خليل العناني

خليل العناني

كاتب وباحث مصري

يطرح التسريب الأخير الذي بثته قناة "مكملين" حول نظرة عبد الفتاح السيسي ومدير مكتبه عباس كامل لدول الخليج وكيفية التعامل معها، تساؤلات عديدة حول مستقبل العلاقة بين مصر والدول التي تم ذكرها في التسريب.

ويبرز التساؤل هنا حول أي مدى يمكن أن تتأثر هذه العلاقة بما ورد في التسريب، وما إذا كانت هناك تداعيات محتملة له على مجمل هذه العلاقات؟ وبعيدا عن الأسلوب ولغة الحوار الواردة في نص التسريب والتي تبدو كافية -في حد ذاتها- لمعرفة كيف ينظر السيسي ومن معه لهذه الدول، فإن الأمر يبدو بحاجة إلى رؤية أكثر هدوءا وعمقا.

خلفيات العلاقة
ابتداء، لا بد من وضع العلاقة بين نظام السيسي من جهة، والسعودية والإمارات والكويت من جهة أخرى، في إطار رؤية هذه الدول وموقفها من التغيرات والتحولات التي حدثت في مصر والمنطقة العربية طيلة السنوات الأربع الماضية في ما بات يُعرف بالربيع العربي.

لا بد من وضع العلاقة بين نظام السيسي وبعض دول الخليج في إطار رؤية هذه الدول وموقفها من التغيرات والتحولات التي حدثت في مصر والمنطقة العربية طيلة السنوات الأربع الماضية في ما بات يُعرف بالربيع العربي

فهذه الدول لم ترحب بالثورة المصرية، ولم ترها شيئا إيجابيا يمكن الاحتفاء به أو دعمه، وذلك لأسباب كثيرة؛ أهمها خشيتها من انتقال عدوى التغيير إلى مجتمعاتها، وتخوفها من أن تقوم مصر بتصدير ثورتها للخارج أو أن تصبح مصدرا لتهديد أمنها واستقرارها، خاصة إذا وصلت إلى السلطة قوى غير مرغوب فيها كالإسلاميين وهو ما حدث بالفعل.

كما أن هذه الدول كانت ترتبط بعلاقات وثيقة وقوية مع نظام مبارك، وكان سقوطه بمثابة مفاجأة كبيرة لها؛ لذا فقد حرصت على أن تمنع حدوث أي تغيير حقيقي في مصر قد يؤثر عليها وعلى مصالحها.

وبعد وصول جماعة "الإخوان المسلمين" للسلطة لم تتحمل بعض هذه الدول ذلك، فبدأت حملة إقليمية وعالمية من أجل حصار الجماعة وعزلها تمهيدا لإسقاطها وهو ما تحقق؛ لذلك لم يكن غريبا أن تكون هذه الدول هي أول من رحب بانقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013 الذي أطاح بالإخوان، واحتضنت من قام به وقدمت له -ولا تزال- دعما غير محدود ماديا ودبلوماسيا واقتصاديا.

مصالح مشتركة
يعكس الدعم الذي قدمته هذه الدول الثلاث لنظام السيسي عددا من المصالح المشتركة بين الطرفين، والتي يمكن تلخيصها في ثلاث مصالح أساسية: أولها إجهاض "الربيع العربي" ووقف موجة التغيير التي بدأت عام 2011، فهذه الدول ترى أن "الثورات العربية" بمثابة خطر داهم يجب وقفه بكل السبل حتى لا ينتقل إليها، وتم النظر إلى مصر باعتبارها "رأس الحرب" في مشروع إقليمي للثورة المضادة وإجهاض مطالب وطموحات التغيير بين الشباب العربي. لذا لم يكن غريبا أن تستضيف إحدى هذه الدول بعض رموز النظام القديم مثل رئيس الوزراء الأسبق أحمد شفيق الذي خسر الانتخابات الرئاسية أمام مرشح جماعة "الإخوان" الدكتور محمد مرسي عام 2012، والذي لم يخف مطلقا دوره في إسقاط مرسي.

وقد التقت رغبة هذه الدول في وقف الربيع العربي مع رغبة الدولة العميقة في مصر وفي القلب منها المؤسسة العسكرية التي كانت تنتظر الفرصة من أجل الإجهاز على ثورة يناير والتخلص من كل رموزها، وكان ظهور "السيسي" في المشهد المصري بمثابة "المنقذ" لشبكات الدولة العميقة، وفي نفس الوقت الشخص الوحيد القادر على "تنفيذ" رغبات هذه الدول في وقف حمى التغيير في مصر والمنطقة بوجه عام.

والمصلحة الثانية، هي التخلص من قوى الإسلام السياسي، وفي القلب منها جماعة "الإخوان المسلمين" وفروعها في المنطقة العربية. فالإسلاميون هم بمثابة عنصر تهديد لهذه الدول ليس فقط بسبب قوتهم التنظيمية وقواعدهم الاجتماعية وقدراتهم الحركية، بل أيضا كونهم البديل الجاهز في حال حدوث أية تحولات داخلية؛ لذا فإن تحجيمهم ووقف نشاطهم هو بمثابة أمر إستراتيجي وحيوي بالنسبة لهذه الدول.

وقد استغلت هذه الدول أخطاء جماعة الإخوان بعد وصولها للسلطة، وذلك من أجل الانقضاض عليها ومحاولة محوها والتخلص منها، وهو ما التقطه عبد الفتاح السيسي بذكاء وحاول تسويق نفسه باعتباره الشخص الوحيد القادر على القيام بهذه المهمة.

لذا، فإن انقلاب الثالث من يوليو/تموز لم يكن مجرد مصلحة مصرية فقط بالنسبة للسيسي، بل أيضا إقليمية. وقد راهن السيسي على مخاوف دول الخليج من الإسلاميين من أجل الحصول على دعم مادي واقتصادي وهو ما حدث. ولا غرابة في قيام الإعلام الموالي للسيسي في تغذية المخاوف الخليجية من تيارات الإسلام السياسي، وتعمده الخلط بين كل هذه التيارات من أجل مواجهتها تحت لافتة "الحرب على الإرهاب".

أما المصلحة الثالثة، فهي الاستقرار الإقليمي، خاصة مع تمدد النفوذ الإيراني وصعود قوى وحركات ما دون الدولة في المنطقة العربية، وتهديدها التماسك الداخلي في بعض المجتمعات العربية. فهناك تعويل من قبل بعض هذه الدول على أن تلعب مصر -وتحديدا المؤسسة العسكرية- دور "شرطي الحراسة" في بعض الملفات الإقليمية وربما المحلية لها.

ولعل ذلك هو ما التقطه السيسي أيضا وحاول وتوظيفه واستثماره بذكاء من أجل ابتزاز هذه الدول والاستفادة منها ومن أموالها التي وصفها في التسريب بأنها "زي الرز"، وهو ما تعكسه أيضا كلمته الشهيرة "مسافة السكة" التي يستخدمها دائما لطمأنة هذه البلدان.

الأثر الأبرز الذي سوف يتركه هذا التسريب هو زيادة درجة عدم الثقة في السيسي ورجاله، ليس فقط لكونهم فاقدي السيطرة على أجهزتهم ومكاتبهم بما قد يؤدي إلى مزيد من الفضائح، بل الخوف من تداعيات مثل هذه التسريبات على الرأي العام الخليجي أيضا

إذن، ثمة مصالح مشتركة واضحة بين الطرفين؛ فدول الخليج من جهتها تدرك احتياج السيسي الشديد لها ولدعمها الذي أبقى نظامه على قيد الحياة في ظل تدهور اقتصادي غير مسبوق، في حين يأمل بعضها تحويل المؤسسات المصرية -وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية- إلى "أداة" من أجل تنفيذ أجندتها وأهدافها في المنطقة العربية.

ومن جهته، يدرك السيسي جيدا مدى احتياج هذه البلدان له ولمؤسسات الدولة المصرية وخاصة المؤسسة العسكرية، وهو ما لخصه حديث مدير مكتبه عباس كامل بعبارة وجيزة حين قال في التسريب المذكور يجب أن تكون العلاقة بطريقة "هات وخد".

تداعيات التسريب
في ظل ما سبق، يصبح من قبل المبالغة التعويل أن يؤدي التسريب -على فداحة ووقاحة ما ورد به- إلى إنهاء المصالح المشتركة بين الطرفين (نظام السيسي وداعميه)، على الأقل خلال الأمد المنظور.

فمن جهة أولى، يدرك الطرفان أن الوقت لا يسمح بفك الارتباط بين مصالحهما المشار إليها، وأن أي تحول أو تغير في العلاقة قد ينعكس سلبا على هذه المصالح. ومن جهة ثانية، يدرك الطرفان أنهما قد دخلا في لعبة معقدة ومتداخلة وأن تخلي أحدهما عن الآخر -في هذه المرحلة- سوف يضر الطرفين.

لذا يحاول كل طرف -مع علمه بمشاكل ومساوئ الطرف الآخر- الاستفادة منه بأقصى درجة لحين البحث عن بديل للقيام بنفس الدور، ويمكنه تحقيق نفس الأهداف. ومن جهة ثالثة، لا يريد الطرفان أن يعطيا مساحة لخصومهما -خاصة الإسلاميين- من أجل الاصطياد في مشاكلهما بشكل قد يضرهما معا؛ لذا فسيحرصان على أن تبدو العلاقة بينهما طبيعية، وكأن شيئا لم يحدث.

وبالرغم من ذلك، فإن التسريب الأخير سوف تكون له قطعا تداعيات على المدى المتوسط وربما يدفع بعض هذه الدول إلى إعادة تقييم موقفها من السيسي ليس فقط كشخص وإنما أيضا كمشروع سياسي.

ولعل ذلك هو ما دفع بالسيسي إلى أن يبادر سريعا بالاتصال بزعماء الدول التي ورد ذكرها في التسريب -باستثناء قطر- من أجل احتواء أي آثار سلبية أو تداعيات قد يتركها التسريب على نظرتها له وتعاملها معه.

ولعل الأثر الأبرز الذي سوف يتركه هذا التسريب هو زيادة درجة عدم الثقة في السيسي ورجاله، ليس فقط لكونهم فاقدي السيطرة على أجهزتهم ومكاتبهم بما قد يؤدي إلى مزيد من الفضائح، بل الخوف من تداعيات مثل هذه التسريبات على الرأي العام الخليجي وزيادة الضغوط المحلية من أجل التوقف عن دعم نظام السيسي أيضا.

ومن جهة أخرى، قد تقوم هذه البلدان باستغلال التسريب من أجل الضغط على السيسي ومطالبته بتقديم ما هو أكثر من أجل تحقيق مصالحها سواء محليا أو إقليميا، أي أنها قد تستخدم التسريب كورقة ضغط جديدة تضاف إلى ورقة الاحتياج المادي والاقتصادي للسيسي من أجل ضمان ولائه باستمرار.

السيسي كرهان خاسر
بغض النظر عن التسريب الأخير، فإنه لا يمكن إنكار أن ثمة دينامية جديدة للعلاقة بين مصر ودول الخليج قد أوجدتها التحولات المتسارعة في المنطقة خلال السنوات الأربع الماضية، هذه الدينامية يحاول كل طرف توظيفها من أجل خدمة مصالحه وتحقيق أهدافه. بيد أن السؤال المهم الآن هو: هل هذه الدينامية قابلة للحياة أم أنها عرضة للتحولات والتغيرات أيضا؟ بكلمات أخرى: إلى أي مدى يبدو رهان الدول الداعمة للسيسي رهانا ناجحا؟

العلاقة بين نظام السيسي ودول الخليج الداعمة له لا ترقى إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية، وإنما هي مجرد علاقة "عابرة" تقوم على التوظيف المتبادل، فرضها التقاء مصالح الطرفين في ظرف تاريخي محدد، ولا يبدو أن مثل هذه العلاقة ستكون قابلة للحياة لوقت طويل

قراءة سريعة لأداء نظام السيسي خلال الفترة الماضية ربما تقدم إجابة، ولو مؤقتة لمستقبل العلاقة مع دول الخليج الداعمة له. وتخطئ دول الخليج إذا ما اعتقدت أن استثمارها في السيسي -كشخص وكمشروع سياسي- يعد استثمارا ناجحا.

بل على العكس، هو استثمار خاسر لعدة أسباب، أهمها: أولا فشل الرجل في تحقيق ما جاء من أجله وهو التخلص من قوى الإسلام السياسي. فرغم التضييق الشديد على جماعة الإخوان المسلمين وقمع أعضائها وقياداتها، فإن الجماعة لا تزال الرقم الأصعب والأهم في المعادلة السياسية المصرية ليس فقط من خلال تظاهراتها المتواصلة، وإنما أيضا من خلال حاضنتها الاجتماعية التي لا تزال حاضرة خاصة في المناطق الريفية والضواحي، وذلك رغم تراجع التأييد الشعبي للجماعة بفعل حملات الكراهية والتشويه المستمرة ضدها.

ثانيا، لا تدرك هذه الدول أن "مصر-السيسي" تختلف كليا عن "مصر-مبارك". فالسيسي -حتى الآن- قد فشل فشلا ذريعا في تثبيت أركان حكمه وبناء نظامه السياسي الجديد. بل على العكس، يبدو هذا النظام الآن في أضعف حالاته بعد أن انفض عنه داعموه من قوى "30 يونيو"، وفي ظل فشله الأمني الواضح في كثير من الملفات أهمها ملف سيناء؛ لذا يصبح التعويل على السيسي، وعلى قدرته في تحقيق مصالح داعميه، أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا.

ثالثا، لا يدرك داعمو السيسي أن "الدولة المصرية" التي يعولون عليها من أجل النهوض وخدمة مصالحهم هي دولة لا توجد فقط إلا في خيالهم، ويكفي أن يراجعوا حجم الاختراق السياسي والأمني لأهم مؤسسات هذه الدولة وهي وزارة الدفاع التي تخرج منها التسريبات، كي يتأكدوا من هذه الحقيقة المؤسفة. بل الأكثر من ذلك، فإن هذه الدولة بحالتها الراهنة من الضعف والفساد والاستبداد تمثل العقبة الرئيسية لتحقيق مصالح هذه الدول وهو ما كشفته ثورة 25 يناير المجيدة التي لم تصمد أمامها هذه الدولة، وهو أمر لا يستبعد حدوثه مجددا وفي أية لحظة.

وخلاصة القول، فإن العلاقة بين نظام السيسي ودول الخليج الداعمة له لا ترقى إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية، وإنما هي مجرد علاقة "عابرة" تقوم على التوظيف المتبادل فرضها التقاء مصالح الطرفين في ظرف تاريخي محدد، ولا يبدو أن مثل هذه العلاقة ستكون قابلة للحياة لوقت طويل.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك