سلامة كيلة

سلامة كيلة

كاتب فلسطيني

الثورة في سوريا تحولت إلى درس ومثال تتكئ عليه الأطراف التي لا تريد الثورة، وتلك التي تتخوف منها، فالنظم باتت تشير إلى ما يوضح أن كل ثورة يمكن أن توصّل إلى ما وصلت إليه سوريا من قتل ودمار وتهجير، ولهذا تحذّر شعوبها من التفكير في الثورة.

وكل الذين باتوا يدافعون عن النظم، ولا يريدون استمرار الثورة، يشيرون إلى الوضع السوري، وكيف أن الثورة تحولت إلى مجزرة، ولهذا يطالبون بالهدوء وقبول "المسار الديمقراطي".

لكن لماذا حدث كل ذلك في سوريا؟

لا شك أن السلطة قررت منذ البدء "خوض الحرب إلى النهاية"، وهذا تعبير لأحد أركان السلطة الأهم، ولمجمل منطق السلطة أصلا. فقد أوضحت الثورات في تونس ومصر أن الشعوب باتت محتقنة إلى الحد الذي جعلها "تملأ الشوارع"، وبالتالي لم تعد السيطرة عليها ممكنة، وهو الأمر الذي جعل طرفا في السلطة يبعد الدكتاتور وحاشيته.

الدور السلبي جدا للمعارضة كان يضر الثورة ويربكها، ويسهم بما أرادته السلطة في الأسلمة والعسكرة، وهو ما فتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية، ليس من أجل الثورة بالتأكيد، بل من أجل إما دعم السلطة (إيران وروسيا) أو تشويه الثورة ودفعها للأسلمة والعسكرة

لهذا بات القرار هو عدم السماح للشعب بأن "يملأ الشوارع" ويسيطر على الساحات، فصار العنف الدموي هو الحل بلا مساومة أو محاولة التفاف، أو "حبوب مهدئة". وبات الحرص على عدم نشوء تردد لدى فئات السلطة في خوض الحرب هدف يفرضه الضغط والتخويف، وحتى القتل، بالضبط كي لا تخرج فئة من السلطة تعمل على إزاحة الدكتاتور وفرض سياسة أخرى، ولهذا استخدمت القتل ليس ضد الشعب فقط بل كذلك ضد كل من يُشَك في ولائه داخل بنية السلطة، أو يشك في أنه يمكن أن يكون بديلا في لحظة الشعور بضرورة التخلص من الفئة المسيطرة.

هذا أساس كل العنف الذي حصل، وهو ما يوضح أن الفئة التي استفادت من السلطة طيلة العقود الماضية والمترابطة بشكل عائلي، كانت حريصة على استمرار سيطرتها المطلقة، وضمان عدم بروز "خونة" من داخل سلطتها، في الوقت التي كانت تمارس فيه أقصى أشكال العنف ضد الشعب. لكن ما أدى إلى نجاح ذلك ليس قوة السلطة فقط، بل وضعية الثورة ذاتها، التي نشأت عفوية وظلت كذلك فترة طويلة دون أن تستطيع تحويل موقف القاعدة الاجتماعية التي كانت السلطة تراهن على استمرار دعمها لها.

أكثر من ذلك، فإن الدور السلبي جدا للمعارضة، كان يضر الثورة ويربكها، ويسهم بما أرادته السلطة في الأسلمة والعسكرة. وهذا ما فتح الباب لتدخل أطراف إقليمية ودولية ليس من أجل الثورة بالتأكيد، بل من أجل إما دعم السلطة (إيران وروسيا) أو تشويه الثورة ودفعها للأسلمة والعسكرة كما تريد السلطة، للوصول إلى تدميرها.

أي أن أطرافا عديدة عملت على تحويل الثورة إلى مجزرة، عبر تحريض السلطة لزيادة وحشيتها، وتحويل الكتائب المسلحة إلى مجموعات أصولية بهدف تحويل الصراع من صراع شعب ضد سلطة إلى صراع طائفي وحرب "عبثية"، ليس فقط لإجهاض الثورة بل لإعطاء عبرة للشعوب بأن كل من يفكر في الثورة على النظم القائمة يقود مجتمعه إلى مجزرة.

هذا -إذن- ما قصدته بتحويل الثورة السورية إلى "مثال" يؤكد دائما أن تمرد الشعب يعني حدوث مجزرة، بالتالي يجب أن يبقى راضيا وساكنا، ويحمد الله على الوضع الذي هو فيه. ولقد جرت الإفادة من طبيعة السلطة في سوريا لتحقيق ذلك، حيث إن وحشيتها معروفة، وتمسكها ببقاء سيطرتها ثابت، ولا تتورع بالتالي عن ممارسة كل أشكال العنف كما شهدنا.

ما الدرس الممكن بعد كل ذلك؟

لا شك في أن مصالح السلطة ومصالح القوى الإقليمية والدولية تكمن في أن تتحول الثورة إلى مجزرة، لكن ما سبب نجاح ذلك إلى حد ما؟

إن غياب الأحزاب المرتبطة بالشعب، والتي تطرح مطالبه وتدافع عنه، جعل الثورات عفوية، والشعب بلا "موجه" ينظم الثورة ويحدد برنامجها، ويدفعها نحو الانتصار، وهنا يمكن أن تلعب أطراف عديدة على تخريب الثورة

هنا نقع على سوء فهم كثير من اليساريين ومن منسوبي التيارات التي كانت تطالب بالتغيير، ممن يعتبرون أنفسهم مع الثورة، فالعديد منهم بات يكرر الأمر ذاته، أي كيف يجب أن نتجاوز "ثورية الشعب" لكي نقبل مسارا ديمقراطيا مستقرا وهادئا، لكي لا يحدث كما حدث في سوريا؟

وكأن "ثورية الشعب" هي بيد حزب، أو يمكن أن يضبطها حزب أولا، وكأن السبب الذي أفضى إلى ما وصلت إليه الثورة السورية هو بالضبط "ثورية الشعب". ومن ثم، بدل الاستمرار في الثورة إلى أن تتحقق مطالب الشعب لا بد من قبول مسار إصلاحي. وهو المنطق الذي جعل الأمر يتعلق بإعادة إنتاج النظام القديم، المستقر، والذي حافظ كثيرا على الأمن. هذا المنطق يتجاهل عدة مسائل جوهرية، هي:

1- أن الشعب تمرد لأنه لم يعد يستطيع العيش نتيجة البطالة العالية والفقر الشديد، وانهيار مقومات الحياة، وبالتالي كسر حاجز الخوف من النظم بفعل ذلك، حيث بات ميتا في الحياة، ومن ثم لم يعد يخاف الموت؛ لهذا سيستمر في ثورته وصراعه إلى أن يتحقق التغيير الذي يعيد له الحياة عبر تحقيق مطالبه. هنا "ثورية الشعب" مرتبطة بتحقيق ذلك وليس بإرادة حزب أو تيار.

2- أن غياب الأحزاب المرتبطة بالشعب، والتي تطرح مطالبه وتدافع عنه، جعل الثورات عفوية، والشعب بلا "موجه" ينظم الثورة ويحدد برنامجها، ويدفعها نحو الانتصار. في هذه الوضعية يمكن أن تلعب أطراف عديدة على تخريب الثورة، ويمكن للسلطة أن تتفوق في تكتيكها ضد الثورة.

3- لهذا، يمكن أن تصل الأمور إلى ما وصل إليه الوضع السوري من دون أحزاب تستطيع تنظيم "ثورية الشعب"، وتحديدا أن تحقيق مطالبه تفرض أن يستولي على السلطة لكي يقوم بعملية تغيير واسعة تستهدف النمط الاقتصادي وبنية الدولة. ودون ذلك سيبقى الصراع مفتوحا، وتتوسع الفوضى، وتضعف النظم بالضرورة؛ وبالتالي سيكون الوضع عرضة لتدخلات كثيرة، ويمكن أن ينجر لسياقات سيئة.

هذا يعني أن ما يمكن أن يوصل إلى "الوضع السوري" ليس هو الثورة أو الاستمرار في الثورة، فهذا أمر موضوعي لا يغير منه أحد، حتى النظم ذاتها، بل هو غياب الأحزاب التي تعبر عن الشعب في مطالبه، والتي يقع عليها مهمة تنظيم ثورته، لأنها تمتلك الوعي والرؤية والقدرة التنظيمية كما هو مفترض، بعكس الشعب الذي لا يمتلك سوى التمرد على وضعه، دون أن يعرف كيف يتنظم جيدا، أو ما هو البديل الذي يحقق مطالبه، غير "إسقاط النظام" الذي يعرف أنه ضرورة من أجل ذلك.

بالتالي، فإن التخلي عن هذا الدور هو الذي يفتح الباب أمام الفوضى ويسهل التدخلات الخارجية، ويسمح للسلطة أن تناور وتقمع، وتجر الثورة إلى مزالق.

قوةُ الشعب أضعفت السلطة، وجعلتها مضطرة إلى الاعتماد على قوى عسكرية مستجلبة من إيران والعراق ولبنان، لكن غياب القوة المنظمة لها منعها من السيطرة على الدولة وفرض بديل يحقق مطالبها

إن من لا يريد أن تنجر الثورة إلى ما وصل إليه الوضع السوري، عليه أن يرتبط بالطبقات المفقرة، وأن ينظم نشاطها ويحدد البرنامج والرؤية والتكتيك الذي يوصل إلى تحقيق مطالبها. وكل ذلك لا يتحقق عبر "المسار الديمقراطي"، ولا عبر "تسكين" حراك الشعب، أو التحالف مع النظام القديم، بل يتحقق عبر تطوير حراك الشعب وتنظيمه.

هذا هو درس الثورة في سوريا، حيث أفضى غياب الأحزاب المعنية بالثورة وبمطالب الشعب إلى مقدرة السلطة ودول إقليمية وعالمية على التأثير السلبي في مسارها، وجرفها إلى الأسلمة وتشتيت العمل المسلح ووضعه في سياق تكتيكي خاطئ، ومن ثم الوصول إلى حالة الاستعصاء القائمة.

لقد أضعفت قوة الشعب السلطة، وجعلتها مضطرة إلى الاعتماد على قوى عسكرية مستجلبة من إيران والعراق ولبنان، لكن غياب القوة المنظمة لها منعها من أن تستطيع أن تسيطر على الدولة وتفرض بديلا يحقق مطالبها، وفي هذه المساحة لعبت السلطة جيدا بمجهود خبراء روس وإيرانيين، ولعبت الدول الإقليمية التي قررت وقف المد الثوري الذي انطلق من تونس بما يخدم تشويه الثورة وتحويلها لمجزرة، وأيضا بات الأمر بيد دول إمبريالية، من أميركا إلى روسيا.

لهذا، يجب أن نعي هذا الدرس جيدا، فالوضع ثوري ويحتاج إلى تغيير ثوري، الجذر فيه هو مطالب الطبقات المفقرة، والتي بدون تحقيقها سيبقى الصراع قائما، ولن يتأسس "نظام ديمقراطي"، وسيزداد التكالب السلطوي والإقليمي والدولي على التأثير السلبي؛ الأمر الذي يفرض الشغل مع هذه الطبقات من أجل التغيير وليس اللعب في "المسار الديمقراطي" الذي سوف يفرض إعادة النظام القديم، بالضبط لأنه ما زال قائما ويحاول أن يتماسك لكي يسحق ثورة الشعب.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك