عارف أبو حاتم

عارف أبو حاتم

كاتب وصحفي يمني


تنصل أممي مبكر
من يملك الأرض
اليمن ودول التحالف

على مضض، وافقت القيادة اليمنية الشرعية على الجلوس واقتسام طاولة حوار واحدة مع الانقلابيين في قيادة مليشيات صالح والحوثيين، للبحث عن مخرج سياسي يحقن دماء اليمنيين وينقذ ما تبقى من اليمن.

ويأتي وصول المبعوث الأممي إسماعيل ولد الشيخ ظهر يوم 5 ديسمبر/كانون الأول الجاري إلى عدن لأول مرة منذ تحريرها، في سياق حملة ضغوط دولية تقودها الأمم المتحدة والولايات المتحدة على القيادة الشرعية للقبول بالتفاوض مع المتمردين الانقلابيين، حتى لو رفضوا تسليم السلاح، أو أوغلوا في عمليات القتل والحرب دون توقف، ودون استثناء.

رغم الأوضاع الصعبة في الداخل اليمني، ما زال البيت الأممي الكبير يتقدم خطوة ويتراجع خطوتين، يدفع باتجاه التفاوض ويتهرب من كل التزام من شأنه الضغط على المتمردين الانقلابيين للالتزام بقرارات الشرعية الدولية

ومن الواضح أن ولد الشيخ غادر عدن بعد إقناع الرئيس هادي بتوجيه رسالة إلى قوات التحالف والأمم المتحدة يبلغهما فيها برغبته في إيقاف إطلاق النار وتمرير هدنة من سبعة أيام تكون مزامنة لأيام التفاوض بين الطرفين. وقد نقلت وسائل الإعلام عن وزير الخارجية الجديد عبد الملك المخلافي أن المفاوضات ستعقد يوم 15 من الشهر الجاري في مدينة سويسرية غير جنيف.

تنصل أممي مبكر
وفيما يبدو تنصلا أمميا مبكرا، قال مسؤول أممي رفيع الأسبوع الماضي إن الأمم المتحدة لا تملك أي ضمانات حقيقية لإلزام الحوثيين بتنفيذ القرار الأممي 2216.

وإذا كانت القيادة الشرعية هي الطريدة من أرضها، ودول الخليج هي التي تحارب الحوثيين، والجامعة العربية هي الهيكل المقسوم بين غالبية مؤيدة وقلة رافضة وأقل منها محايدة، ودول الغرب لا تملك ضمانات تلزم هذه الجماعة بوقف العنف وتسليم السلطة إلى الحكومة الشرعية، فمن سيكون الضامن لتنفيذ أي اتفاقيات؟ وما هي محددات هذه المفاوضات؟ وما مرجعيتها؟

لم يعد في الداخل اليمني من القوة والتماسك ما يكفي لحرب يوم واحد إضافي.. مخزون البلد من الغذاء والدواء والمشتقات النفطية يوشك على الانتهاء، والحياة شبه معطلة، لا مدارس ولا جامعات، ولا موظفين في مكاتبهم، ولا حركة تجارية، ولا عملة مستقرة، ولا أمن يحمي أو يضبط، ومع كل ذلك ما زال البيت الأممي الكبير يتقدم خطوة ويتراجع خطوتين، يدفع باتجاه التفاوض ويتهرب من كل التزام من شأنه الضغط على المتمردين الانقلابيين للالتزام بقرارات الشرعية الدولية.

وعند السؤال: لماذا كل هذا الدلال الغربي والأممي للجماعة الحوثية؟
سنجد الجواب داخلا في سياق نظرية المؤامرة، وهذه المرة ليست أوهاما، بل تأكيدا بأن الحوثي سيكون حجر الزاوية في جنوب الجزيرة العربية وسيعيد اليمن إلى شطريه السابقين، كي يتسنى استكمال "سايكس بيكو" جديدة تعيد ترتيب خرائط المنطقة.

من يملك الأرض
تزامنا مع انطلاق الدعوات لطرفي الصراع للعودة إلى طاولة المفاوضات، كانت الجماعة الحوثية تطلق قذائفها في كل اتجاه، بحثا عن أي انتصار -ولو كان وهميا أو جزئيا- من أجل تحسين شروط التفاوض في جلساته المرتقبة، انطلاقا من خلفية أن "من يملك الأرض يملك الطاولة" كما عبر عن ذلك بوضوح أحد قادتهم.

تزامنا مع انطلاق الدعوات لطرفي الصراع للعودة إلى طاولة المفاوضات، كانت الجماعة الحوثية تطلق قذائفها في كل اتجاه، بحثا عن أي انتصار -ولو كان وهميا أو جزئيا- من أجل تحسين شروط التفاوض في جلساته المرتقبة

لكن الجماعة التي يقف وراءها المشروع الإيراني الأميركي لن ترضخ للتفاوض بسهولة، ولها طرقها الخاصة في مزالق السياسة، وما عجزت عنه في أرض المعركة بسلاحها ستكسبه في أرض الطاولة بضغوط المبعوث الأممي الذي باشر بإعداد مسودة أجندات أممية في جوهرها أفخاخ تهدف إلى الالتفاف على القرار الأممي 2216 بأي صيغة تضعفه أو تبطل مفعوله، وخوّل نفسه صلاحيات لا يملكها كلا الطرفين، من أجل تعزيز فرص نجاح المفاوضات، وهي خطوة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.

فقد أراد المبعوث الأممي ولد الشيخ تمرير فكرة مشاركة فريق من النساء اليمنيات، وكان وحده من يختارهن ويحدد عددهن، ووفقا لمسودة الأجندة المسربة أراد أيضا مشاركة مستشارين هو وحده من يحددهم ويحدد عددهم وجنسياتهم!

عقب تسريب مسودة الأجندة تواصلتُ مع عدد من أعضاء فريق التفاوض الذاهب إلى جنيف لتمثيل القيادة الشرعية، وأكدوا أنهم رفضوا مقترحات ولد الشيخ ووضعوا أيضا ملاحظات على نقاط أخرى، لأن اللغة التي استخدمها المبعوث الأممي في الأجندة بها تماهٍ مع فكرة المطالب الحوثية، فهو -مثلا- يتحدث عن فكرة "التعامل مع السلاح" ولم يقلها صراحة: إعادة سلاح الدولة إلى الدولة.

ويستخدم نفس ذرائع الحوثيين، بأن الآلية منعدمة الآن لتسليم السلاح إلى الدولة، فلا قيادة شرعية في الداخل يمكنها استلام السلاح من الحوثيين، وكأن المعسكرات قطعة أرضية مرمية في صحراء غنمها الحوثيون أثناء عبورهم العفوي، وليست معسكرات دولة فيها قادة وضباط ومخازن سلاح وجنود ولها حدودها وأسوارها، ويمكنهم أن يعيدوا إليها ما نهبوه منها.

اليمن ودول التحالف
عانت دول التحالف -ولا تزال تعاني- الكثير من ضغوط الدول الغربية المنشطرة بين أنظمة داعمة للحوثيين، ومنظمات ترصد كل قتل ودمار وانتهاك وترى أن سببه قوات التحالف.

وتزامنا مع سقوط أقنعة عدد من الأنظمة الغربية، سقطت أقنعة منظماتهم التي حشدت كل وسيلة وطريقة لإقناع الرأي العام الغربي بمظلومية الحوثيين وعدوانية السعودية، إلى درجة أن منظمة ألمانية ومحللا سياسيا أميركيا في وقتين منفصلين يعرّفان الجماعة الحوثية بأنها حركة اجتماعية تهدف إلى تحقيق العدل والمساواة في المجتمع.

تتخذ الضغوط الغربية على حكومة اليمن أشكالا كثيرة، منها التأكيد أن استمرار الحرب يفقد الدولة قدرتها على السيطرة حتى على المناطق المحررة، بدليل الظهور العلني القوي لتنظيم القاعدة في عدن وأبين، وسيطرته أخيرا على أكبر مدينتين في محافظة أبين الجنوبية

ودون شعور بالمسؤولية تجاه المتلقي الغربي، يزوّرون الحقائق، ولا يرون في الجماعة الحوثية حركة دموية دينية إرهابية لا تقل سوءا عن مثيلتها المسماة "داعش" (تنظيم الدولة الإسلامية)، بل إنها تجاوزت الأخيرة وأسقطت حكومة وحلت برلمانا واستخدمت الطيران الحربي لإلقاء الصواريخ فوق قصر الرئاسة في عدن لقتل الرئيس هادي الذي خرج من إقامته الجبرية في صنعاء وأفلت من بين أيديهم، هروبا إلى عدن.

الضغوط الغربية لن تتوقف عند حدّ حتى يُترك الحوثي يمضي حيث أمِر، في حين يقول الرئيس هادي إن قوات التحالف "ستواصل العمل لإنهاء التدخل الإيراني في اليمن بكافة أشكاله"، ولن يوقف هو هذه الحرب التي خاضها "مُكرها".

وتتخذ الضغوط أشكالا كثيرة، منها أن استمرار الحرب يفقد الدولة قدرتها على السيطرة حتى على المناطق المحررة، بدليل الظهور العلني القوي لتنظيم القاعدة في عدن وأبين، وسيطرته يوم 3 ديسمبر/كانون الأول الجاري على أكبر مدينتين في محافظة أبين الجنوبية، وهو عمل سياسي أكثر منه أمني، أراد منفذوه سحب قوات التحالف الذاهبة لتحرير تعز والاتجاه بها نحو محاربة القاعدة في أبين، وإيصال رسالة إلى المجتمع الدولي بأن "القاعدة" تتسع حتى في المناطق المحررة، ولا حل للجم نشاطها إلا بحل سياسي.

وبعدها بيومين فقط، اغتالت القاعدة رئيس المحكمة المتخصصة بقضايا الإرهاب القاضي محسن علوان في عدن.

وكانت ثالثة الأثافي في صبيحة الأحد الماضي باغتيال محافظ عدن اللواء جعفر محمد سعد، وهو أول محافظ لعدن يتم اغتياله منذ تحقيق الوحدة اليمنية قبل ربع قرن.. ولا أظن جريمة كهذه ستمر دون استثمار سياسي لها، وتقديم خطوة جريئة تكون لها تبعاتها المستقبلية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك