صالح السنوسي

صالح السنوسي

أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بنغازي

منذ قيام الدولة الليبية في خمسينيات القرن الماضي وحتى انتفاضة السابع عشر من فبراير، لم تكن هناك علاقة تفاعل حقيقية بين الدين والجهوية، فقد كان لكل منهما نوع من الحضور في الحياة العامة إبان عصر المملكة، وقد تمثل هذا الحضور في المظاهر التالية:

أولا- الدين: لم يكن للدين أي دور في إثارة إشكاليات سياسية أو اجتماعية خلال العهد الملكي، ولم ينص دستور المملكة إلا على أن ليبيا دولة إسلامية، دون التطرق إلى مصادر التشريع، ولم يكن الليبيون في حاجة لمثل هذه التفاصيل فسلوكهم ونمط حياتهم كان مطبوعا باحترام الدين ممارسة وثقافة دون غلو.

ورغم أن الملك كان معروفا عنه تدينه وتقشفه، فإن الدولة ومؤسساتها لم تكن دولة دينية، وسلطاتها يتم إنتاجها حسب ما تمليه المبادئ والقواعد المعمول بها في الدولة المدنية، من حيث البرلمان والسلطة التنفيذية والقضاء المستقل، بصرف النظر عن مدى سعة الحدود والهوامش التي كان يجرى داخلها إنتاج وممارسة هذه السلطات.

لم يكن للدين أي دور في إثارة إشكاليات سياسية أو اجتماعية خلال العهد الملكي، ولم ينص دستور المملكة إلا على أن ليبيا دولة إسلامية دون التطرق إلى مصادر التشريع، ولم يكن الليبيون في حاجة لمثل هذه التفاصيل فسلوكهم ونمط حياتهم كان مطبوعا باحترام الدين

لذا لم يكن هناك دور سياسي للدين في إدارة الدولة أو السلطة، ولم يكن هناك أيضا لرجال الدين سطوة على المجتمع، فهم لا يخرجون عن دورهم الأخلاقي والروحي الذي يجعلهم يحظون بالاحترام بين الناس.

ثانيا- الجهوية: كانت الفدرالية في بداية العهد الملكي هي لمّ الشمل السياسي للجهوية القبلية والمناطقية، فكانت كنظام إداري وقانوني ومالي - بالنظر إلى التمزق الذي كان سائدا- خطوة عملاقة نحو توحيد الوطن وإرساء حجر الزاوية في بناء الدولة الليبية الحديثة.

ولهذا فإن الجهوية -على عكس الدين- كانت لها بصمة سياسية كيف ما كان حجمها في الدولة الليبية الوليدة، ولكن ذلك كان بداية تراجع العامل الجهوي والقبلي وليس صعوده، وذلك بسبب انتشار التعليم وظهور أجيال متنورة ارتقت إلى أفكار العصر الذي كانت تعيش فيه كالماركسية والأممية والقومية والوطنية، وبالتالي فقد تجاوزت هذه الأجيال الأفكار التي تكرس الجماعات الأولية كالقبيلة والمنطقة، بل بعضها تجاوز الوطنية إلى الأمة الكبرى قومية كانت أو دينية.

وبما أن هؤلاء الأجيال كانوا هم المدرسين والطلبة والموظفين والمثقفين ونخب الإبداع، فإن تأثيرهم على الروح الجهوية كان كبيرا فأخذت تتراجع حتى أصبحت أحيانا مدعاة للسخرية بين أبناء ذلك الجيل.

وقد انتهت تلك المرحلة بإعلان الوحدة من قبل البرلمان، فأصبحت ليبيا دولة موحدة بسيطة بعد أن كانت فدرالية مركبة، ووجدت تلك النقلة ترحيبا من أبناء ذلك الجيل، ولعل بعض الرموز القبلية لم يعجبهم ذلك ولكنهم كانوا قلة فضاعت همهماتهم في زحمة أجيال مندفعة نحو مستقبل لا يرى كثيرون منهم فيه ليبيا بكل جهاتها سوى قطر في وطن كبير موعود بالقوة والعزة، ولا يعتبر الليبيين سوى جماعة صغرى في أمة كبيرة قوية ستعيد أمجاد الماضي وتنطلق في عصر الحضارة والتقدم.

أما نظام القذافي فقد تعامل مع ظاهرتي الجهوية والدين بطرق وكيفيات مختلفة، يمكن اختصارها بالتالي:

1- الدين: تقمص القذافي في كثير من الأحيان شخصية الإمام والمجتهد والمفسر للنصوص الدينية، وذلك في إطار رؤيته الاحتكارية لكل شيء، وقد أدى هذا إلى قطع الطريق على ظهور مؤسسة دينية قوية تمارس نشاطها واجتهاداتها بمعزل عن رؤيته وفهمه للدين.

غير أن القذافي على الصعيد الخارجي كان مستثمرا كبيرا للدين، من خلال دعمه لنشاطات ومؤسسات مثل جمعية الدعوة الإسلامية والمثابة العالمية الإسلامية، وغيرها من النشاطات التي دعمها والتي لا يمكن فصلها عن طموحاته الشخصية والتي كان بعض الإسلاميين على ما يبدو غير راضين عنها.

صادر القذافي النشاطات التي تعبر عن الاختلاف مع رؤيته وأطروحاته سواء كانت سياسية أو ثقافية، فوجدت المساجد والخلوات الدينية إقبالا من الشباب الذين وجدوا فيها متنفسا وبديلا عن كل النشاطات الأخرى الممنوعة، وتزامن ذلك مع نشوب ثورات وصراعات مسلحة في المنطقة العربية والإسلامية بداية بالثورة الإيرانية مرورا بحرب أفغانستان ثم العراق، فانفتح الباب أمام هؤلاء الشباب ليمارسوا قناعاتهم علنا وليحملوا السلاح في تلك الحروب وليعودوا بعد ذلك إلى الوطن محملين بتجارب أرادوا تطبيقها ضد نظام القذافي، فوقعت بين الطرفين مواجهات دامية امتدت آثارها إلى السجون والمعتقلات قبل أن تنتهي بمراجعات ومصالحات.

ما يمكن إجماله هو أن الدين لم يكن له دور مؤثر في مؤسسات نظام القذافي الذي احتكر شخصيا كل شيء فيها.

2- الجهوية: جاء انقلاب العقيد القذافي في مرحلة تجاوزت فيها الشرائح العمرية الشابة -وهي الأغلبية الساحقة- مفهوم الجهوية والقبلية إلى الأطروحات القومية والأممية، وبالتالي لم تكن الجهوية تشكل عقبة حقيقية في مواجهة النظام العسكري الجديد. غير أن القذافي أقام نظاما شديد التمركز، فاختزل الدولة في مدينة واحدة هي العاصمة، ومعسكر واحد هو معسكر العزيزية، حتى كادت بقية المدن والجهات الليبية أن تكون مجرد زوائد وهوامش، فساهم ذلك في انتعاش المشاعر الجهوية الممزوجة بكراهية الطبيعة السياسية لنظام العقيد القذافي.

لما قامت انتفاضة السابع عشر من فبراير برز الدين والجهوية في خضم الحدث نظرا للمسار الذي اتخذته الانتفاضة، وهو الصراع المسلح، فقد جرى توظيف الدين كقوة كامنة في الوعي وشحنة روحية ترفع من قدرة الأفراد في المواجهة مع قوة مادية متفوقة كان يمثلها نظام القذافي

وفي مقابل هذه المركزية، قام القذافي بإعطاء دور من نوع ما للقبيلة في المشهد السياسي الذي فبركه وأشرف عليه طوال ثلاثين عاما، فقام بمأسسة القبيلة عبر إنشاء مجالس ومنتديات لشبابها وتكوين مجالس لمشايخها وفعالياتها، وجعل لها دورا في تصعيد اللجان والمؤتمرات الشعبية مما خلق صراعا بين القبائل، وهو ما أراده القذافي لكي يكون الجميع عالقين في بعضهم البعض يتصارعون حول فتات يلقى به إليهم من حين لآخر.

ولكن هذه الطريقة في استثمار العامل القبلي كانت عواقبها سيئة على المجتمع، فبقدر ما خدمت نظام القذافي أحيت حزازات قديمة وقوّت من النعرة القبلية.

ظلت القبيلة طوال حكم القذافي رديفا وخادما للنظام ولم تكن لاعبا سياسيا حقيقيا في أي وقت من أوقاته.

فلما قامت انتفاضة السابع عشر من فبراير برز الدين والجهوية في خضم الحدث نظرا للمسار الذي اتخذته الانتفاضة وهو الصراع المسلح، فقد جرى توظيف الدين كقوة كامنة في الوعي وكشحنة روحية ترفع من قدرة الأفراد في المواجهة مع قوة مادية متفوقة كان يمثلها نظام القذافي.

وتمّ كذلك استثمار القبيلة كعصبة تضامن وتفاخر ترفع من الروح التنافسية لدى الأفراد، لكي يتباروا مع عصائب أخرى ويظهروا أفضل ما عندهم في مواجهة خطر حاول كل فرد أن يثبت أنه الأشجع في مواجهته.

وقد نتج عن ذلك ظهور تشكيلات مسلحة تمثل الظاهرتين، ثم جاءت المرحلة التي أراد فيها الليبيون تجسيد طموحاتهم في نظام سياسي بمواصفات تختلف عن تلك التي كان يتصف بها نظام القذافي، فجرت أول انتخابات للمؤتمر الوطني العام، غير أن متطرفي الجهوية تيقنوا -على ما يبدو- من أنهم أقلية وليست لديهم قاعدة شعبية بسبب خطابهم وأفعالهم التي وصلت حد ارتكاب أعمال عنف أثناء العملية الانتخابية، فقاطعوا الانتخابات.

بينما ظهر التيار الإسلامي في خطابه كصيغة مضادة للجهوية المتطرفة، فكان ذلك مدعاة لقبوله من قبل شريحة كبيرة من الناخبين، تعبيرا عن رفض الأطروحات الجهوية المتطرفة التي تتركز في الشرق الليبي أكثر من المناطق الأخرى.

هذا إلى جانب أن تجربة الليبيين مع الدين كانت ذات بعد أخلاقي وروحي، ولم تكن لديهم تجربة سابقة مع الدين كعامل سياسي يحرك الدولة والسلطة ويدير شؤون الجماعة، ولذلك فقد انتخبوا رجالا يظهر من ممارساتهم تعلقهم بالدين ومواظبتهم على المساجد.

وهكذا بدا التدين بالنسبة لجمهرة الناس -الذين ليست لديهم تجربة انتخابية ولا يعرفون مئات المرشحين- معيارا واضحا لاختيارهم لهؤلاء ممثلين لهم في إدارة شؤونهم السياسية بنزاهة وعفة في دولة يتمنونها عكس دولة القذافي، تحترم حرية التعبير وحرية الاعتقاد وحرية الاختيار ويسود فيها الأمن والاستقرار والعدل والمساواة بينهم جميعا.

ولم تدرك الأغلبية من الجمهرة الناخبة أن هؤلاء الرجال الذين انتخبوهم بناء على ذلك المعيار، هم أيضا لهم قناعاتهم وأيديولوجيتهم التي لا يتفق الكثير من ثوابتها مع رؤية هؤلاء الناخبين البسيطة للدولة وللسلطة.

ومما زاد المشهد تعقيدا استمرار المليشيات بعضها باسم الثورة وبعضها باسم الدين وأغلبية هذه الأخيرة متطرفة أحادية النظرة، فأخذت هذه المليشيات تفرض إرادتها على أول مؤسسة انتخبها الليبيون بعد الانتفاضة، بل تدخلت هذه المليشيات المتطرفة في الحياة اليومية للناس باسم الدين، ثم مارسوا العنف ضد مختلف النخب عسكرية كانت أو مدنية.

إن تجربة الليبيين مع الدين قبل الثورة كانت ذات بعد أخلاقي وروحي، ولم تكن لديهم تجربة سابقة مع الدين كعامل سياسي يحرك الدولة والسلطة ويدير شؤون الجماعة، ولذلك فقد انتخبوا رجالا يظهر من ممارساتهم تعلقهم بالدين ومواظبتهم على ارتياد المساجد

وزاد من غضب الذين انتخبوا ممثلي التيار الإسلامي في المؤتمر أن بعض هؤلاء لا يتخذ موقفا مما تفعله هذه المليشيات، وبعضهم يدافع عنهم باعتبارهم ثوارا، وبعضهم الآخر يتخذ منهم أذرعا مسلحة يستخدمها لفرض رؤية متطرفة قد لا تجد عليها إقبالا في صناديق الاقتراع.

كل ذلك أدى على ما يبدو إلى خيبة ظن كبيرة في التيار الإسلامي من قبل أغلبية الناخبين، وتزامن ذلك مع موعد انتخاب البرلمان، فحزم المتطرفون الجهويون أمرهم وقرروا هذه المرة الدخول إلى المنافسة، مستفيدين من ردة فعل الناخبين ضد التيار الإسلامي.

ومن هنا جرى انتخاب عدد من الجهويين لأن خطابهم كان ضد التيار الإسلامي وليس على أساس أطروحاتهم الجهوية، فكانت النتيجة هي جلوس عدد من النواب تحت قبة البرلمان يزيدون أضعافا عن الكتلة الانتخابية التي تؤيد حقا أطروحاتهم الجهوية المتطرفة.

ولذا بدا الأمر وكأن ظاهرتي الإسلام السياسي والجهوية السياسية في التجربة الليبية تتغذى كل منهما على الأخرى، وقد استفادت كلتاهما من نقص تجربة الناخبين ومن أخطائهم وردات أفعالهم.

لعل من مفارقات المشهد الديمقراطي الليبي بعد انتفاضة السابع عشر من فبراير، أن الكثير من الناخبين الليبيين في أول انتخابات لهم، اختاروا كثيرا من ممثليهم في المؤتمر الوطني بناء على ما هو ظاهر منهم وليس بناء على ما يتقاسمونه معهم من قناعات وأطروحات سياسية.

ثم جاءت انتخابات البرلمان فكانت اختيارات الكثيرين مجرد ردة فعل غاضبة على غلطتهم الأولى، فأتوا إلى البرلمان برجال لا يتقاسمون معهم أطروحاتهم الجهوية المتطرفة، ولكن من سخرية هذا المشهد أيضا أن هؤلاء حازوا شرعية التحدث باسمهم في أخطر قضايا الوطن.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك