو (الأسد) أصل الأزمة والمسبب والمسؤول الأول عن نتائجها الكارثية المدمرة على السوريين وسوريا.

فقدان الوساطة

حديث دي ميستورا عن دور الأسد في الحل ليس اعتباطيا، فهو لم يأت من مسؤول سابق أو متقاعد، بل من موفد أممي. ويتضمن حمولات وتغيرات في الموقف الأممي حيال نظام الأسد وحيال الأزمة السورية، ولن تنفع محاولات دي ميستورا نفسه التخفيف من وقع تصريحاته أو تغيير مدلولاتها

لم تقتصر ردات الفعل على المعارضة السورية، بل لاقت تصريحات دي ميستورا رفضا فوريا من طرف الخارجية الفرنسية، التي اعتبرت أنه لن يكون هنالك تحول في سوريا من دون رحيل الأسد، في حين أكدت الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية جنيفر بساكي أن "موقف الولايات المتحدة لم يتغير، والرئيس السوري بشار الأسد فقد الشرعية ويجب أن يرحل عن السلطة".

وقد حاولت الناطقة باسمه جولييت توما الالتفاف على تصريحاته، واعتبرت أن "بيان جنيف للعام 2012 نقطة الاستناد الأساسية للوصول إلى حل سياسي طويل الأمد للأزمة السورية"، لكنها اعتبرت أيضا أن "على الرئيس السوري والسلطات المساهمةَ في الوصول إلى حل يضع حدا للعنف والمأساة الإنسانية في سوريا".

ثم حاول دي ميستورا بنفسه التخفيف مع وقع كلامه من خلال الاتصال برئيس الائتلاف السوري المعارض خالد خوجة، في محاولة لشرح وتوضيح التصريح الذي صدر عنه في ختام لقائه بوزير الخارجية النمساوي سيباستيان كورتس في فيينا.

ولعل من المستهجن أن يؤكد دي ميستورا لرئيس الائتلاف أن "المقصود من التصريح هو جر الأسد إلى دائرة الحل، وتوريطه ببداية حل سياسي، وليس المقصود منه حرفية التصريح"، لأن في ذلك محاولة للتذاكي مكشوفة وسمجة، وتضمر اللعب على وتر استجرار رأس النظام إلى حل سياس، مقابل إغرائه وتأكيد دوره في الحل، مما يعني بقاءه في السلطة التي يشن حربا من أجلها، بل باع البلد لنظام الملالي الإيراني ولمليشيات حزب الله مقابل الدفاع عنه، ومحاربة السوريين بغية إخضاعهم لنظام الاستبداد والقهر واستمرار بقاء الأسد على رأسه.

والواقع هو أن كلام دي ميستورا عن دور الأسد في الحل ليس اعتباطيا، فهو لم يأت من مسؤول سابق أو متقاعد، كما يفعل الساسة المنتهية مهامهم، بل من موفد أممي، ويتضمن حمولات وتغيرات في الموقف الأممي حيال نظام الأسد وحيال الأزمة السورية، ولن تنفع محاولات دي ميستورا نفسه التخفيف من وقع تصريحاته، أو تغيير مدلولاتها، خاصة وأن الولايات المتحدة الأميركية، ومعها دول التحالف الذي تقوده، غيرت أجنداتها وأولوياتها، حيث باتت الحرب على داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) هي الوجهة التي تلتقي فيها الجهود الأميركية والدولية، ولم يعد حل الأزمة السورية يعني الكثير بالنسبة إليها.

ويكشف كلام دي ميستورا موقفا منحازا إلى جانب الأسد ونظامه، مما يعني أن وساطته "الأممية" باتت موضع شك وعرضة للانهيار، خاصة مع إعلان قوى المعارضة رفضها شكلا ومضمونا، واتهامه بمحاولة استرضاء الأسد، لأنه اعتبر أن الأسد "جزء من حل المعاناة السورية"، وأكد على "استحالة تجاوزه"، بل تمادى في القول حين اعتبر أن "بشار الأسد لا يزال هو الرئيس السوري الحاكم"، ولم يقل ماذا يحكم هذا الرئيس؟ وكيف يحكم جزءا من البلاد؟

وتناسى أن من يتحدث عنه متهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وأن تقارير أممية عديدة أكدت أنه ارتكب أبشع المجازر ضد غالبية شعبه، واستخدم السلاح الكيميائي ضد المدنيين العزل في غوطتي دمشق، وبدلا من المطالبة بتقديمه إلى المحكمة الجنائية الدولية، الخاصة بمحاكمة مجرمي الحرب، وتحقيق العدالة الدولية، يدعوه السيد دي ميستورا إلى "الإسهام في وضع حد للعنف"، ولأجل ذلك يطمئنه إلى كونه جزءا من الحل في سوريا، وأن نصيبه في السلطة باق ويتمدد.

مسار دي ميستورا

يتجاهل دي ميستورا عن قصد ودراية دور الأسد في جذب الإرهابيين وتوفير ممكنات تمددهم، كونه المسؤول عن إطلاق سراحهم من سجونه، وانسحاب قوات جيشه من العديد من المواقع لصالحهم، حتى باتوا قوة لا يمكن تجاهلها

يكشف مسار مهمة دي ميستورا أنه منذ أن استلم هذه المهمة وهو يحاول نسف الأساس السياسي الذي نهض عليه "اتفاق جنيف 1" يوم 30 يونيو/حزيران 2012، رغم حديثه عن أنه يستند إلى الاتفاق في تحركاته، خاصة فيما يتعلق بهيئة الحكم الانتقالية الكاملة الصلاحيات، وكذلك البنود الستة التي تضمنتها خطة كوفي أنان.

والبديل الذي قدمه هو التركيز على الجانب الإنساني، واختصار الأزمة السورية إلى مجرد أزمة إنسانية، تحقيقا لمقولته التي تعتبر أن "المشكلة الأساسية في سوريا تكمن في الأزمة الإنسانية".

وعلى الرغم من أهمية المسألة الإنسانية في سوريا، التي يجب أن يضمنها المجتمع الدولي دون نقاش أو تردد، فإن ما يطرحه دي ميستورا فيه حرف عن المهمة الأساسية التي أوكلت إليه، المتمثلة في تكثيف جهوده من أجل إيجاد حل سياسي ينهي الأزمة ويلبي طموحات الشعب السوري، وحيث أخذ دي مستورا يتنصل منها شيئا فشيئا، فطرح جملة من الأفكار التي تبدأ من الأسفل، دون المساس برأس نظام الحكم، وبدلا من وقف شامل للقتال، حسبما نص عليه اتفاق جنيف 1، راح يتحدث عن "تجميد القتال في مناطق محدودة"، مقابل إدخال المساعدات الإنسانية إليها.
وقد طرح دي ميستورا في مرحلة أولى تجميد القتال في أكثر من 15 منطقة سورية، ثم عاد وتراجع عن طرحه، حين لم يلق قبولا لدى الأسد، الذي أشار إليه أن يبدأ التجميد في حلب، وبعدها أخذ يتحدث عن "إيجابية النظام" وترحيبه بخطته، ثم أطلق تصريحات، وقام بعدد من الزيارات إلى دمشق، تصب في سياق رفع مستوى التنسيق مع نظام الأسد إلى مستوى تعويم نظام الأسد وإعادة تأهيله، من خلال إعادة الاعتراف الدولي به، وجعله شريكا في الحرب على داعش، بل راح يطالب المعارضة بالتوحد مع النظام "لمواجهة خطر داعش الذي يتهدد الجميع".

ويتجاهل دي ميستورا عن قصد ودراية دور الأسد في جذب الإرهابيين وتوفير ممكنات تمددهم، كونه المسؤول عن إطلاق سراحهم من سجونه، وانسحاب قوات جيشه من العديد من المواقع لصالحهم، حتى باتوا قوة لا يمكن تجاهلها.

واستغل المبعوث الأممي الحالي انشغال المجتمع الدولي وتركيزه على الحرب ضد تنظيم داعش، كي يسوق أفكاره، وتتناغم مع الجهود الرامية إلى تحويل كل الجهود نحو هذه الحرب، تحقيقا للإجماع الدولي عليها، بمعنى أنه يسعى إلى تركيز جهود المعارضة والنظام في الحرب ضد داعش، لكن ما يسكت عنه المبعوث الدولي، ويتعامى عنه، هو أن أي حل في سوريا يجب أن ينهي الظلم الذي وقع على غالبية السوريين من قبل نظام الأسد، وأن هذا النظام الظالم لم يخض أية معركة حقيقية ضد تنظيم داعش، بل إنه حين كانت فصائل من الجيش الحر تخوض معارك ضد هذا التنظيم، كانت طائرته تقدم الإسناد والعون له من خلال قصف مواقع المعارضة السورية بالصواريخ والبراميل المتفجرة.

بل الأدهى من ذلك هو أن نظام الأسد سهل لداعش السيطرة على العديد من المواقع، وخاصة في الرقة وريف حلب، في حين أنه كان يدافع عنها بشراسة عندما كانت فصائل الجيش الحر تهاجم تلك المواقع.

المواقف الدولية
رغم رد كل من الخارجية الفرنسية والأميركية على تصريحات دي ميستورا، فإن مواقف دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية عرفت مؤخرا تغيرا كبيرا من الأزمة السورية.

بين تعويل نظام الأسد ورهانات دي ميستورا، فإن المسار الذي بدأه السوريون منذ أربع سنوات لن ينتهي إلا بحل سياسي لا دور للأسد فيه،  ينهي معاناة السوريين ويلبي طموحات الشعب في الخلاص من نظام الاستبداد الأسدي
ففي حين كان أغلب الساسة يطالبون منذ أكثر من عامين برحيل الأسد، وكانوا يكثرون من الحديث عن أن أيامه باتت معدودة، يجري اليوم السكوت عن ما يقوم به من جرائم، وفي نفس الوقت يتسم موقفهم بالبرود، وعدم القيام بأي فعل ضده، مع عدم تقديم أي جهد لإنضاج حل سياسي ينهي معاناة السوريين الكارثية، وباتوا يركزون على الحرب ضد داعش بوصفها أولوية قصوى بالنسبة للأمن الوطني لكل بلد من بلدانهم، وأعطوا الضوء الأخضر لساسة روسيا كي يجمعوا في موسكو "معارضين" من أجل النظام مع ممثل النظام في الأمم المتحدة بشار الجعفري في لقاء تشاوري، لم يجر فيه التشاور على شيء يمس جوهر معاناة السوريين.

وقد بارك دي ميستورا مساعي موسكو لإنتاج معارضة سياسية تقبل بوجود الأسد، وهو أمر سعت إليه وهمست به إيران وروسيا أكثر من مرة، لذلك تفاخرت وزارة الخارجية الروسية بموقفه، الذي قيم عاليا لقاء موسكو التشاوري، الذي جرى في الفترة ما بين 26 و29 يناير/كانون الثاني الماضي.

وكان الأحرى بالمبعوث الأممي، احتراما للجانب الإنساني على الأقل، أن يقول ولو كلمة واحدة ضد حرب الإبادة التي يشنها النظام ضد مدينة دوما، القريبة من مكان إقامته، حيث كان يجتمع مع الأسد، بدلا من أن يستفز الضحايا باحتفاله مع مسؤولين إيرانيين بعيد الثورة الإيرانية في دمشق، في خطوة استفزازية لا تتناسب مع طبيعة المهمة الدبلوماسية الحساسة الموكلة إليه، وفي مكان لا يبعد سوى بضعة كيلومترات قليلة عن المدينة التي تتعرض لحملة بربرية شرسة من طرف قوات النظام منذ أشهر وسنوات عديدة.

قد يطمئن كلام دي ميستورا نظام الأسد إلى حين، لكنه لن ينفع في إعادة تأهيله، وإرجاع الشرعية إلى هذا النظام الذي فقدها منذ اليوم الأول للثورة السورية. وبين تعويل نظام الأسد ورهانات دي ميستورا، فإن المسار الذي بدأه السوريون منذ أربع سنوات، لن ينتهي إلا بحل سياسي، لا يمكن للأسد أن يكون له أي دور فيه، بوصفه الحل الذي ينهي معاناة السوريين، ويلبي طموحات الشعب السوري في الخلاص من نظام الاستبداد الأسدي، والسير نحو تحقيق أهداف الثورة في الحرية والتحرر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك