أحمد حسين آدم

أحمد حسين آدم

سياسي وأكاديمي سوداني مختص بالقانون الدولي


فشل وانسداد أفق
خلفيات وتداعيات
مراجعة لازمة

من المتوقع أن يزور ثابو أمبيكي الرئيس السابق لجمهورية جنوب أفريقيا رئيس الآلية الأفريقية الرفيعة للسودان وجنوب السودان والتي تتولى مهمة الوساطة بين أطراف الأزمة السودانية العاصمة السودانية الخرطوم خلال الأيام القليلة القادمة.

أحاول في هذا المقال استعراض بعض الحقائق والخلفيات عن دور أمبيكي منذ بدايات دخوله الفعلي على خط الأزمة السودانية، لقد قصدت أن تكون هذه المناسبة سانحة تقييمية لأداء الوساطة الأفريقية، صحيح أن أمبيكي مسؤول أمام أجهزة الاتحاد الأفريقي كمجلس السلم والأمن والمفوضية الأفريقية ومجلس الأمن الدولي باعتبارها المؤسسات التي فوضته لأداء مهامه كوسيط، بيد أن ما يقوم به من أدوار تؤثر في مصير السودانيين.

فشل وانسداد أفق
تأتي الزيارة الوشيكة للوسيط أمبيكي في ظل إخفاقات مستمرة لوساطته، حيث انهارت جولة المحادثات الأخيرة ذات المسارين، مسار النزاع في دارفور من جهة، ومسار النزاع في المنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق) من الجهة الأخرى، والتي انعقدت في الفترة من 19 إلى 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2015 في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا قبل أن تحقق هدفها المعلن المتمثل في الاتفاق على وقف العدائيات للأغراض الإنسانية بين أطراف النزاع كافة.

من الواضح أن أمبيكي أضحى في موقف محرج يصعب تبريره نتيجة إخفاقه المستمر، وهو أمر سيؤثر على مساعيه للاحتفاظ بموقعه كوسيط، صحيح أنه قد أسر أكثر من مرة لأطراف نافذة بنيته الاستقالة، ولكنه تراجع لتقديرات يعلمها

لكن كعهدها لامت أطراف النزاع بعضها بعضا حول مسؤولية انهيار جولة المفاوضات، بينما انتقد مراقبون الوساطة، إذ اتهموها بالتنظيم الضعيف للجولة التفاوضية، الأمر الذي شجع النظام الحاكم في السودان للاستمرار في مراوغته وإملاء شروطه على العملية التفاوضية.

غير أن الأمر لم يقف عند حد فشل الجولة الأخيرة، فقد فشلت الآلية الأفريقية كذلك في عقد اللقاء التحضيري للحوار الذي كان مقررا له أن يجمع تنظيمات الجبهة الثورية المعارضة وحزب الأمة المعارض في جانب، وما تسمى لجنة "سبعة+سبعة" الموالية للنظام في السودان في الجانب الآخر.

فشل لقاء السابع من ديسمبر/كانون الأول الجاري لاعتذار أطراف المعارضة الرئيسية، حيث إن الدعوة للقاء لم تأت نتيجة تشاور مسبق للأطراف المعنية، ربما أرادت الوساطة بالدعوة للقاء التعويض عن فشلها وإنقاذ مصداقيتها، لكن جاءت النتيجة بما لا تشتهي.

لا ندري ماذا يريد أمبيكي إنجازه في زيارته المتوقعة للخرطوم؟ وهل سيستقبل بشكل لائق هذه المرة، أم سيخرج مُغاضبا كما فعل في زيارته السابقة؟ فالمعلوم أن النظام حاول إملاء شروطه عليه إبان زيارته في أغسطس/آب الماضي، ومنها رفضه انعقاد الحوار الوطني خارج البلاد.

ربما تهدف الزيارة هذه المرة إلى ضمان مشاركة النظام في اللقاء التحضيري الذي تسعى الوساطة لعقده بأديس أبابا منذ مدة كي يحفظ أمبيكي ماء وجهه، ومن ثم ينتقل الحوار إلى الخرطوم وفقا لرغبة وإصرار النظام.

خلفيات وتداعيات
مهما يكن من أمر فإن أمبيكي أضحى في موقف محرج يصعب تبريره نتيجة إخفاقه المستمر، وهو أمر سيؤثر على مساعيه للاحتفاظ بموقعه كوسيط، صحيح أنه قد أسر أكثر من مرة لأطراف نافذة بنيته الاستقالة، ولكنه تراجع لتقديرات يعلمها.

إن تجربتنا مع هؤلاء والمنظمات التي يمثلونها علمتنا ألا نعول أو نعطي اهتماما لخلافاتهم، فهم جميعا أعضاء أصيلون في النادي الأفريقي الرسمي وتربطهم مصالح وعلاقات معقدة، لا ننسى كذلك أن أمبيكي يعتبر من المنظرين والنافذين في القرار الأفريقي الرسمي.

من المهم التمعن في مراحل ارتباط الرجل بالأزمة السودانية، ففي الـ21 من يوليو/تموز ٢٠٠٩ دعا مجلس الأمن والسلم الأفريقي إلى تكوين آلية أفريقية رفيعة حول نزاع دارفور، مهمتها تقديم توصيات ومقترحات حول المحاسبة ومكافحة الإفلات من العقوبة من ناحية، والمصالحة وتضميد الجراح الاجتماعية والنفسية بين سكان الإقليم من ناحية أخرى.

وكانت تلك الدعوة قد صدرت بعد أسبوع واحد فقط من تاريخ تقديم المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية طلبه إلى المحكمة لإصدار أوامر قبض ضد الرئيس البشير، لاتهامه بارتكاب جرائم حرب وجرائم إبادة جماعية في دارفور.

والغريب كذلك أن مجلس السلم والأمن الأفريقي دعا في ذات المناسبة مجلس الأمن الدولي لإعمال المادة الـ16 من ميثاق روما المنظم للمحكمة الجنائية الذي يمنح المجلس السلطة الحصرية لتأجيل القضايا المحالة منه إلى المحكمة لمدة ١٢ شهرا.

على الرغم من ضعف أداء الآلية الأفريقية ظلت التفويضات والمساندات تتوالى عليها من المجتمع الدولي، فمثلا منحها مجلس الأمن الدولي وفقا للقرار رقم 2046 تفويضا ملزما للاستمرار في وساطتها بين السودان وجنوب السودان من جهة، والحكومة السودانية والحركة الشعبية شمال من جهة أخرى

في فبراير/شباط ٢٠٠٩ أصدر الاتحاد الأفريقي قرارا بإنشاء الآلية الأفريقية الرفيعة حول دارفور وتم تعيين أمبيكي رئيسا لها وعضوية كلا من الرئيس البوروندي السابق بيير بيويا، والرئيس النيجيري الأسبق الجنرال عبد السلام أبو بكر.

هذه الخطوة وصفها مراقبون بأنها محاولة لإجهاض ملف دارفور أمام المحكمة الجنائية وإيجاد مخرج للبشير وحمايته من ملاحقة المحكمة.

في أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٠٩ أيضا أصدرت الآلية الأفريقية تقريرها حول النزاع في دارفور، وقد توصل التقرير إلى أن هنالك خروقا وانتهاكات خطيرة للقانون الدولي ارتكبت في الإقليم، وأن الحكومة السودانية قد فشلت في تحقيق العدالة بمحاكمة مرتكبي تلك الانتهاكات الجسيمة.

تضمن التقرير كذلك العديد من التوصيات، من ضمنها إصلاح النظام القانوني السوداني وإنشاء المحكمة المختلطة التي تمارس اختصاصها ضمن نطاق النظام القضائي السوداني، واقترح أن تتألف من قضاة سودانيين وأجانب لتحاكم المتهمين بارتكاب الجرائم الأكثر خطورة في دارفور.

ولا جدال في أن المقترح سعى لاجتراح مقاربة أفريقية لإيجاد مخرج للبشير من العدالة الدولية، لكن على الرغم من كل ذلك رفض البشير المقترح جملة وتفصيلا، الأمر الذي أسدل الستار على مهمة أمبيكي الأولى من دون أن يتخذ هو أو الاتحاد الأفريقي موقفا حازما إزاء تنفيذ توصيات ذلك التقرير.

وفي أكتوبر/تشرين الأول من ذات العام قرر الاتحاد الأفريقي توسيع مهمة وتفويض آلية أمبيكي الخاصة بالنزاع في دارفور وتغيير اسمها إلى الآلية الأفريقية الرفيعة للسودان وجنوب السودان، لتتولى التوسط بين الدولتين حول قضايا ما بعد الانفصال العالقة مثل الحدود والنفط والديون ومنطقة أبيي المتنازع عليها وقضية المنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق)، ومرة أخرى لم يستطع أمبيكي إحراز أي نجاح أو اختراق يذكر.

على الرغم من ضعف أداء الآلية الأفريقية ظلت التفويضات والمساندات تتوالى عليها من المجتمع الدولي، فمثلا أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2046 الملزم تحت الباب السابع في مايو/أيار 2012، وهو القرار الذي منح الآلية تفويضا ملزما للاستمرار في وساطتها بين السودان وجنوب السودان من جهة، والحكومة السودانية والحركة الشعبية-شمال من جهة أخرى.

من جانب آخر، أصدر الاتحاد الأفريقي القرارين 456 و539 اللذين فوض بموجبهما الوساطة بتسهيل العملية السلمية الموحدة ذات المسارين لإنجاز اتفاقيتي وقف العدائيات والترتيبات الأمنية النهائية بين أطراف النزاع في دارفور ومنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، كما تم تفويضها بمهمة تسهيل ما يسمى التحول الديمقراطي والعملية الدستورية في السودان عبر الحوار الوطني الشامل.

غير أن كثيرا من المؤشرات التي ظهرت في جولة المحادثات الأخيرة في أديس أبابا تؤكد أن أمبيكي ربما يتراجع عن التوسط في مسار دارفور تحت ضغط النظام الحاكم الذي يرفض فتح ملف دارفور خارج نطاق وثيقة الدوحة للسلام، أي أنه سيتمسك حصرا بمهمة مسار التفاوض في المنطقتين والحوار الوطني، لكن حتى في ما يلي مسار المنطقتين هنالك بون شاسع بين الموقف التفاوضي للنظام من جانب، والموقف التفاوضي للحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال من الجانب الآخر.

فبينما تتمسك الأخيرة بالحل الشامل الذي يراعي خصوصية المنطقتين يتشبث النظام الحاكم بمفاوضات تتقيد حصرا بقضية المنطقتين كأحد الملفات المتبقية من اتفاقية السلام الشامل لعام 2005.

مراجعة لازمة
إن أمر الوساطة الأفريقية يحتاج إلى وقفة صارمة من السودانيين المعنيين بالتغيير وقضايا الحرب والسلام، فأمرها يتعلق بمصير الملايين من السودانيين الذين أصبحوا لا يثقون في جدية العملية التفاوضية.

الوساطة الأفريقية بوضعها الحالي لا يمكن أن تساعد في تحقيق حل سياسي شامل بالسودان، حيث تنقصها الكوادر والخبرات، والتفويض الشامل الفعال، والنفوذ الحاسم على أطراف الأزمة، والحياد، كما تنقصها الرؤية الواضحة لما يسمى الحل الشامل والعملية السلمية ذات المسارين

علي أطراف التفاوض الانخراط في عملية مراجعة شاملة لجدوى العملية التفاوضية الحالية بطرح الأسئلة المهمة: هل هي عملية منتجة وتقود إلى تحقيق تطلعات وحقوق الجماهير التي تمثلها؟ هل الوساطة بهيكلتها وتفويضها ومرجعيتها الحالية مؤهلة لتسهيل عملية تفاوضية وحوار حقيقي متكافئ يضع السودان على طريق التغيير الديمقراطي المنشود وتجاوز إخفاقات دولة ما بعد الاستعمار الفاشلة؟

من المهم أن تتجنب الأطراف المفاوضة أي عملية "تفاوضية" تستغل كملهاة زمنية وأداة لشراء الوقت ليستمر القتل، أو أن تستغلها بعض الأطراف الإقليمية والدولية للتهرب من مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه المدنيين في مناطق النزاع.

إن الوساطة الأفريقية بوضعها الحالي لا يمكن أن تساعد الأطراف على تحقيق أي حل سياسي شامل في السودان، حيث تنقصها الكوادر والخبرات، والتفويض الشامل الفعال، والنفوذ الحاسم على أطراف الأزمة، والحياد، كما تنقصها الرؤية الواضحة لما يسمى الحل الشامل والعملية السلمية ذات المسارين.

نقدر جهود أمبيكي، لكنه تأخر كثيرا عن مواجهة كافة الأطراف ووضعها أمام مسؤولياتها، ولا يمكن أن تستمر هذه العملية من دون خريطة طريق واضحة، ومن غير المقبول الإذعان لعملية الإفشال المتعمدة للعملية التفاوضية، بل والتساهل مع الذين يرهنونها لصالح الأجندات الأمنية والعسكرية.

السيدان كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي مبعوثا الجامعة العربية والأمم المتحدة لحل الأزمة السورية استقالا من منصبيهما عندما أدركا أنهما لن ينجحا في حل تلك الأزمة، بل رأيا أن استمرارهما في منصبيهما ربما يمثل غطاء لعملية سلمية زائفة ولاستمرار القتل والإبادة في سوريا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك