مأمون أبو نوار

مأمون أبو نوار

لواء طيار وخبير عسكري


لا تتوقف التكهنات والتحليلات المتعلقة بسقوط الطائرة الروسية في شبه جزيرة سيناء، ولكن الكثير من هذه التحليلات تنقصها الدقة والتماسك، وتفتقد المعايير العلمية المتعارف عليها في مثل هذا النوع من الحوادث.

وما نعرفه لغاية هذه اللحظة أنه بتاريخ 30 أكتوبر/تشرين الأول 2015 أقلعت الطائرة الروسية (A321) التابعة لشركة كوغاليم أفيا واسمها التجاري متروجت من شرم الشيخ الساعة السادسة صباحا باتجاه سانت بطرسبورغ، وبعد 23 دقيقة من إقلاعها ووصولها إلى ارتفاع 31 ألف قدم اختفت عن شاشة الرادار دون اتصال إغاثة أو تغيير مسارها لهبوط اضطراري.

عمر هذه الطائرة الروسية 18 عاما وكانت تابعة لعدة شركات قبل التحاقها بالشركة الروسية، منها الخطوط اللبنانية والتركية والسعودية، وقد حلقت أول مرة لها في 9 مايو/أيار 1997 وتعرضت لحادث ضرب ذنبها على مدرج مطار القاهرة عام 2001.

الطائرات لا تسقط هكذا من السماء، والاحتمالات كثيرة ومفتوحة من انفجار قنبلة أو نتيجة تسرب في الوقود أو الأكسجين أو خلل ميكانيكي في الأجهزة أو خلل في هيكل الطائرة أو فقدان للمحركات، فضلا عن احتمالية العمل الإرهابي أو تسرب غازات سامة

وتقوم الشركة بعمل الصيانة الكاملة لها وفقا للوائح التصنيع وفي الأوقات المحددة لذلك، وهي تتبع للشركة منذ عام 2012 حيث أنجزت 21 ألف رحلة طيران بواقع 56 ألف ساعة طيران، كما أن كابتن الطائرة والطيار المساعد لديهما خبرة طويلة وممتازة في عالم الطيران.

لغاية هذا التاريخ لا يوجد أحد لديه الجواب الصحيح، ولن يتوفر ذلك إلى حين اكتمال التحقيقات الجارية، خاصة أنه تم العثور على حطام الطائرة والصندوقين الأسودين، أحدهما خاص بالطيار ومساعده واتصالاتهما داخل قمرة الطائرة (voice recorder)، والصندوق الآخر الذي يحتوي على جميع أنظمة الطائرة الفنية وكيف كانت تعمل هذه الأجهزة (flight data recorder) مع وضعية الطائرة من حيث الارتفاع والسرعة قبل الحادث.

سيتم تفريغ وسحب هذه المعلومات من الصندوقين، وسيؤدي ذلك لمعرفة سبب سقوطها مع العلم أن التحقيق سيستغرق وقتا من الزمن لمعرفة السبب، لكن مع وجود الصندوقين وحطام الطائرة لم تعد هذه الحادثة لغزا كما حدث مع الطائرة الماليزية التي لم يتم العثور عليها لغاية هذا التاريخ والتي بالفعل لا تزال لغزا في عالم حوادث الطيران.

الطائرات لا تسقط هكذا من السماء، والاحتمالات كثيرة ومفتوحة من انفجار قنبلة أو نتيجة تسرب في الوقود أو الأكسجين الذي من المحتمل أن يؤدي إلى انفجار، أو خلل ميكانيكي في الأجهزة أو خلل في هيكل الطائرة، أو فقدان للمحركات، هذا فضلا عن احتمالية العمل الإرهابي أو تسرب غازات سامة، أو حدوث شيء كارثي ومفاجئ منع الطيار من التعامل مع هذا الطارئ فلم يتوفر لديه الوقت لتقديم نداء استغاثه. إن الصندوقين الأسودين سيكون لهما دور كبير في تشخيص وتحليل ما حدث بالنسبة لهذه الاحتمالات.

بعض التصريحات الروسية أفادت بأن الطائرة ربما سقطت بعامل خارجي، وأنه لم يكن هنالك عامل بشري أو فني وراء سقوطها، بمعنى أنها كانت سليمة 100% مع استبعاد أن يكون هناك أي خطأ ارتكبه الطيار، وبالتالي ترجيح فرضية العمل الإرهابي.

والواقع أن مثل هذا التصريح سابق لأوانه، ويجب عدم استبعاد أي فرضية في هذا الوقت بما فيها العامل الفني مع ضرورة انتظار نتائج تحقيق اللجنة الدولية لمعرفة الحقيقة من خلال الصندوقين وحطام الطائرة وأي حقائق أخرى لها صلة بهذا الحادث.

إن موقع (flight radar 24) الذي يعمل من السويد ويقوم بتعقب الطائرات في جميع أنحاء العالم وبشكل آني ويجمع البيانات عن هذه الطائرات قد أفاد بأن معدل هبوط الطائرة الروسية من الجو كان بحدود ستة آلاف قدم بالدقيقة، بمعنى أن عملية سقوطها استغرقت نحو خمس دقائق قبل ارتطامها بالأرض، وخلال عملية السقوط انشطر هيكلها إلى عدة أجزاء ربما نتيجة تجاوز السرعة القصوى المصممة لهذه الطائرة، وهذا ما تنتج عنه احتمالية انفصال أو خلع بعض أجزاء هيكلها عن بعضها البعض بسبب فقدان السيطرة عليها لاحتمالات كثيرة ومتعددة من الصعب التكهن بها.

ستقوم هيئة التحقيق بجمع حطام الطائرة وأخذ البيانات اللازمة وتصوير جميع القطع المتحطمة في الموقع ونقلها إلى مكان خاص، ثم بناء مجسم يشبه هيكلها حيث يتم وضع قطع الحطام كل في موضعه على هذا المجسم، بمعنى إعادة بناء جديدة للطائرة لمعرفة السبب، ومثل هذه الإجراءات قد تأخذ أشهرا وربما سنوات لمعرفة السبب.

لا يمكن أن تكون هذه الطائرة قد أسقطت بصواريخ (manpad) المحمولة على الكتف، فبغض النظر عن نوع هذه الصواريخ فإن أقصى سقف ارتفاع يمكن أن تصل إليه هذه الصواريخ قرابة 12 ألف قدم، مع العلم أن ليبيا كانت تملك عشرين ألف صاروخ من هذا النوع وتم تهريب قسم كبير منها إلى أفريقيا وتباع حاليا بالسوق السوداء، وتم ضبط عدد منها في سيناء من قبل القوات المصرية عام 2011.

نظرا لأن الطائرة وصلت إلى ارتفاع 31 ألف قدم فلا يمكن إسقاطها إلا بواسطة منظومة صاروخية تستخدم صواريخ رادارية ورادار كشف ورادار قبض على الطائرة وقيادة وتحكم، مثل هذه المنظومة تستطيع أن تتعامل مع أهداف يصل ارتفاعها إلى ثمانين ألف قدم، كما أن سرعة صواريخ هذه المنظومة تبلغ ثلاثة أضعاف سرعة الصوت، وهي مزودة بفيوز تقريبي ينفجر بالقرب من الطائرة كمنظومة نظام بوك الروسية المعروفة لدى الناتو بمصطلح (SA-17).

ستقوم هيئة التحقيق بجمع حطام الطائرة وأخذ البيانات اللازمة وتصوير جميع القطع المتحطمة في الموقع ونقلها إلى مكان خاص، ثم بناء مجسم يشبه هيكلها، حيث يتم وضع قطع الحطام كل في موضعه على هذا المجسم، بمعنى إعادة بناء جديدة للطائرة لمعرفة السبب

إن استخدام هذه المنظومة يحتاج إلى تدريب مستمر، ومن الصعب إخفاؤها في سيناء نتيجة بث رادار هذه المنظومة وبالتالي سيتم التقاط مواقعها من قبل الطائرات المصرية ومعرفة نوعها، وهنالك طائرات مختصة بمثل هذه المهام وتقوم بجمع مثل هذه المعلومات، لذلك فإن هناك احتمالا ضعيفا أن يكون تم إسقاط الطائرة من قبل هذه المنظومة.

إن ادعاء تنظيم داعش (ولاية سيناء) إسقاط الطائرة وعرض فيلم فيديو يبين طائرة مدنية وخلفها دخان كثيف هو ادعاء مفبرك لأن وضعية الطائرة بالنسبة إلى الأفق لا يبين أن هنالك عملية سقوط حاد.

وقد أفاد موقع (flightradar24) بأن عملية سقوط الطائرة كانت ستة آلاف قدم في الدقيقة، وهذا يتضارب مع وضعية تحليقها الموجودة بالفيديو الذي يبين أنه كان عاديا وعلى ارتفاع متوسط وبتحليق أفقي ولم تكن في وضعية غوص حاد نتج عنها تفكك وانشطار بعض أجزائها عن هيكلها كما هي المعلومات الأولية للطائرة.

يشير انتشار حطام الطائرة على مسافة واسعة على الأرض إلى أن عملية انشطار ربما حدثت على ارتفاع عال، وأن لجنة التحقيق ستحتاج إلى الوقت الكثير لمعرفة الارتفاع الذي تمت فيه عملية الانشطار المحتمل أن يكون ناتجا عن عملية انفجار أو حدوث خلل في هيكل الطائرة أدى إلى إحداث فتح في جسمها، وازداد الانشطار مع تجاوز السرعة القصوى المحددة لها أثناء عملية السقوط مما نتج عنه بعثرة الحطام لمساحات واسعة.

من السهل معرفة ما إذا كانت الطائرة قد أصيبت بصاروخ راداري، فهنالك مؤشرات ودلائل كثيرة تبين ذلك من خلال مئات الثقوب على جسمها نتيجة الانفجار الشديد للصاروخ، حيث إن هذا النوع من الصواريخ ذو طاقة تفجير عالية وعندما ينفجر بالقرب من الطائرة تنتج عنه شظايا تثقب وتخترق جسمها، وهذه الشظايا ستوجد في أجسام الضحايا وتستطيع لجان التحقيق بالتعاون مع الشركات المختصة بمثل هذه الأسلحة معرفة نوع الصاروخ المستخدم بل تستطيع معرفة لونه ورأسه الحربي ونوع المنظومة التي أطلقته، وهذا ليس بالشيء الصعب.

في عالم الطيران كثيرا ما لا تحصل على الجواب الذي تريد، ومثل هذه التحقيقات تأخذ وقتا طويلا للوصول إلى السبب الذي سيكون مبنيا على إجابات علمية ومنطقية.

وعند معرفة السبب يكون هؤلاء الضحايا قد قدموا للبشرية وساهموا في أن يكون الطيران أكثر أمانا في المستقبل من خلال تصحيح الإجراءات وتجنب الأخطاء والأسباب التي أدت إلى هذه الكارثة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك