فيسويو سويومبا

فيسويو سويومبا

كاتب ومحرر صحفي نيجيري

محاولات الأيام الأولى
تضافر الإستراتيجيات
ضغوط مقابل التعاطف
الحاجة للأسلحة الأميركية

يدرك الرئيس النيجيري محمد بخاري أن لا خيار أمامه سوى سحق بوكو حرام، صحيح أن تلك الجماعة ساعدته بشكل أو بآخر في الوصول إلى السلطة، لكن لو أن نفس السيناريو تكرر عام 2019، فإن نفس الجماعة المسلحة التي تنشط في شمال شرق نيجيريا ستزيحه من منصبه.

ولا يغيب عن ذهن بخاري الدور الذي اضطلعت به بوكو حرام في جعل النيجيريين ينقلبون ضد رئيسهم السابق غودلاك جوناثان، وفي جعل حزب معارض ينتزع السلطة الفدرالية من الحزب الحاكم للمرة الأولى منذ 16 عاما، ولهذا السبب فإن بخاري اعتلى كرسي الرئاسة تحدوه رغبة جامحة في التعامل بحزم مع هؤلاء المتمردين.

محاولات الأيام الأولى
رغم إصداره الأوامر (في خطاب تنصيبه) بنقل مركز القيادة العسكرية من أبوجا (إقليم العاصمة الاتحادية) إلى مايدوغوري بولاية بورنو ("المعقل الرئيسي" لبوكو حرام) ورغم تهديده بإبادة هذه الطائفة "في غضون بضعة أشهر" كانت بداية رئاسة بخاري في مكافحة "الإرهاب" مخيبة للآمال.

لم يكن مفاجئا تبني بخاري نهجا متعدد الجوانب لمكافحة من يوصفون بالإرهابيين، وهو ما بدأه بتكثيف القصف البري والجوي لمخابئ بوكو حرام، وعلى الرغم من أن إيجابيات هذه الجهود لم تتضح على الفور، فإن الواضح اليوم أن تلك الجماعة استُنزِفت بشكل كبير

فقد قتلت بوكو حرام عدة مئات من الأشخاص بين نهاية مايو/أيار، عندما أصبح بخاري رئيسا، وأغسطس/آب، وذلك عبر تفجيرات متكررة في شمال شرقي نيجيريا، بل إن 145 شخصا قتلوا في هجومين خلال أسبوع واحد في يوليو/تموز الماضي.

تضافر الإستراتيجيات
لم يكن مفاجئا تبني بخاري نهجا متعدد الجوانب لمكافحة من يوصفون بالإرهابيين، وهو ما بدأه بتكثيف الجيش -على مرأى ومسمع منه- القصف البري والجوي لمخابئهم، وعلى الرغم من أن إيجابيات هذه الجهود لم تتضح على الفور، وعلى الرغم من أن هجمات المتمردين لم تتوقف بعد، فإن الواضح اليوم أن بوكو حرام استُنزِفت بشكل كبير وأن الحالة أفضل بشكل واضح في الوقت الحالي مما كانت عليه قبل ثلاثة أشهر.

أضف إلى ذلك افتتاح بخاري قنوات الحوار، واعدا بإجرائه مع بوكو حرام، مع تحفظ بارز مفاده أن: الرئاسة لن تناقش سوى الأشخاص الذين تتأكد بما لا يدع مجالا للشك أنهم أعضاء فعلا في منظمة بوكو حرام.

وهذا التحفظ يعود طبعا إلى محاولة يائسة من بخاري لتجنب الحرج الذي عانت منه إدارة جوناثان، بعد ما ادعى هذا الأخير في أكتوبر/تشرين الأول 2014 أنه أبرم اتفاقا لوقف إطلاق النار مع بوكو حرام، قبل أن تفاجئه بتدبير هجومين مدمرين خلال الـ48 ساعة التي تلت إعلان وقف النار.

وتزامنا مع تكثيف الجيش غاراته ضد المتمردين وتكثيف الحوار، سعى بخاري إلى الحصول على مساعدة الدول المجاورة لنيجيريا في غرب أفريقيا، وكذلك القوى العظمى في العالم. فقد زار واحدة تلو الأخرى: الكاميرون وتشاد والنيجر -وكلها دول منهكة بتأثير امتداد تحدي التمرد في نيجيريا - وذلك بغية تعزيز التعاون الإقليمي ضد العدو المشترك: بوكو حرام.

ضغوط مقابل التعاطف
مثل وصول بخاري الرئاسة نهاية مايو/أيار بشرى سارة لنيجيريا باعتباره رائدا في مكافحة الفساد ومنتهجا لأسلوب حياة متقشف، وعلى الرغم من أن شكوكا واسعة النطاق حامت حول عمره وتاريخه كزعيم ديكتاتوري سابق، فإنه تمتع بتعاطف دولي بوصفه الرجل الذي يمكنه إجراء التغيير اللازم في الحكم في نيجيريا التي ينخر الفساد حكومتها وخدماتها العامة.

واغتنم بخاري بصورة كبيرة فرصة هذا التعاطف فسافر بعيد تنصيبه بقليل، أي أوائل يوليو/تموز إلى واشنطن للقاء الرئيس الأميركي باراك أوباما سعيا إلى الحصول على "دعم أكبر من الولايات المتحدة لقوة المهام المشتركة متعددة الجنسيات التي حُشدت ضد بوكو حرام".

وكان الاجتماع مع أوباما ناجحا بكل المقاييس، حيث وصف الرئيس الأميركي بخاري بالرجل "الذي وصل إلى كرسي الرئاسة وهو يتمتع بسمعة النزاهة وبأجندة واضحة للغاية".

ينبغي للمرء ألا يتوقع أن يحمل بخاري، الذي تقاعد من منصب لواء بالجيش في أوج عزه (قائمة أمنيات) إلى الخارج لو لم تكن ثمة ثغرات لا يرى قدرة على سدها عبر إمكانيات البلاد الذاتية

وبعد اجتماع الزعيمين، قال أوباما إن بخاري "يشعر بقلق بالغ إزاء انتشار بوكو حرام وإزاء أعمال العنف والفظائع التي حدثت هناك، كما أن لديه أجندة واضحة جدا لهزيمة بوكو حرام والمتطرفين بكل أطيافهم داخل بلاده.. ونحن نتطلع إلى سماع المزيد عن خططه وكيف يمكن للولايات المتحدة أن تكون شريكا لنيجيريا".

وبعد شهرين من ذلك اللقاء، حصل بخاري من الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، على وعد مماثل بالمساعدة، كما عبر رئيس الوزراء البريطاني ديفد كاميرون عن وقوفه إلى جانب بخاري، عندما طلب منه، قبيل قمة مجموعة السبع التي التأمت في برلين في ألمانيا منتصف يونيو/حزيران 2015، أن يعد "قائمة أمنيات" تقدم للقمة، وبالفعل تعهدت جميع الدول المشتركة في تلك القمة بدعم نيجيريا في مكافحة "الإرهاب".

لكن ينبغي للمرء ألا يتوقع أن يحمل بخاري، الذي تقاعد من منصب لواء في الجيش النيجيري في أوج عزه، "قائمة أمنيات" إلى الخارج لو لم تكن ثمة ثغرات لا يرى قدرة على سدها عبر إمكانيات البلاد الذاتية. وعلى كل حال، ما الذي يمكن لنيجيريا أن تحصل عليه من تلك الوعود، وما هي آثار ذلك على الاضطرابات في المناطق الشمالية الشرقية؟

الحاجة للأسلحة الأميركية
من خلال ما يصدر عن الجنود النيجيريين الذين تجرؤوا على التصريح لوسائل الإعلام، مع اشتراط عدم ذكر أسمائهم، فإن بوكو حرام تقاتل الجيش النيجيري بأسلحة أكثر تطورا بشكل كبير من أسلحته، وفي الوقت الحاضر، تفتقر نيجيريا إلى البنية التحتية -وليس المهارة- وهي مضطرة، نتيجة لذلك، إلى التحول إلى مورد أجنبي.

وكانت الولايات المتحدة -الشريك الذي ما فتئ منذ فترة طويلة يبيع السلاح لنيجيريا- قد قلصت من وتيرة ذلك البيع بسبب مزاعم تتهم الجنود النيجيريين بانتهاكات لحقوق الإنسان، واعتمدت واشنطن في ذلك على قانون ليهي (أو تعديل ليهي) الذي "يحظر على وزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين تقديم المساعدة العسكرية للوحدات الأجنبية التي تنتهك حقوق الإنسان وتفلت من العقاب".

والواقع أن نيجيريا بحاجة إلى أفضل الأسلحة التي يمكنها الحصول عليها وإلى أكثر تلك الأسلحة تطورا لمحاربة بوكو حرام، وسيكون على الولايات المتحدة أن تخفف من تعنتها إزاء سجل انتهاكات حقوق الإنسان بنيجيريا كي توفر لها تلك الأسلحة.

وفي السياق ذاته، ربما لم يزر بخاري رسميا باريس حتى سبتمبر/أيلول الماضي، لكنه يدرك أن فرنسا لا تزال واحدة من أكبر حلفاء نيجيريا في مجال مكافحة "الإرهاب". وإلى جانب الولايات المتحدة، تقوم فرنسا منذ وقت طويل بتدريب الجنود الأفارقة، لا سيما من تشاد الدولة الأفريقية التي قدمت الدعم الأهم للقوات النيجيرية، وقد تعهدت فرنسا عام 2014 بتدريب عشرين ألف جندي أفريقي سنويا، ووفت بوعدها.

وتواصل الولايات المتحدة دعم الحركة المناهضة "للإرهاب" بشكل مماثل. ففي الآونة الأخيرة، مارس/آذار 2015، ساعدت القوات الخاصة الأميركية في تدريب القوات التشادية "في عمق الصحراء" وشارك في ذلك التدريب جنود من أكثر من عشرين دولة أخرى. وركز التدريب في الأساس على استخدام المدافع الرشاشة، وذلك عشية الاشتباك المتوقع مع بوكو حرام، وبحكم معرفته بالفساد المستشري بالجيش النيجيري والوهن الذي يميز رجاله، يثمن بخاري عاليا أهمية الدورات التدريبية لجنود بلاده بالخارج.

بينما يعكف بخاري والجيش النيجيري على إستراتيجيتهما نحو استعادة الأمن في شمال شرق البلاد المضطرب، وبينما تقوم دول مثل فرنسا والولايات المتحدة بوضع اللمسات الأخيرة على خطط دعمها لنيجيريا، تحرص بوكو حرام على ألا تترك بصماتها المميتة تغيب عن المشهد

وإذا كانت لدى أي شخص شكوك حول مدى حجم المعلومات الاستخبارية اللازمة لهزيمة بوكو حرام، فليعد إلى مارس/آذار 2015 عندما أعلنت بوكو حرام ولاءها للدولة الإسلامية، معلنة مبايعتها لتلك الجماعة العراقية السورية المتطرفة "في العسر واليسر والمنشط والمكره".

ولا تزال هناك أسئلة بلا إجابات حول مصادر التعزيزات البشرية والأسلحة والذخائر التي تحصل عليها بوكو حرام والتي عادة ما تُرسل جوا وتُسلم في جوف الليل. وهو ما يعكس بوضوح حاجة نيجيريا لمساعدة الاستخبارات الأجنبية، ولا شك أن الدعم الاستخباراتي الفرنسي لا يزال هو الأهم والأكثر تأثيرا في هذا الشأن بالنسبة لنيجيريا، والواقع أن الأخيرة لو تمكنت من تكثيف جمع المعلومات الاستخباراتية حول تلك الجماعة، لكان ذلك بمثابة انتصار في جزء مهم من الحرب.

لكن بينما يعكف بخاري والجيش النيجيري على إستراتيجيتهما نحو استعادة الأمن في شمال شرق البلاد المضطرب، وبينما تقوم دول مثل فرنسا والولايات المتحدة بوضع اللمسات الأخيرة على خطط دعمها لنيجيريا، تحرص بوكو حرام على ألا تترك بصماتها المميتة تغيب عن المشهد.

ففي غضون 24 ساعة ما بين يومي 15 و16 أكتوبر/تشرين الأول، انفجرت قنابل في مايدوغوري، عاصمة ولاية بورنو، في خمسة مواقع مختلفة، ويوم 23 أكتوبر/تشرين الأول، نفذت هذه الجماعة هجومين في كل من بورنو وأداماوا، وهما ولايتان متجاوران، وقد قتل في الهجوم الأول ستة أشخاص، بينما قتل في الثاني 27 شخصا وأصيب مئة آخرون بجروح.

وهو ما يعني أن بوكو حرام تحرص بانتظام على تذكير بقية العالم بأنها مصممة على البقاء في المنطقة لفترة طويلة، والسؤال المطروح إذن: كم من الوقت سوف يستغرق بخاري وحلفاؤه الأجانب قبل أن يقهروا بوكو حرام وينتصروا عليها؟ يبقى الانتظار هو سيد الموقف!

المصدر : الجزيرة