مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول

أحد الإشكالات الكبيرة في تعميم المصطلح السلفي، أنّ الفكرة في الأصل لم تنطلق كقاعدة جماعة أو تيار فكري، وإنما كعنوان عام أُطلق واستُخدم في فضاء علمي وسياسي واسع.

لستُ في زاوية بعيدة مطلقاً عما يُطلق عليه التيار السلفي وأطيافه المتعددة، وهي اليوم جزء رئيسي من الحالة الإسلامية الواسعة التي تُمثل أكبر تيار عريض في المنطقة العربية. وهناك مشتركات للتيار مع الرأي العام المسلم، ومع الفكرة الإسلامية الأصلية، وقواعد التشريع الرئيسية، ومع منظومة التفكير الإسلامي المعاصر، وقربي منها كمجتمع وعلاقات خاصة وثيقة منذ أربعة عقود.

لكن بعض الحوارات الخاصة، ومنها لقاء مع صديق وهو باحث سلفي، والحديث عن خلاف السلفية الإسكندرانية، وما تفرع عنه في حزب النور، وتجربته المتوترة مع إسلاميي مصر المخالفين له وخاصة الحالة السلفية النضالية، أتاحت المجال لفهم بعض الأبعاد والزوايا المهمة لتحليل موقف التيار السلفي.. وهنا تبدأ المشكلة، حين أقول التيار السلفي.

السلفية عنوان عام أُطلق واستخدم في فضاء علمي وسياسي واسع يَصعب ضبطه. وسَبّب هذا التعويم اتهامات لتكتلات ومنظومات لا تؤمن بما اتهِمت به

فهذا المصطلح للتيّار أو المدرسة، حمَل تحته توجهاتٍ واسعة للغاية، ولم يعد يكفي القول إن ما يمثله منهج الكتاب والسنة، فرغم أن هذه المرجعية -أي الكتاب والسنة ثم أصول التشريع التابعة لها- هي قاعدة عامة عند أهل السُنة، فإن واقع جماعات الحالة السلفية ومدارسها، باتت تتعدد فيها المواقف والرؤى، ولذلك فاختزال أي موقف سياسي أو فكري بأنه حالة نتاج سلفي، لم يعد مقبولا أبداً لا في مناقشته والرد عليه، ولا في تزكيته.

إن أحد الإشكالات الكبيرة في تعميم المصطلح السلفي على الموقف المقبول أو المرفوض، أنّ الفكرة في الأصل لم تنطلق كقاعدة جماعة أو تيار فكري، كحالة الإخوان على سبيل المثال، أو كجماعة التبليغ، أو كمدرسة فقهية أو سلوكية في أقطار العالم الإسلامي، وإنما كعنوان عام أُطلق واستُخدم في فضاء علمي وسياسي واسع يَصعُب ضبطه، وسَبّب هذا التعويم اتهامات لتكتلات ومنظومات لا تؤمن بما اتهِمت به.

وحتى تحوّل السلفية في بعض مساراتها إلى حالة مذهبية -وإن كانت ترفض المذاهب في بعض أجنحتها- فإن هذا التمذهب لم ينتظم في سلك مدرسة فقهية منضبطة بأصول المذهب، كما هو في المذاهب الأربعة أو بقيّة المذاهب السُنية، كمذهب داود وابن أبي ذئب وغيرهما.

وسبب ذلك أن المنهج بذاته يُصر على طرح استقلاله التشريعي من المصادر السنية، ولكنّ ذلك لم يوحد الرأي بل زاد في سعة الآراء الفقهية، وهو ليس قضية سلبية بل إيجابية، وإنما الإشكال حين تُنعت الآراء الأخرى بالضلال.

إن من الضرورة على كل المدارس الإسلامية وخاصة السُنية، المشاركة في نشر هذه المعاني، بعدم قبول تجريم أو محاصرة المنهج السلفي، بناءً على شخصيات انتمت إليه وتبنت لافتة غلو مدني أو عسكري، لكن المشكلة الكبرى أن هذه الحاجة الماسة للمراجعات الكبرى لمصطلحات التعريف بالحالة السلفية، لم تعتن بها مؤسسات مستقلة الرؤى من ذات المدرسة لمناقشة آفاق الفكرة وقواعد نسبتها إلى الشخصيات والتيارات المتعددة.

كما أن هذا الاستقلال -رغم أنه في ذاته قيمة إيجابية- وسّع من دائرة التوظيف السياسي للمصطلح، وصناعة جماعات متعددة هي أذرع سياسية وظيفية، أو تمرّ بحالة ظرفية من الصراع السياسي أو الاجتماعي، وليست في الحقيقة آلة فكر سلفي مستقلة، ولذلك اختلطت تعريفات كثيرة وطاشت الصحف, كلٌّ يعزف من هواه في أحداث وأفكار نُسبت إلى الفكرة السلفية.

نشطت حالات صوفية في الخليج العربي مؤخراً، وهي حالة غريبة تجمع بين الجامي الذي يُضلل بقسوة كل صوفية السُنة، وبين فصيل صوفي يُهاجم دوريا الإخوان والنموذج التركي ذي الجذور الصوفية العميقة

ولذلك كتبتُ مبكراً في الجزيرة نت، وتعرضت في سلسلة مقالات لمحاولة تقسيم معرفي أولى لمثل هذه التوجهات المتعددة في الحالة السلفية، وفصَلتُ السلفية الطائفية، والمقصد أنها طائفية ضد أهل السُنة ذاتهم، وتفرزهم عن الإسلام أو تحكم بضلالهم، في حين أن المنهج السلفي القديم كان مشاعاً في أقطار المسلمين ومدارسهم منذ العصور الأولى التي تعتبر مدرسة أهل الحديث جيلها الأول، وإن لم يسلّم بهذا الرأي، وسلسلة تطورها وصولا إلى الإمام العظيم أحمد ابن تيمية، وهو غير مسؤول عن نزعة غلو بعض تلاميذه من بعده، ولا ما يُنسب إليه زوراً، وإن كان هذا لا يزكّيه بالمطلق فله أخطاء معلومة، كغيره من العلماء. 

وخارج السلفية الطائفية، هناك مسارات كثيرة من سلفية تقليدية وعلمية وإصلاحية وجهادية، وثورية نضالية، وُلدت مع الربيع العربي في مجموعات وشخصيات جديدة، بل إن المسلك العقلاني والتنويري كان حاضراً في هذه السلفيّات عبر مدرسة الأستاذ محمد رشيد رضا، ونزعته التي رآها توافقية بين سلفيته وبين طرح الأستاذ جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده.

كما أن مسلك التذكير بصحة الحديث وملازمته للحكم بحسب فهم المجتهد السلفي، هي سمة عامة أثرت عملية التأصيل التي غُفل عنها في مدارس التقليد المذهبي، وأصبحت نهجا حيويا في حالة طلب العلم الشرعي الحديثة، وقس على ذلك الاعتناء بباب السُنن في المظهر، وإن تعددت الخيارات فيه.

القضية هي في فكرة حمل الناس على هذه الرؤى بالتعنيف اللفظي أو جعلها أولوية لازمة، وليس دعوة مدنية سلمية بالحسنى، يقدمها المحتسب السلفي وفقا لقناعته الشرعية، دون تضخيم.

من هنا يزداد الأمر تعقيداً، حين يُسلّط الضوء على التوظيف الرسمي على مدى قرون، حتى زمننا المعاصر، وربط ما ذكرناه من تسلسل المدرسة السلفية بمشاريع سياسية وسياسات دول ربطاً إلزامياً قهرياً. ولا يشك باحث في بطلان هذا القول، فالنزعة السلفية أقدم بكثير، كما أوضحنا.

لكن الإطباق السياسي على استخدامها لم يكن وليدا للنموذج الجامي الذي يُصنّف اليوم مهنيا كحالة سياسية لا فكرية. واحتجاجُ علماء وتيارات سلفية على ربط الجامية بها كما هو ربط داعش، احتجاج له حظٌ كبير من النظر، لكنه لا يلغي مصادر تأصيلية ومراجع تُستخدم هنا وهناك، دون أن يكون ذلك مبرراً لقاعدة تشريع لاتهام مجاني للسلفيين.

إن هذا التوظيف السياسي عميق، وتأثيراته تشمل الحالة الوطنية لكل قطر عربي، كما تشمل صناعة الفكر الإسلامي المعاصر، واستخدامه لمحاصرة الإصلاح واضح المعالم، لكن هذا التوظيف موجود في حالات صوفية -على سبيل المثال- نشطت في الخليج العربي مؤخراً، وهي حالة غريبة تجمع بين الجامي الذي يُضلل بقسوة كل صوفية السُنة، وبين فصيل صوفي أيضا تمت صناعته حديثا، وهو يُهاجم دوريا الإخوان والنموذج التركي ذا الجذور الصوفية العميقة.

أحيانا يصبح طرح كشف الوجه الشرعي أو قيادة المرأة للسيارة أو غيرها من سعة الشريعة، مبررا لحرب ثقافية، وتصنيف عنيف، ورفض لمسار إصلاح وطني، وحتى لمفاصلة وفرز عقائدي

وفرزُنا لهذا التوظيف نوعٌ من ضرورات الإنصاف المهني الدقيقة، لكنه لا يُجيب عن قضية استخدام المشاريع السياسية عبر هذا المفهوم، ولا عن مواقف تقاطع مشيخات وتيارات، دون أن تشعر مع هذا التوظيف بما جرى على سبيل المثال في قضية إسقاط الجيش السوري الحر، أو بما يجري دائما عند أي نوع من التحشد الإسلامي المشترك لمصالح الأمة وبيضتها.

فيُلقى على تجمع سلفي أن هؤلاء سُنّة أشاعرة أو مذهبيون شوافع أو أحناف أو صوفيون سنة، فتنهار مواقف عديدة ويضطرب بعض الصف السلفي، لدرجة وضع العلاقة مع القوى الدولية المناهضة للأمة في موقف الحليف ضد هذه المشارب السُنية. وأحيانا مجرد طرح كشف الوجه الشرعي أو قيادة المرأة للسيارة أو غيرها من سعة الشريعة، يُحوّل كمبرر لحرب ثقافية، وتصنيف عنيف، ورفض لمسار إصلاح وطني، وحتى لمفاصلة وفرز عقائدي.

إنها أزمة عميقة تحتاج إلى حركة بحث كبيرة ووضع أطر لمعالجتها، وخاصة أمام حملات التوظيف الخطيرة في المعسكر الغربي والتي يُعد لها اليوم بدقة لهدم البيت المسلم، كل البيت، وإن كانت قواعده التاريخية في عهدة قلب الأمة وهم أهل السُنة.

ولنا عودة إلى الحوار عن جناح من السلفية الأسكندرانية وخصومه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك