هشام  الشلوي

هشام الشلوي

كاتب وباحث ليبي


منذ أكثر من سنة والأمم المتحدة تحاول الظفر باتفاق سياسي وحكومة توافق وطني تنهي الانقسام الداخلي الليبي، وتعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة التي خرجت كلها تقريبا عن السيطرة، سواء تلك الخاضعة للمؤتمر الوطني العام وحكومته، أو تلك التابعة لمجلس النواب في طبرق وحكومته.

عينت الأمم المتحدة مبعوثها برناردينو ليون يوم 9 أغسطس/آب 2014 ليقود الحوار الليبي الذي دشنه يوم 29 سبتمبر/أيلول من العام نفسه بلقاء في مدينة غدامس جنوب غربي ليبيا بين أعضاء مقاطعين وآخرين حاضرين لجلسات مجلس النواب، خرج بصيغة وأرضية استمرت فيما بعد في كل الحوارات التالية، وهي تشكيل حكومة توافق وطني، ووقف كل العمليات العسكرية، وإخراج الكتائب من المدن.

قبيل إعلان الخارجية الإماراتية تعيين ليون مديرا لإدارة معهد دبلوماسي لديها، ظهرت في ليبيا خاصة من جانب المؤتمر الوطني العام، دعوات من قبل اللجنة السياسية -أغلب أعضائها من الدائرين في فلك نوري أبو سهمين- لإجراء حوار ليبي مباشر بين المؤتمر الوطني ومجلس النواب، وذلك بعد مفاوضات قيل إنها جرت بين أعضاء من البرلمانيين في تونس.

قبيل إعلان الخارجية الإماراتية عن تعيين ليون مديرا لمعهد دبلوماسي لديها، ظهرت في ليبيا خاصة من جانب المؤتمر الوطني العام، دعوات من قبل اللجنة السياسية -أغلب أعضائها من الدائرين في فلك نوري أبو سهمين- لإجراء حوار ليبي مباشر بين المؤتمر ومجلس النواب

بعد الإعلان الإماراتي عن تعيين ليون لديها وتسريبات صحيفة ذي غارديان التي كشفت عن اتصالات بين ليون ووزير الخارجية عبد الله بن زايد، والتي على أساسها فسر المؤتمر الوطني ومشايعوه بأن ليون كان منحازا إلى طرف مجلس النواب الليبي، واعتبر رئيس المؤتمر أبو سهمين أن مثل هذا الانحياز يهدد مخرجات الحوار بالكامل. بعد هذا الإعلان زادت دعوة الحوار الداخلي وجاهة لدى الجناح الدائر في فلك رئيس المؤتمر الوطني.

بادرت الأحزاب السياسية إلى الإعلان عن موقفها من تسريبات ذي غارديان، إذ بينما ركز فيه حزب الوطن بقيادة عبد الحكيم بلحاج، وحزب الجبهة الوطنية الذي يترأسه محمد عبد الله الضراط، على إخراج ليون من إدارة الحوار واستبداله بمبعوث آخر، متهمين إياه بالانحياز، ركز حزب العدالة والبناء في بيانه على ما سماها مخرجات الحوار التي وصفها بالجيدة والتي تحتاج إلى إجراء بعض التعديلات.

غير أن عضو فريق حوار المؤتمر الوطني العام عبد الرحمن السويحلي لم يتفاجأ -حسب قوله- بتسريبات ذي غارديان إلا في التفاصيل، حيث إن المجتمع الدولي -حسب وجهة نظره- منحاز منذ بداية التفاوض إلى برلمان معسكر طبرق، معتبرا انعدام فرص الحل العسكري، وأن ما توصل إليه من مبادئ عامة بين الأطراف المتنازعة، ينبغي البناء عليه.

أيضا من اللافت أن تسريبات ذي غارديان أنقذت رئيس المؤتمر نوري أبو سهمين من خطر سحب الصلاحيات الممنوحة له خاصة المتعلقة بإدارة ملف الحوار، إذ بادر أكثر من خمسين عضوا بالمؤتمر من كتلة حزب العدالة والبناء وغيرهم بالتوقيع على بيان يطالبون فيه بإرجاع صلاحيات رئيس المؤتمر إلى كامل الأعضاء، وعقد جلسة يُحدد فيها بشكل نهائي موقف المؤتمر من الحوار السياسي وحكومة التوافق الوطني، وهي بالتأكيد طلبات ستتراجع بعد نشر ذي غارديان لتلك المراسلات، وستجعل مؤيدي أبو سهمين من داخل المؤتمر ومن خارجه يضغطون في اتجاه رفض الحوار ومخرجاته.

هذه هي مجمل المواقف وكلها تقريبا في معسكر طرابلس، فلم يبد مجلس النواب في طبرق موقفا علنيا من تسريبات الصحيفة الإنجليزية، أو بالأحرى لم يعرها اهتماما، وقد يكون ذلك بسبب أن دولة الإمارات طرف رئيسي في كل ما ذكر، وهي الدولة التي اعترفت بالمجلس وحكومته واستقبلتهم رسميا في أكثر من مناسبة.

وينافح أنصار فكرة التركيز على مخرجات الحوار بطرح أسئلة من مثل: لماذا أعلنت دولة الإمارات في هذا التوقيت عن تعيين ليون لديها، خاصة أن الأطراف قاربت على الانتهاء من مناقشة أغلب التفاصيل؟ وهل هناك شركات علاقات عامة هي التي كانت وراء هذا التسريب لإحلال شخصيات بحكومة التوافق الوطني محل المعلن عنها؟

لم يعر مجلس النواب الليبي في طبرق اهتماما على الصعيد الإعلامي لحماس أعضاء بالمؤتمر الوطني العام إجراء حوار ليبي، بل إنهم -أي أعضاء البرلمان- أجروا مناقشات على صعيد واسع بشأن مسودة الاتفاق السياسي الأخيرة، وحكومة التوافق الوطني برئاسة العضو بالمجلس فايز السراج، ومنهم من يطرح خريطة طريق أخرى بديلة كانتخاب رئيس للدولة بشكل غير مباشر من البرلمان، في الوقت الذي تنادي فيه أصوات خافتة وصغيرة داخل البرلمان أيضا بمجلس عسكري يقوده المتقاعد خليفة حفتر، بعضها محاولة لمنع محمود جبريل من الاقتراب من السلطة ولو حتى عن طريق مقربين منه.

الحوار الداخلي المدعو إليه على الأقل من جانب طرف واحد هو بعض أعضاء المؤتمر الوطني، فُسر من قبل معارضيه على أنه محاولة من رئيس المؤتمر أبو سهمين وأنصاره لتعطيل الحوار الأممي، حيث سيجد أبو سهمين فرصة سانحة للاتكاء على تسريبات ذي غارديان لمدّ أمد الحوار أطول فرصة ممكنة.

لولا تسريب ذي غارديان كان يفترض أن يستمر ليون حتى توقيع الاتفاق النهائي، وأن يبدأ المبعوث الألماني مارتن كوبلر في مهمته المتمثلة في الإشراف على تنفيذ بنود الاتفاق، إلا أنه من الصعب الآن تحقيق ذلك في ظل اتهامات لليون بعدم الحياد وفقدان النزاهة

وترتكز مجموعة أبو سهمين ومؤيدوه خارج المؤتمر على فرضية أن ليون فرّق بين المتحاورين وقسمهم إلى مجموعات مختلفة فيما بينها، وهي حجة ترفضها الأطراف الأخرى في الحوار التي تقول إن المؤتمر الوطني كان دائم الرفض للتنسيق مع الأحزاب والمستقلين القريبين منه في التوجه السياسي.

اللجنة السياسية بالمؤتمر الوطني العام أطلقت مبادرة الحوار الداخلي على اعتبار أن مسودة الاتفاق السياسي وحكومة التوافق الوطني هي القاعدة الرئيسية للحوار الجديد، وبالتالي لم تأت هذه المبادرة بجديد غير استعارة جهود الأطراف الليبية طوال أكثر من سنة للانطلاق منها.

معارضو هذه المحاولة يقولون إنها تكتيك لاستبعاد كل الأطراف السياسية التي شاركت في مسيرة الحوار بوساطة أممية مثل المستقلين والأحزاب والبلديات والمرأة، خاصة أن المؤتمر في غير مناسبة يتحدث فقط عن طرفين رئيسيين للحوار، مقصيا كل الأطراف الأخرى، وهي أطراف ترتبط بقواعد، سواء أكانت شعبية أم مسلحة، قلت أم كثرت، إلا أن استبعادها يؤزم المشهد أكثر مما يدفع لحلحلته.

ويستدلون على ذلك بتغير خطاب بعض أعضاء المؤتمر الوطني المفاجئ الذين يسوقون عبر وسائل الإعلام أن ليون هو الذي شرذم الأطراف الليبية، وأنه كان يمكن بأقل الجهود تلافي كل هذه الخلافات والانقسامات لو انطلق حوار داخلي ليبي، وهي دعوى لا أصل لها من وجهة نظر الطرف المؤيد للتمسك بمخرجات الحوار التي وصلت مراحل لا يمكن التضحية بها.

لولا تسريب ذي غارديان كان يفترض أن يستمر ليون حتى توقيع الاتفاق النهائي، وأن يبدأ المبعوث الألماني مارتن كوبلر في مهمته المتمثلة في الإشراف على تنفيذ بنود الاتفاق، لأنه حتى بعد الإعلان عن تكليف كوبلر بإدارة البعثة الأممية في ليبيا أكد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أن مبعوثه ليون سيستمر إلى أن يوقع الليبيون اتفاقهم. إلا أنه من الصعب الآن تحقيق رغبة بان في ظل الاتهامات لمبعوثه بعدم الحياد وفقدان النزاهة.

لا يُعلم على وجه الدقة إن كان الداعون إلى الحوار الداخلي على دراية بمحاولات اتصال مع روسيا تقوم بها أطراف في طرابلس لإدخالها على خط الأزمة الليبية كورقة ضغط على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الداعيين إلى توقيع وثيقة الاتفاق السياسي وحكومة التوافق الوطني. وكأنه يراد لليبيا أن تكون المحطة الثانية للروس بعد سوريا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك