مجموعة كتاب

مجموعة كتاب

مجموعة كتاب

مونيكا دي بولي وإرنستو تالفيا*

يرقد الاقتصاد البرازيلي الآن في العناية المركزة، والآن تتسبب أزمة البرازيل المتزايدة الحدة -إذ بدأت إجراءات توجيه الاتهام إلى الرئيسة ديلما روسيف بزعم استخدامها مناورات محاسبية مخالفة لإخفاء حجم العجز في الموازنة- في إثارة تساؤلات جدية حول الجهة التي يمكنها تقديم العلاج المطلوب بشدة.

لا شك أن الوضع في البرازيل خطير. فالناتج في انكماش، والإيرادات الضريبية متعثرة، ويتجاوز العجز في الموازنة 9% من الناتج المحلي الإجمالي. وقد تجاوز التضخم عتبة الـ10%، وهو ما من شأنه أن يرغم البنك المركزي على رفع أسعار الفائدة، وهو نهج غير قابل للاستمرار نظرا للركود المتزايد العمق وتضخم تكاليف خدمة ديون البرازيل السريعة النمو.

الواقع أن جدارة البرازيل الائتمانية تشهد تدهورا سريعا، حتى أن الفوارق في أسعار الفائدة على ديونها السيادية تقترب من المستويات الأرجنتينية. أما موقف احتياطياتها الدولية التي تبلغ 370 مليار دولار أميركي -والذي بدا حصينا ذات يوم- فيبدو الآن متزايد الضعف. وعند تصفية القيمة النظرية لمقايضة العملات الأجنبية (115 مليار دولار أميركي)، فإن حصة الدين العام القصير الأجل (الخارجي والداخلي) مع تغطية الاحتياطيات الدولية لها، تصبح أقل من العتبة الحرجة عند مستوى 100%.

لا شك أن الوضع في البرازيل خطير؛ فالناتج في انكماش، والإيرادات الضريبية متعثرة، ويتجاوز العجز في الموازنة 9% من الناتج المحلي الإجمالي، وقد تجاوز التضخم عتبة الـ10%، وهو ما من شأنه أن يرغم البنك المركزي على رفع أسعار الفائدة

في بداية هذا العام، عندما بدأت ولاية روسيف الرئاسية الثانية رسميا، كانت أولويات إدارتها واضحة: تنفيذ برنامج معقول لضبط الأوضاع المالية لإعادة توازن الميزانية الأولية (والتي تستبعد مدفوعات الفائدة) بشكل مريح إلى الفائض، وخفض معدل نمو الدين العام إلى مستويات قابلة للاستمرار. وسرعان ما عينت روسيف فريقا اقتصاديا مرتبطا بالمبادئ المالية التقليدية لقيادة الجهود.

لكن الموقف ازداد تدهورا، وهو ما يرجع جزئيا إلى التباطؤ الاقتصادي في الصين، ونهاية طفرة السلع الأساسية، وتزايد صعوبة الظروف المالية العالمية، وضعف النمو العالمي، فضلا عن سنوات طويلة من سوء الإدارة السياسية. بيد أن السياسات المحلية تسببت في تزايد الموقف سوءا؛ والواقع أن العقبة الكبرى التي تحول دون التعافي الاقتصادي هذا العام جاءت في هيئة فضيحة فساد هائلة في شركة النفط العملاقة المملوكة للدولة "بتروبراس".

ورغم أن الفضيحة اندلعت العام الماضي، فقد تصاعدت المزاعم والأدلة في الآونة الأخيرة ضد مسؤولين كبار في الأحزاب السياسية التقليدية، فضلا عن رجال أعمال بارزين. وكما كانت الحال مع تحقيقات "الأيدي النظيفة" في إيطاليا في التسعينيات، تسببت فضيحة بتروبراس في دفع السياسة البرازيلية إلى حالة من الفوضى. وللمرة الأولى ألقي القبض على عضو عامل في مجلس الشيوخ على خلفية اتهامات بالفساد، ولن تؤدي إجراءات توجيه الاتهام إلى روسيف إلا إلى زيادة تعقيد الموقف.

والآن باتت البرازيل حبيسة حلقة مفرغة، أو ما يسميه خبراء الاقتصاد "التوازن السيئ". وحتى في حال وجود حكومة مستعدة وقادرة على تنفيذ التكييف المالي الضروري، فإن التداعيات السياسية الناجمة عن فضيحة بتروبراس ألحقت ضررا شديدا بمصداقية البرازيل. وسوف يستغرق تعافي هذه المصداقية وقتا طويلا، والوقت ترَفٌ لا تملكه البرازيل.

وفي غياب مصداقية السوق، فسوف تظل الفوارق في أسعار الفائدة وهوامش الائتمان مرتفعة، وسوف تختطف جهود التكيف المالي، فتدفع بالاقتصاد إلى دوامة هابطة. وعلاوة على ذلك، سوف تتسبب ضغوط الميزانية في تفاقم الصعوبات التي يواجهها البنك المركزي في رفع أسعار الفائدة القصيرة الأجل، من أجل تلبية تفويضه المتمثل في كبح جماح التضخم. باختصار، تفتقر البرازيل إلى المرساة المالية والنقدية الجديرة بالثقة.

وإذا كان للبرازيل أن تستعيد مصداقيتها بسرعة، فسوف تكون في احتياج لدعم المجتمع الدولي. فالبرازيل ليس لديها المعادل المؤسسي للبنك المركزي الأوروبي حتى يتسنى لها "القيام بكل ما يلزم" للحفاظ على القدرة على الوصول إلى الائتمان بأسعار فائدة معقولة في سعيها إلى ضبط الأوضاع المالية وتنفيذ التعديلات البنيوية. ويُعَد صندوق النقد الدولي الجهة الأقدر على مساعدة البرازيل الآن، وينبغي لها أن تتفاوض معه على برنامج للتعديل وضبط الأوضاع.

وسوف يشمل مثل هذا البرنامج: زيادة الفائض الأولي إلى 2% أو 3% من الناتج المحلي الإجمالي في الأمد المتوسط، وتقييد الإنفاق الحكومي (العبء الضريبي مرتفع إلى عنان السماء بالفعل)، وإزالة قواعد الفهرسة التي تجعل الإنفاق شديد الجمود.

رغم الصعوبات الاقتصادية المحتملة وخطر حدوث ردود فعل اجتماعية سلبية، فإن البرازيل لا خيار لديها غير اتباع برنامج تعديل وضبط برعاية صندوق النقد الدولي. وقد لا يخلو الأمر من مرارة، ولكن صندوق النقد الدولي وحده القادر على توفير الدواء الذي تحتاج إليه البرازيل

وعلاوة على ذلك، يتعين على البرازيل أن تفصل بين الإيرادات والنفقات، السمة الغالبة على ميزانية البلاد التي تجعل من الصعب إدارة الأمور على النحو اللائق في أوقات الشدة. وسوف يكون لزاما عليها أن تتخلص تدريجيا من إعانات دعم الخزانة لبنك التنمية البرازيلي، وأن تزيد من استخدام مرجعيات قائمة على السوق لتحديد معدلات إقراض بنك التنمية البرازيلي، فتساعد بالتالي على استعادة الصحة المالية وإزالة التشوهات في الوساطة المالية.

ومن جانبه، يتعين على صندوق النقد الدولي أن يعطي برنامج التكيف ختم الموافقة وأن يجعل موارده متاحة، حتى لا تضطر البرازيل إلى اللجوء إلى أسواق رأس المال الدولية لفترة معقولة. وهذا من شأنه أن يعزز فرص نجاح البرازيل إلى حد كبير.

من المؤكد أن الاستغاثة بصندوق النقد الدولي لا تخلو من وصمة عار كبيرة، ولكن الواقع هو أن مساعدة الدول في مواقف كتلك التي تمر بها البرازيل تمثل منطقة تستطيع فيها المؤسسات المالية العالمية مثل صندوق النقد الدولي -الذي تجدر الإشارة إلى أنه أصبح اليوم أكثر مرونة وانفتاحا مما كان عليه قبل عشر سنوات- أن تلعب دورا بناء.

الواقع أن البرازيل لم تعد لديها خيارات طيبة، ناهيك عن الخيارات السهلة. وتتلخص البدائل الوحيدة لبرنامج صندوق النقد الدولي في دوامة التضخم لتخفيف القيمة الحقيقية للدين وغير ذلك من الالتزامات الاسمية، أو الدوامة الاقتصادية الهابطة التي ربما تؤدي إلى الاحتياج إلى إعادة هيكلة الدين. وأي من النتيجتين من شأنها أن تهدد الإصلاحات والمكاسب الاقتصادية التي حققتها البلاد منذ إطلاق برنامج الخطة الحقيقية لتثبيت الاستقرار في عام 1994.

على هذه الخلفية، ورغم الصعوبات الاقتصادية المحتملة وخطر حدوث ردود فعل اجتماعية سلبية، فإن البرازيل لا خيار لديها غير اتباع برنامج تعديل وضبط برعاية صندوق النقد الدولي. وقد لا يخلو الأمر من مرارة، ولكن صندوق النقد الدولي وحده القادر على توفير الدواء الذي تحتاج إليه البرازيل.
-----------------------
*مونيكا دي بولي، أستاذة الاقتصاد الكلي بالجامعة الكاثوليكية البابوية في ريو دي جانيرو، وكبيرة زملاء غير مقيمة في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي.
*إرنستو تاليفا، كبير زملاء غير مقيم ومدير بروكينغز سيريس للسياسة الاقتصادية والاجتماعية في مبادرة أميركا اللاتينية التابعة لمعهد بروكينغز.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

التعليقات