علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني

حالة التجنح
دعوة محسوبة
حضور يُثير التساؤلات
رهانات إقليمية

تُشير المُعطيات المُتوفرة من داخل البيت الفتحاوي إلى استعداد لجان العمل المعنية بترتيب عقد المؤتمر العام السابع لحركة فتح خلال الفترة القريبة، بعد أن جرى تأجيل عقده كما كان مُقررا في سبتمبر/أيلول 2015 الماضي، حين تم ترحيل موعده لأسباب مُختلفة، منها نصيحة بعض الأطراف العربية لقيادة السلطة وحركة فتح بانتظار انفراجات سياسية في مسار العملية التفاوضية الغائبة في سبات عميق.

ومنها نصيحة القيادة المصرية التي ما زالت ترى أن هناك مُتسعا لحل العديد من الإشكاليات الداخلية التي تواجه حركة فتح والسلطة الفلسطينية، ومنها وجود حالة من التجنح داخل الحركة بعد فصل العضو السابق في اللجنة المركزية محمد دحلان واحتفاظ الأخير بنفوذ كبير داخل الأُطر التنظيمية لحركة فتح في قطاع غزة. وقد بدت مُشكلة محمد دحلان حالة مستعصية حتى بعد فصله من حركة فتح، مع تمدد نفوذه وتلقف بعض الأطراف والعواصم للحالة التي يُمثلها.

النصيحة المصرية بتأجيل عقد المؤتمر العام السابع لحركة فتح والسعي لحل مشكلة محمد دحلان، استتبعت بنصيحة ثانية في حينها بتأجيل عقد المجلس الوطني الفلسطيني، والذي كان مُقررا له أن يلتئم في أعماله بداية أكتوبر/تشرين الأول 2015، وعلى جدول أعماله العديد من القضايا المُتعلقة بالعملية السياسية التفاوضية وانسداد أفقها، ورغبة الرئيس الفلسطيني محمود عباس بتغيير العديد من أعضاء اللجنة التنفيذية، ومنهم ياسر عبد ربه الذي كان قد أُعفي من مهامه كأمين سر للجنة التنفيذية للمنظمة.

لم يستطع دحلان أن يبتلع قرار فصله من صفوف حركة فتح في حينها، وتبريره للموضوع على أساس تصفية حساب في الخلاف مع أبناء  عباس، فاستدار على الفور للمشاغبة على قيادة حركة فتح وبناء الأطر الموازية داخل جسم التنظيم بما في ذلك بناء هيكل قيادي من المُقربين منه

ولكن، لماذا كل هذا الاهتمام بمسألة محمد دحلان، ودخول العديد من الأطراف الإقليمية على خط مُشكلته مع قيادة حركة فتح، وبشكل رئيس مع الرئيس محمود عباس..؟

حالة التجنح
بالفعل، لم يستطع محمد دحلان أن يبتلع قرار فصله من صفوف حركة فتح في حينها، وتبريره للموضوع على أساس تصفية حساب في الخلاف مع أبناء الرئيس محمود عباس، فاستدار على الفور للمشاغبة على قيادة حركة فتح وإقامة حالة من (التجنُح) وبناء الأطر الموازية داخل جسم التنظيم، بما في ذلك بناء هيكل قيادي من المُقربين منه الذين كانوا من قادة الأجهزة والتنظيم في قطاع غزة، وبين الجاليات الفلسطينية في عموم دول أوروبا، وفي لبنان في صفوف التنظيم الفتحاوي وفي صفوف القوات العسكرية التي بات جُزء منها يواليه ويتلقى منه الدعم المالي، كما أفادت لنا مصادر مسؤولة في منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان.

وحتى في سوريا، حيث برز اسمه في أكثر من محطة من محطات الأزمة، وتحديدا في مخيم اليرموك خلال السنوات الأربع الأخيرة. وعاد وسطع اسمه مؤخرا في مسار الموقف من تركيا ومن ملف الأزمة السورية، فانقلب موقفه من المؤيد للحراك السوري خلال عامي 2012 و2013 كما كان يُروّج أنصاره في مخيم اليرموك (والذين تتهمهم جماعة القيادة العامة التي تتبع لأحمد جبريل بمهاجمة مقرها الرئيسي في مخيم اليرموك يوم 6 يونيو/حزيران 2011)، إلى موقع المناهض وصاحب الصوت العالي في التنديد بتركيا وبدورها في المنطقة، وبما أسماه "الإسلام السياسي" و"الإرهاب المرتبط به".

والآن علينا أن نُلاحظ أن هناك جهودا كبيرة عادت لتقوم بها أطراف مُختلفة، ومنها الرئاسة المصرية وجهات إماراتية، لتحقيق مصالحة بين محمد دحلان وقيادة حركة فتح والرئيس الفلسطيني محمود عباس، وهو ما وقع في الزيارة الأخيرة للرئيس محمود عباس إلى القاهرة، والتي وصل إليها أيضا في الوقت نفسه محمد دحلان بقصد لقاء الرئيس عباس برعاية الطرف المصري، لكن اللقاء لم يتم على ضوء موقف الرئيس عباس النهائي (على الأرجح) من موضوع محمد دحلان.

دعوة محسوبة
لقد اعتاد محمد دحلان في السنوات الأخيرة تنشيط وبناء أدوات ووسائل إعلامية يمتلكها شخصيا في أكثر من عاصمة. كما اعتاد إطلاق تحركات إعلامية سياسية مُلفتة للانتباه بين عاصمتين عربيتين وبعض العواصم الغربية.

ولجأ في السنوات الأربع الأخيرة إلى توسيع دائرة اتصالاته وعلاقاته الخارجية الإقليمية والدولية بمساعدة أطراف رسمية عربية، وتحديدا بعد فصله من اللجنة المركزية لحركة فتح في يوليو/تموز 2011، واضعا نفسه في توافق مع عدة أطراف إقليمية غير بعيدة عن دواخل ما يجري في البيت الفلسطيني وفي قطاع غزة على وجه الخصوص، في ظل حالة الانقسام الموجودة منذ صيف العام 2007.

لكن الجديد في الأمر أنه انتقل في الفترات الأخيرة في محاولة تثبيت حضوره على المستويات الأعلى، ليدخل من بوابات جديدة وعريضة في مسار الأزمات الواقعة في عدد من البلدان العربية، بدءا من ليبيا وانتهاء بسوريا واليمن، على حد تعبير عضو قيادي في المجلس الثوري لحركة فتح.

المفارقة الغريبة هي انتفاء أي مواقع قيادية لدحلان، بينما يتنقل في المحافل الدولية الرسمية وشبه الرسمية، من بروكسل في ضيافة الحلف الأطلسي ومنتدياته التي تناقش القضايا الإستراتيجية على مستوى المعمورة، إلى موسكو ومنتدى اليونسكو، ومن الإمارات إلى القاهرة

وفي هذا المسار، كانت إطلالته الأخيرة بظهوره في العاصمة الروسية موسكو، خلال مراسم افتتاح منتدى الثقافة العالمي لليونسكو، والذي يأتي ضمن احتفالات المنظمة بذكرى تأسيسها السبعين منتصف شهر ديسمبر/كانون الأول 2015 الجاري. وذلك بدعوة شخصية -كما أكّدت لكاتب هذه السطور مصادر مسؤولة في حركة فتح- بالرغم من عدم امتلاكه أي صفة رسمية لا في السلطة الوطنية الفلسطينية ولا في حركة فتح التي بات خارج صفوفها من الزاوية التنظيمية على الأقل، كما في عدم امتلاكه لأي صفة أكاديمية أو ثقافية تبرر دعوته لمنتدى ثقافي دولي.

فالتساؤلات التي تدور الآن تتعلق بانتفاء مواقعه القيادية، بينما يتنقل في المحافل الدولية الرسمية وشبه الرسمية، من بروكسل في ضيافة الحلف الأطلسي ومنتدياته التي تناقش القضايا الإستراتيجية على مستوى المعمورة، إلى موسكو ومنتدى اليونسكو، ومن الإمارات إلى القاهرة.. تساؤلات بحاجة لجواب؟

حضور يُثير التساؤلات
للإجابة هنا علينا أن نتذكر بأن حضور شخص محمد دحلان، العضو السابق في اللجنة المركزية لحركة فتح في المعادلة الفلسطينية في الداخل، ما زال يترك تساؤلات مُتتالية عند عموم الحالة الفلسطينية، وعند المتابعين للوضع الفلسطيني، ليس فقط بسبب من فرادة شخصيته والأدوار التي بات يتطلع إليها على مستويات مُختلفة حتى خارج الإطار الفلسطيني كما يقول المفتونون به، أو بسبب من امتلاكه كفاءات نوعية كما يُروج البعض؛ بل بسبب من التقديرات التي تستند لمجموعة من المؤشرات القوية التي تقول إن قدوم شخص محمد دحلان للحالة الفلسطينية جاء أساسا بشكل مدروس ومرتب.

وكان ذلك في سياقات أملتها المشاريع التي أراد أصحابها -وما زالوا يريدون، ومنذ انطلاق تسوية (مدريد/أوسلو) عام 1991- إعادة قولبة وتطويع الوضع الفلسطيني والوضع الفتحاوي بشكل خاص، والمجيء بتركيبات قيادية وكادرية جديدة تضمن التواؤم مع الرؤية الإستراتيجية الغربية لحل القضية الفلسطينية، وخلق "الفلسطيني الجديد" المؤهل لقبول التسوية الأميركية "الإسرائيلية" للقضية الفلسطينية، واستبعاد اللاجئين الفلسطينيين وبشكل نهائي وقاطع من ميدان القضية.

وعليه، كان الصعود الصاروخي لمحمد دحلان في سلم المواقع والمراتب داخل مفاصل السلطة الفلسطينية وحركة فتح منذ قيام السلطة عام 1994، وكان له الحظ الوافر بالرضا الأميركي منذ الرئيس الأسبق بيل كلينتون، مرورا بالرئيس جورج بوش الابن الذي تغنى بالشاب "الأسمر والوسيم" محمد دحلان.

إن كل ذلك، وكل تلك الروافع الإقليمية، ساعدت شخص محمد دحلان على بلورة اصطفافه القوي داخل مفاصل حركة فتح، وصولا لانتخابه عضوا في اللجنة المركزية للحركة في مؤتمر بيت لحم في أغسطس/آب 2009، وحتى بعد الإطاحة به وفصله من اللجنة المركزية للحركة في يوليو/تموز 2011 ومن عضوية حركة فتح، حيث قالت اللجنة المركزية لحركة فتح في بيان الفصل "تم فصل دحلان من حركة فتح، بشكل نهائي وبقرار من الأطر المخوّلة والمتمثلة في اللجنة المركزية والمجلس الثوري، وحسب النظام، بسبب تجاوزات مادية خالفت النظم واللوائح، ومست ثوابت الحركة والمصالح العليا لشعبنا، وإقدامه على تنفيذ اغتيالات لمواطنين أبرياء. وقد أحيلت كل هذه التجاوزات للقضاء والمحاكم".

الصوت الإسرائيلي بمستوياته السياسية والأمنية والعسكرية، ومن خلفه الولايات المتحدة، يرى -منذ فترة ليست بالقصيرة- في شخص محمد دحلان البديل الفلسطيني الأفضل في المستقبل القريب لموقع الرئاسة، بالرغم من رغبة بعض النافذين في الجهات الأمنية "الإسرائيلية" في تفضيل شخصية ثانية من الضفة الغربية

عملية الإطاحة بمحمد دحلان في حينها، جاءت كذلك في سياقات فتحاوية خالصة، بعد تمدُده الكبير، وقفزه عن حركة فتح فيما يخص الاتصالات الخارجية التي كان يقودها مع أطراف مُختلفة دون علم من اللجنة المركزية للحركة، وفق مصدر قيادي أمين ومسؤول في اللجنة المركزية.

رهانات إقليمية
إن القاهرة وبعض الأطراف -حتى الدولية منها- ترى أن لمحمد دحلان "دور مستقبلي في حركة فتح والحياة السياسية الفلسطينية". وهو ما يزيد من طرح الأسئلة المُتعلقة بشخص محمد دحلان الذي بات وكأنه "مربط العصا" في المعادلة الفلسطينية.

لذلك ترى القاهرة أن محمد دحلان هو الأضمن والأفضل لقيادة الوضع في قطاع غزة على الأقل، وضبط إيقاع الأوضاع هناك، والوقوف في وجه حركة حماس الموضوعة على القائمة الرمادية عند القيادة المصرية.

وعليه، فإن الحضور المتتالي لمحمد دحلان في العديد من المنابر الدولية، وانتقاله للتنظير في قضايا إقليمية كبرى مُشتعلة في المنطقة تتطاحن في دواخلها إرادات وسياسات تتخطى الأفراد والشخصيات، جاء في تلك السياقات الواردة أعلاه التي يرى أصحابها مستقبلا واعدا لمحمد دحلان في الساحة السياسية الفلسطينية وحتى الإقليمية.

إن السؤال الثاني المشروع هنا: تحت أي عنوان جاء دخول محمد دحلان إلى وسط تلك "المعمعة" من بروكسل إلى موسكو، ومن ليبيا إلى سوريا إلى اليمن وما بينهما؟

أخيرا، من المهم الإشارة إلى أن الصوت "الإسرائيلي" بمستوياته السياسية والأمنية والعسكرية، ومن خلفه الولايات المتحدة، يرى -منذ فترة ليست بالقصيرة- في شخص محمد دحلان البديل الفلسطيني الأفضل في المستقبل القريب لموقع الرئاسة، بالرغم من رغبة بعض النافذين في الجهات الأمنية "الإسرائيلية" في تفضيل شخصية ثانية من الضفة الغربية ومن خارج إطار مجتمع اللاجئين الفلسطينيين (نشير هنا إلى أن محمد دحلان لاجئ من قرية حمامة المحتلة عام 1948، والتابعة لقضاء غزة، ومن سكان مخيم خان يونس أساسا).

وكانت تلك الشخصية هي رئيس الوزراء السابق سلام فياض المقرب من الولايات المتحدة والغرب. لكن خروجه من الحلبة أتاح المجال أمام تصدر محمد دحلان قائمة البدائل -التي تراها بعض الأطراف الإقليمية- عن الرئيس الحالي عباس.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك