ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني

قوة النموذج
التأثيرات عربيا
الدرس التركي

حظيت الانتخابات التشريعية التركية الأخيرة باهتمام شعبي بالغ في البلدان العربية، ولا سيما في المشرق العربي، وعلى الصعيدين الرسمي والشعبي، بحيث بدت كأنها أكبر من كونها انتخابات داخلية، أو كأنها لا تقرر مستقبل تركيا فحسب، وإنما مستقبل سوريا والعراق، والشرق الأوسط برمته.

وكان حزب العدالة والتنمية التركي قد استطاع -رغم الأوضاع السياسية والأمنية الصعبة، والتحديات الداخلية والخارجية- أن يحقق فوزا كبيرا بنيله 49% من الأصوات، بما يفوق كثيرا التوقعات، مع نسبة مشاركة كبيرة في الانتخابات بلغت 87% من أصحاب حق الاقتراع، البالغ عددهم 54 مليونا، مما يدل على أهمية وسخونة المعركة الانتخابية، والاستقطابات السياسية الحاصلة فيها، علما بأن هذه هي الانتخابات الثانية من نوعها في غضون خمسة أشهر، مما يعني أن حجم الفوز هو بحجم كل هذه الحيثيات والظروف.

وقد يجدر التذكير بأن هذه هي الانتخابات الرابعة من نوعها التي تجري في ظل وجود حزب العدالة والتنمية، بزعامة رجب طيب أردوغان في سدة السلطة بعد فوزه للمرة الأولى (2002)، التي حاز فيها على 34% من الأصوات، إذ حقق في المرة الثانية (2007) نسبة 45%، وفي المرة الثالثة (2011) 49%، لكنه انتكس في المرة الثالثة بحصوله على نحو 40% (يونيو/حزيران 2015) فقط، في حين استطاع في هذه الانتخابات استعادة وضعه ومكانته.

من العوامل المفسرة لظاهرة الاهتمام الخارجي بالتجربة التركية، فرادة التجربة نفسها، حيث إننا إزاء حزب إسلامي، أو محسوب على تيارات الإسلام السياسي، إلا أنه منفتح وعقلاني، ولا يلجأ إلى فرض معتقداته بوسائل القوة والقسر، ولا باستغلال آلة الدولة

اللافت أن الأمر لم يتوقف عند حد الاهتمام بمراقبة تجربة هذا الحزب، والتجربة السياسية التركية فقط في المجتمعات العربية، كما بينت وسائط التواصل الاجتماعي، إذ بدا فوق ذلك أن ثمة نوعا من "التصويت"، غير المباشر لحزب "العدالة والتنمية"، في هذه المعركة الانتخابية، مع نزوع للانتصار لفكرته وتجربته، وهو ما تبدى واضحا في الاستقبال الجارف للفوز الذي حققه في نهاية هذا اليوم الانتخابي.

قوة النموذج
في محاولة تفسير ظاهرة الاهتمام بالتجربة التركية والاحتفاء بفوز حزب العدالة والتنمية، يمكن ملاحظة مجموعتين من الأسباب، تركيا وعربيا، وإيجاز أهمها بالآتي:

أولا، الإنجازات الاقتصادية الباهرة التي حققتها تركيا في ظل هذا الحزب، منذ وصوله إلى سدة السلطة (2002)، إذ انتقلت تركيا في ظل قيادة "العدالة" من المركز 111 إلى المركز 16، بين الدول الأقوى اقتصاديا في العالم، منتزعة في ذلك إعجاب كثيرين، في وقت يعاني فيه العالم العربي من مشكلات اقتصادية كبيرة، رغم ما يحوز من ثروة نفطية كبيرة، تفتقد تركيا حتى إلى القليل منها.

ثانيا، النجاح السياسي الباهر للتجربة الديمقراطية في تركيا، وهو أكثر شيء تحتاجه المجتمعات العربية التي ترزح في ظل أنظمة سياسية متكلسة واستبدادية. ويشمل ذلك النظر بنوع من الاحترام إلى تجربة حزب "العدالة والتنمية" التركي، الذي استطاع أن يقدم نموذجا لتيار إسلامي جديد، متنور ومنفتح، ويحتكم للانتخابات ولإرادة الشعب، علما بأننا إزاء تيار إسلامي استطاع ليس فقط القبول بالديمقراطية والعلمانية والتعايش معهما، وإنما هضمهما أيضا، بينما ما زالت التيارات الإسلامية في العالم العربي تنبذ الديمقراطية، وتعد العلمانية بمثابة إلحاد، في نظرة قاصرة، طبعا، مع استثناءات يتمثل أهمها في تجربتي حزب النهضة التونسي وحزب التنمية والعدالة المغربي.

كما يمكن تفسيره أيضا بفرادة التجربة التركية حيث إننا إزاء حزب إسلامي أو محسوب على تيارات الإسلام السياسي، إلا أنه منفتح وعقلاني، ولا يلجأ إلى فرض معتقداته بوسائل القوة والقسر، ولا باستغلال آلة الدولة.

ثالثا، ما يحسب للتجربة التركية أنها سعت لشق طريقها وانتزاع الإعجاب بها وتعزيز مكانتها الإقليمية منذ العام 2002، بالاعتماد على القوة الناعمة، التي تتمثل بالنموذج السياسي والاقتصادي الذي قدمته، وبالعلاقات التجارية التي نسجتها، في حين أن ايران على سبيل المقارنة اعتمدت في توسيع نفوذها على القوة الخشنة، أي على المليشيات التي دعمتها ماليا وسلحتها، إضافة إلى تدخلها الفج في البلدان العربية، وسعيها لشق هذه المجتمعات على أساس مذهبي، وهو ما نجحت فيه فعلا، بدليل ما يحصل في لبنان وسوريا والعراق.

رابعا، يحسب لتركيا حزب "العدالة والتنمية" أيضا، مع وجود شخصية كاريزمية على رأسه تتمثل بالرئيس رجب أردوغان، مناهضتها لإسرائيل أو تحجيم العلاقات التركية الإسرائيلية، كما يحسب لها إقامة علاقات متوازنة في الساحة الفلسطينية، مع قيادة منظمة التحرير والسلطة من جانب، ومع حركة حماس من جانب آخر، من دون أن تحاول اللعب على وتر الخلافات بينهما، على نحو ما فعلت إيران التي حاولت توظيف الخلافات الفلسطينية ومفاقمتها للاستثمار فيها، حسب مصالحها.

بالنسبة لكثيرين في العالم العربي يبدو أن تركيا، حزب "العدالة والتنمية"، بزعامة رجب طيب أردوغان، باتت تشكل نوعا من تعويض، أو ملء فراغ، في مواجهة تزايد النفوذ الإيراني في المنطقة العربية، مع ما يمثله من تحديات، من اليمن إلى لبنان، مرورا بالعراق وسوريا

التأثيرات عربيا
أما التفسير بالأسباب النابعة من الظروف العربية، فهي تتعلق أولا بالظروف السورية، وهي الأكثر إلحاحا والأكثر سخونة، ذلك أن حزب "العدالة والتنمية" هو الحزب التركي الوحيد الذي يتعاطف مع حق الشعب السوري في تغيير نظامه السياسي، وهو الحزب الذي فتح أبواب تركيا للاجئين السوريين، رغم كل ما يمكن أخذه على السياسة التركية في المسألة السورية، وفي تدعيم مكانة جماعات معينة على حساب أخرى، كما في فرض مسارات معينة على الثورة السورية، على حساب أخرى.

ثانيا، بالنسبة لكثيرين في العالم العربي يبدو أن تركيا حزب "العدالة والتنمية"، بزعامة رجب طيب أردوغان، باتت تشكل نوعا من تعويض، أو ملء فراغ، في مواجهة تزايد النفوذ الإيراني في المنطقة العربية، مع ما يمثله من تحديات، من اليمن إلى لبنان، مرورا بالعراق وسوريا.

وكان واضحا طيلة الفترة الماضية أن إيران باتت بمثابة اللاعب الرئيسي على الصعيد الإقليمي، وباتت تتصرف وكأنها لا تبالي بأي من دول الإقليم، الأمر الذي عكس نفسه بتنامي مشاعر القلق والغضب في قطاعات شعبية واسعة في دول المشرق العربي، بحيث باتت هذه القطاعات تبحث عن مخلص أو عن معادل لهذا التغول الإيراني، وأن هذه القطاعات وجدت ضالتها في تركيا، ولا سيما مع غياب معادل عربي، أو مع ضعف النظام العربي وتباين مواقف أطرافه.

ثالثا، جاءت الانتخابات في لحظة احتدام الصراع الدولي والإقليمي على سوريا، الذي تفاقم وازداد تعقيدا مع دخول روسيا مباشرة على خط الصراع المسلح، دفاعا عن النظام، الأمر الذي أخلّ بمعادلات الصراع داخل سوريا، وبمعادلات القوة على صعيد الشرق الاوسط برمته. وعليه فثمة وجهة نظر تعتقد أن استقرار تركيا، ونجاح حزب العدالة والتنمية، مع ما يمثله من خط إسناد صلب للثورة السورية، يمكن أن يشكل صدا أو كابحا لمحاولات روسيا ترجيح الكفة لصالح النظام، وعلى حساب السوريين وتضحياتهم.

رابعا، ضمن كل قائمة الأسباب المذكورة، يمكن أيضا ملاحظة نظرتين متحمستين، ولكن متمايزتين، الأولى، صادرة عن اتجاهات إسلامية يهمها نجاح تجربة حزب "العدالة والتنمية" لاحتسابه على التيار الإسلامي، وأيضا للتعويض عن الارتداد الحاصل في مصر. ومشكلة هذا التيار أنه معجب بهذه التجربة في تركيا، ولكنه إما عاجز عن تمثلها، أو يرفض تمثلها لأنها لا تتلاءم مع معتقداته.

أما النظرة الثانية، فتصدر عن التيارات الديمقراطية في العالم العربي والتي يهمها نجاح التجربة الديمقراطية التركية، وضمنه نجاح تجربة تكيف حزب إسلامي مع الديمقراطية والعلمانية، لإنهاء القطيعة غير المنطقية الناجمة عن نظرة تضع الإسلام في تضاد مع الديمقراطية والحداثة، وأيضا لتشجيع التيارات الإسلامية المعتدلة على السير في هذا الاتجاه ما يشكل دفعا لمسيرة التغيير الديمقراطي في العالم العربي.

الدرس التركي
هكذا ثمة في التجربة التركية دروس بالغة الأهمية، يفترض إدراكها عربيا، لكن أهمها يتمحور حول تجربة الإسلام السياسي، وثانيها يتمحور حول كيفية حل المسألة الكردية.

ما حصل بمثابة درس ينبغي التعلم منه، إذ يتبين أنه في ظل الديمقراطية فقط، يمكن لكل التيارات، أيا كان نوعها، أن تتعايش، كما يمكن لحزب إسلامي ما أن يصل إلى السلطة حتى في بلد علماني، باعتبار أن النظام السياسي الديمقراطي يتأسس على التنوع والاعتراف بالآخر وتداول السلطة
في المسألة الأولى، يقدم حزب العدالة والتنمية نفسه حزبا منفتحا وديمقراطيا وعصريا ومناهضا للتطرف والتعصب والانغلاق. فهو مثلا لا يتبنى شعارات من نوع: الإسلام هو الحل، وهو يتوافق في ذلك مع حزب النهضة التونسي، باعتبار أن هذا مجرد شعار، وبمثابة استغلال للدين، وأن المطلوب الاستجابة لمطالب وحاجات الناس، في مسائل يمكن ترجمتها مثل تحقيق العدالة والتنمية والتطور والإنتاج والتعليم؛ هذا أولا.

ثانيا، أن حزب العدالة والتنمية لا يرى أن ثمة تناقضا بين الإسلام والعلمانية، باعتبار الأخيرة تحيد الدولة، أو تمنعها من استغلال الدين، وتضمن احترام العقيدة الدينية، وهذا ما حاول قوله أردوغان في خطابه في القاهرة قبل سنوات. وثالثا، لأن هذا الحزب لا يتدخل في خصوصيات الأفراد في احترام لقيمة الحرية، ولا يميز بينهم على أساس ديني.

في المقابل، وبالنسبة للتيارات الإسلامية عندنا، يمكن القول إن ما حصل بمثابة درس ينبغي التعلم منه، إذ يتبين أنه في ظل الديمقراطية فقط، يمكن لكل التيارات، أيا كان نوعها، أن تتعايش، كما يمكن لحزب إسلامي ما أن يصل إلى السلطة حتى في بلد علماني، باعتبار أن النظام السياسي الديمقراطي يتأسس على التنوع والاعتراف بالآخر وتداول السلطة والفصل بين السلطات والمساواة بين المواطنين الاحرار.

أما الدرس الأخر فيخص الأحزاب الكردية عندنا أيضا، إذ إن الديمقراطية ودولة المواطنين لا تلغي الخصائص القومية بل يمكن أن تعززها، كما يمكن أن تغني الحياة المشتركة بين مختلف مكونات المجتمع.

وفي هذا الإطار ربما الأجدى لحزب الشعوب الديمقراطي لو أنه ركز على تعزيز مكانة الكرد في الحياة السياسية التركية، وكان ذلك متاحا بعد الانتخابات التشريعية السابقة، لكنه فوت عليه هذه الفرصة التاريخية، بمبالغته بالفوز الذي حققه، وبانصياعه للأطراف القومية المتعصبة، وبمحاولته الاستفادة من احتدام الصراع على الإقليم، وهو ما دفع ثمنه في الانتخابات الحالية.

الآن يبدو أن الأجدى لحزب الشعوب، الحزب الأكثر تمثيلا لأكراد تركيا، كما لحزب العدالة والتنمية، أن يجدا معا الطريقة التي تمكنهما من العمل سويا لبناء تركيا الجديدة، وتعزيز الديمقراطية فيها، بالاستفادة من التجربة السابقة وبعيدا عن التعنت، وهو الأمر الذي قد يشجع الأحزاب السياسية الكردية السورية على السير في هذا الاتجاه، لتعزيز الضغط على النظام السوري، وتقوية مسار الثورة السورية.

على أية حال، نحن إزاء تجربة باهرة لحزب ناجح بكل معنى الكلمة، رغم كل الانتقادات التي يمكن توجيهها له، ومنها تسرعه، وعدم صوابية سعيه للتحول نحو نظام رئاسي، وأيضا تردده حيال حل المسألة الكردية في تركيا.

حقا، كنا في ما يتعلق بالانتخابات التركية كأننا في انتخابات تخصنا، وتسهم في تقرير مستقبلنا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك