محمد الجوادي

محمد الجوادي

محمد الجوادي, أديب وكاتب ومؤرخ وأستاذ طب، وله إنتاج فكري خصب في مجالات التربية والآداب والفكر السياسي


يمثل التفويق من التخدير الكلي أو النصفي ومن غياب الوعي إجراء حيويا يعرف قيمتَه كلُّ من مر بتجربة مصاحَبة مريض أجرى عملية جراحية أو خطوة تشخيصية شبيهة بالجراحة من حيث اقتحامها لجسد الإنسان بمشرط أو بدونه.

وتزداد هذه المعرفة قيمة وخطورة عند أولئك الذين يرون في الجراحة أسلوبا حاسما لا يمكن للعقاقير أن تحقق ذات نتائجه، ومع أن الطبيعة (أو الفسيولوجيا) والعقيدة (بمعنى المعرفة المستقرة الموروثة) تجتمعان على أن "التفويق" -بما فيه من فعل إيجابي محدث- ضروري للحياة، فإنهما (أي المعرفة والعقيدة) تؤمنان أيضا بأن هناك فعلا آخر قد يغني عن فعل التفويق بما يتطلبه من عمل إيجابي محدث، وهو فعل الإفاقة الذي ينظرون إليه على أنه فعل ذاتي!!

ولا يمكن لنا الآن -مع ما تنامت إليه معرفتنا- أن نزعم أن الإفاقة "السياسية" فعل سلبي لأنها لا تتطلب جهدا خارجيا محدثا، لكن الأولى بنا أن نقول إنها فعل إيجابي على الرغم من أنها لا تتطلب فعلا خارجيا، وهنا تثبت فكرة الذاتية الأوتوماتيكية في الفسيولوجيا البشرية جوهرَ الاختلاف بين الفعل التلقائي الصادر عن الشخص أو الشيء بذاته أو من ذاته، وبين الفعل الإيجابي الذي لا بد له من إحداث ليكسر أو ليسرع أو ليقلب الآلية الأوتوماتيكية على نحو ما هو الحال في هذا الفارق الشارح بين الإفاقة والتفويق.

هناك حاجة ملحة إلى ظهور أحداث قارعة بالغة القوة تكون كفيلة بوضع حد للتأثر بأنماط من القصور الفكري والإستراتيجي التي سيطرت على صناعة قرارات القوى العظمى، حتى استنامت هذه القوى وخلدت إلى القبول بها لتبرير ضلالها الفكري، وللتسويغ لأخطائها الإنسانية

نرى هذه الآلية بحذافيرها في الصراعات السياسية، ولعل سقوط المقاتلة الروسية في الحدود السورية التركية كان بمثابة مثل بارز على فعل الإفاقة المفيد، وذلك رغم معرفتنا المسبقة بأن الطبيب المفيق لم ولن يلقى الشكر على إنجازه بحكم العداوات التقليدية.

يسحبنا هذا التفكير مباشرة إلى التفكير فيما هو حادث الآن في نطاق الصراع الدولي على الشرق الأوسط؛ ومدى ما يحس به أولو البصيرة من حاجة ملحة إلى ظهور أحداث قارعة بالغة القوة، تكون كفيلة بوضع حد للتأثر بأنماط من القصور الفكري والإستراتيجي التي سيطرت -لأسباب متعددة- على صناعة قرارات القوى العظمى، حتى استنامت هذه القوى وخلدت إلى القبول بها والدفاع عنها في إطار النجاح الاحترافي للتسويق لها، وللتبرير لضلالها الفكري، وللتسويغ لأخطائها الإنسانية.

ثم يسحبنا -وهذا هو الأخطر- إلى التفكير في التنظير لحتميتها الإستراتيجية، وهي مرحلة رابعة من مراحل الزيغ الحاد المقصود الذي بدا بوضوح أن الوعي به والاحتياج إليه قد بدأ مع المرحلة الأولى من تعامل القوى الغربية مع معقبات وأصداء ثورات الربيع العربي.

لكن هذا القصور الفكري المنتصر للاستقرار القديم سرعان ما اقترن بإشكالية الاستهجان ولم يتوقف عند دائرة عدم القبول فحسب؛ ومن ثم فقد تخلقت آليات جديدة من الرفض والتململ وإعادة التقييم، وتعددت هذه الآليات حتى أصبحت بمثابة الموجات الطافية على سطح مداولات الرأي العام، بل والخاص أيضا.

وعلى هذا النحو بدت الممارسات السائدة حاليا في ميدان السياسات الدولية كأنها ليست إلا تعبيرا مبتسرا عن روح شيء -ولا نقول روح فكر- ممجوج مأفون، وبدت كأنها انفعالات يحركها الحقد التاريخي في المقام الأول والأخير، ولا تظللها أي رياح تستهدف إحقاقا لحق أو نشرا لخير، أو إعلاء لقيمة أيا كانت هذه القيمة.

بل تمادى الأمر في هذا الصدد إلى التفكير الدؤوب في البحث حتى عن أسباب غير منطقية وغير أخلاقية في ما يحدث من حين لآخر من تقلبات أسعار المواد الخام. وكان منها على سبيل المثال البارز للجميع ما اعترى أسعار النفط وأسعار العملات من تقلبات كانت ولا تزال خارج التوقعات الخطية.

ولسنا في مقام البحث في معقولية ومصداقية مثل هذه التحليلات، لكننا لا نستطيع التجاوز عن قدر القابلية والجاذبية التي استحوذ عليها كل تفسير أوتي من المنطق قدرا ولو يسيرا.

الجماهير المعاصرة في قارات العالم المختلفة أصبحت متحمسة كل التحمس لكل إجراء كفيل بإحداث التفويق ما دامت الإفاقة متباطئة أو غائبة، بل ربما بدون التفكير في أمر ترقب الإفاقة، إذ إن مجرد تأخرها أو تراخيها يمثل دليلا على اشتداد الحاجة إلى التفويق

على أن دور القيادة الكارزمية أو القيادة الواعية يبقى بمثابة العامل الأكثر بروزا في سياق الحديث عن مدى النجاح في كسر الجمود أو عن العودة إلى حالة الاستقرار التقليدي الذي يتميز في المقام الأول بتضاؤل الاستقطاب الفاعل. ومع أن هذا يبدو عنصرا كلاسيكيا في الإطار المعرفي المتعلق بالجدل حول دور القيادة وحدوده، فإن الإقرار بتجاوز هذه الفكرة التقليدية المطروقة إلى الحديث التقليدي عن حركيات الاقتصاد والاستثمار فرض نفسه بكل قسوة في حالات كثيرة، حتى بات أقطاب السياسة الدولية وهم يعرضون عناصر التقييمات الكمية بمقاربات تصوّرهم أقرب ما يكونون إلى منفذين ومنقذين لشركات الاستثمار الكبرى، مهما كانت أخطاؤها أو تبعاتها.

وقد تجلى هذا بوضوح صارخ في مواقف خاطفة بلورت سطوة رأس المال وذكاءه، كما أجادت تصوير تفاعل عنصري الاستثمار الاستقراري والاستقرار الاستثماري، وهو ما حدث بكل وضوح في أزمة الفولكس فاغن مع الإجراءات الأميركية، وقد تحولت أزمتها بسرعة ذكية إلى حدث عابر بفضل استيعاب ألماني سياسي وفكري قادر على التحدي والاستجابة.

تجلى هذا بصورة نقيضة في صفقة سيمنز المبرمة للحكومة المصرية، وهي الصفقة التي تحولت أيضا إلى واقعة يستدعيها أنصار الحرية للتدليل القاطع على أن المصالح مذبح كل القيم، مع أن التعاقد لم يكن بهذا العمق اللا قيمي في بدايته، لكنه تورط إلى هذه النهاية في سرعة بالغة أحدثها في الأوساط المصرية المحلية الشوق المتلهف إلى تبرير فخر غير ناضج حرص عليه أصحاب مصلحة معنوية، فظهرت صورتهم أقرب ما يكونون إلى طراز لا يمانع في اللجوء إلى التدني تنفيسا عن رغبة ملحة في الدنو من صاحب السلطة.

وكان هذا للأسف هو السلوك الذي حكم نفسيات مصريين مغتربين كانوا حريصين على إظهار قدرتهم على تحدي مشاعر الأغلبيات الحقيقية في وطنهم الأم مهما كان في الأمر من إخلال بواجبهم الخلقي تجاه الصورة الوردية لمجتمعهم الجديد الذي هو ألمانيا، حتى إنهم لم يمانعوا في أن ينسبوا إلى بعض مؤسسات هذا الوطن زورا كراهية الإسلام من أجل تحقيق هدف واحد فقط هو استفزاز القوى الشرعية.

ومن حسن الحظ أن الاستيعاب السياسي لدى الألمان كان قادرا على أن يمتص بسرعة موجات الكراهية المحدثة عن عمد، وأن يكرر هذا الامتصاص مع كل تصاعد متعمد للموجة.

على وجه العموم، فقد أدرك اللاعبون على الساحة السياسية الآن ما أدركه أبناؤهم وأحيانا أحفادهم من صعوبة الالتواء بجزيئات الحقيقة أو تكييفها لأهداف خارجة عن الحق والحقيقة، ووصل الأمر إلى أن الانتصار للحقيقة أصبح يتحقق على يد المحترفين المتميزين بأفضل كثيرا جدا مما يتحقق على يد المحترفين من أصحاب الحق أنفسهم، بل إنه أصبح يتحقق في الميدان غير المتوقع بأبلغ مما يتحقق في الموضع المتوقع.

وعلى سبيل المثال فإن النجاحات التي حققها مراسلو ذي غارديان وواشنطن بوست في القاهرة حققت من الصدى أكثر مما حققته كل المؤسسات الإعلامية الكبيرة والمشهورة، وكان النجاح في هذه الحالة انتصارا للمهنية العالية بقدر ما حقق أيضا للمبادئ الإنسانية العليا من إنصاف وانتصار.

هناك ضرورة للتخلص من الصديد المتجمع في البؤر المصابة بعدوى الاستبداد، مهما كان ولاء أعداء الشعوب من دكتاتوريات الشمولية للقوى العظمى. وقد أثبتت التجارب أن الأذى الدكتاتوري يضرب الغرب ضربات موجعة مباشرة وغير مباشرة

على أن الأهم من هذا كله، أن الجماهير المعاصرة في قارات العالم المختلفة أصبحت متحمسة كل التحمس لكل إجراء كفيل بإحداث التفويق ما دامت الإفاقة متباطئة أو غائبة، بل ربما بدون التفكير في أمر ترقب الإفاقة، إذ إن مجرد تأخرها أو تراخيها يمثل دليلا واضح الدلالة على اشتداد (وليس نشوء) الحاجة إلى التفويق.

وفي هذا الصدد وعلى سبيل الإجمال والاختصار المفرط، فإن هناك ثلاثة آفاق ملحة تتطلب التفويق:

الأول- أن ينتبه السياسيون إلى النصح بضرورة استئصال غدة العنصرية قبل العمل بالسياسة، وإلا فإن العالم سيجد من يلعب الدور النازي على نطاق متحفز. ومن الطريف أن هذا حدث بالفعل حين كنتُ أراجع صيغة هذا المقال وتقدم ترامب ليلعب هذا الدور عن حب واقتناع. 

الثاني- ضرورة الخلاص من الصديد المتجمع في البؤر المصابة بعدوى الاستبداد مهما كان ولاء أعداء الشعوب من دكتاتوريات الشمولية للقوى العظمى، فقد أثبتت التجارب أن الأذى الدكتاتوري يضرب الغرب ضربات موجعة مباشرة وغير مباشرة.

الثالث- ضرورة الانتباه إلى الأثر الساحر للرمزيات الوجدانية والتاريخية، وهو المعنى الذي انتبه إليه قادة الغرب وتعاملوا معه بجدية في أحداث باريس 2015، بينما انتبهوا إليه ثم استهتروا به في انقلاب القاهرة 2013 الذي لا يزال بمثابة خميرة مخصبة لكل الاضطراب في العالمين العربي والإسلامي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك