سيد أعمر ولد شيخنا

سيد أعمر ولد شيخنا

باحث موريتاني مختص في العلوم السياسية والتاريخ


إرادة التحرر الموءودة
التسلل الصيني الأميركي
مشروع فرنسا المضاد

تحتل النيجر موقعا خاصا في إستراتيجية الأمن القومي الفرنسي منذ أن بدأت فرنسا عام 1971 عبر شركة "أريفا" في الاستحواذ على استخراج يورانيوم النيجر الذي يمد فرنسا بـ35% من احتياجاتها من الطاقة النووية والتي تساهم بدورها في 75% من الطاقة الكهربائية الفرنسية. 

وتمنح شركة أريفا العملاقة -التي تعمل في مجال الطاقة النووية واستخراج اليورانيوم وصنع المفاعلات النووية- عناية خاصة للنيجر التي كانت تحتل المرتبة الرابعة عالميا بعد كزاخستان وكندا وأستراليا قبل أن تقفز مع اكتشاف منجم إيمورارن لتحتل المرتبة الثانية عالميا بعد كزاخستان، والأهم أفريقيا، إذ لا يزال منجم ناميبيا المملوك لأريفا غير مستخدم.

تعمل شركة أريفا في دولة النيجر عن طريق شركة تابعة لها تسمى أريفا النيجر التي تقوم بتنسيق عمل الشركات الفرعية التي تدير المناجم الثلاثة، وهي سومايير، وكوميناك، وإيمورارن مع الشركة الأم.

من مفارقات العلاقة المختلة بين عالمي الشمال والجنوب أن تكون النيجر الدولة الأفقر والأكثر هشاشة على المستوى العالمي وفق معايير الأمم المتحدة تساهم عبر ثرواتها المنهوبة في تمويل جزء كبير من مشروعات فرنسا من الطاقة النووية وتزويدها باحتياجاتها من الطاقة الكهربائية

وتبلغ حصيلة ما استخرجته الشركات الفرنسية من يورانيوم النيجر منذ العام 1971 إلى غاية سنة 2012 ما مجموعه (110 آلاف طن) تم استخراجها من منجمي سومايير، وكوميناك، أما منجم إيمورارن الجديد الذي لا يزال قيد التجهيز فيفترض أن ينتج خمسة آلاف طن سنويا على مدى 35 سنة قادمة.

إرادة التحرر الموءودة
من مفارقات العلاقة المختلة بين دول الشمال ودول الجنوب أن تكون النيجر الدولة الأفقر والأكثر هشاشة على المستوى العالمي -وفق معايير الأمم المتحدة- تساهم عبر ثرواتها المنهوبة في تمويل مشروعات فرنسا من الطاقة النووية وتزويدها باحتياجاتها من الطاقة الكهربائية.

هذا في حين لا تدفع شركة أريفا للدولة النيجرية سوى 150 مليون يورو مقابل اليورانيوم، بالإضافة لمئة مليون يورو على شكل ضرائب، وهو ما يمثل نسبة 5.5% فقط من اليورانيوم المنتج، وهو العائد الزهيد الذي ترفضه الحكومة النيجرية على استحياء، فيما تتصاعد احتجاجات الرأي العام النيجري في مواجهة الضرر الاقتصادي الذي تلحقه أريفا بمصالح شعب النيجر، حيث ينظم تحالف يضم 38 جمعية مناوئة لممارسات شركة أريفا نشاطات من حين لآخر وترفع شعارات منددة بالشركة والحكومة على السواء.

وتعود بدايات الامتعاض النيجري من الاستنزاف الفرنسي لثروات البلاد إلى عهد الرئيس النيجري الأسبق حماني ديوري عندما طالب -عقب قرار فرنسا الاعتماد على الطاقة النووية على خلفية تفاعلات أزمة النفط 1973- بزيادة حصة دولة النيجر من عائدات اليورانيوم التي تستخرجها الشركات الفرنسية من بلاده، وهو الموقف الذي ردت عليه فرنسا بتدبير انقلاب عسكري في أبريل/نيسان 1974 قاده الجنرال سيني كونتشي.

وفي عهد الرئيس المنتخب ممادو طانجا (1999-2010) تجرأ الرئيس لأول مرة في تاريخ علاقات النيجر بفرنسا على إعادة التفاوض مع أريفا بشأن اليورانيوم، وفتح الاستثمار فيه وفي غيره من موارد النيجر أمام الشركات الأجنبية ومنح عدة تراخيص لشركات صينية وهندية وكندية، ومضى قدما في الانفتاح على الصين وأجرى مفاوضات متقدمة معها، وعين لهذا الغرض ابنه عثمان ملحقا تجاريا في سفارة بلاده ببكين ليتولى التفاوض السري مع الشركات الصينية.

وهي التوجهات التي أزعجت باريس ووجدت في امتعاض المعارضة النيجرية من إعادة انتخاب الرئيس ممادو طانجا لمأمورية ثالثة -عكس ما ينص عليه الدستور- فرصتها الذهبية في تدبير انقلاب عسكري في فبراير/شباط 2010 أطاح بالرئيس تانجا وبطموحاته التحررية التي دفعته إلى تجاوز الخطوط الحمراء الفرنسية المتمثلة في المس بمصالح أريفا وفتح أبواب النيجر أمام الصين.

التسلل الصيني الأميركي
بحسب فيليب ريشاي مؤلف كتاب الهجوم الصيني في أفريقيا الصادر عن دار كارتالا الباريسية، تكمن الأهمية الإستراتيجية لأفريقيا لدى المخططين الإستراتيجيين الصينيين في اعتبارها معينا خصبا وبكرا لمصادر الطاقة والمواد الأولية، وسوقا كبيرة للصناعات الصينية النشطة.

تقود الصين منذ سنوات عملية اختراق منظمة وهادئة للنيجر وفق المعادلة التنموية التي تطبقها الصين في عموم أفريقيا، أي مقايضة البنى التحتية والأموال بالموارد النفطية والمعادن، وتمثل لها النيجر أرضا بكرا يمكن أن تزودها بموارد إستراتيجية مهمة مثل اليورانيوم

وتقود الصين منذ سنوات عملية اختراق منظمة وهادئة للنيجر، وفق المعادلة التنموية التي تطبقها الصين في عموم أفريقيا، أي مقايضة البنى التحتية والأموال بالموارد النفطية والمعادن التي يحتاجها الاقتصاد الصيني الأسرع نموا في العالم.

وبالنسبة للصين، تمثل لها النيجر أرضا بكرا يمكن أن تزودها بالموارد الإستراتيجية مثل اليورانيوم المعدن النفيس الذي توجد مكامنه في نقاط قليلة ومتباعدة على مستوى العالم.

وتعتبر الصين -القوة النووية الكبرى- من أكثر البلدان استهلاكا لليورانيوم، وقد نجحت في تشجيع الرئيس المطاح به طانجا في فتح ميدان التنقيب واستخراج اليورانيوم أمام شركة "سينويو" الصينية وشركات تنقيب أخرى، وذلك لكسر الاحتكار الفرنسي ليورانيوم النيجر، ورغم فشل الصين في الفوز بصفقة استخراج منجم إيمورارن الضخم فإن منافستها القوية عليه انتزعت مكاسب مهمة للنيجر من شركة أريفا لم تكن متوقعة.

وقد امتدت الاستثمارات الصينية في النيجر لتشمل استخراج النفط، حيث دفعت مؤسسة البترول الوطنية في الصين ما يناهز ثلاثمئة مليون دولار للنيجر مقابل الحصول على رخصة الاستثمار في النفط حيث تخطط الصين لإنفاق أموال ضخمة لإنتاج أول نفط في النيجر.

في السادس من فبراير/شباط 2007 أعلن وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس أمام لجنة التسليح بمجلس الشيوخ الأميركي عن تشكيل قيادة عسكرية أميركية في أفريقيا "أفريكوم"، وبذلك تنتقل أميركا من مرحلة التعاون العسكري مع البلدان الحليفة إلى مرحلة إنشاء قواعد واكتساب حضور عسكري مباشر في القارة الأفريقية، وهو المشروع الذي تريد من خلاله الولايات المتحدة ضمن أهداف إستراتيجية عدة وضع اليد على منابع النفط الأفريقية التي تشكل 25% من المخزون العالمي وتأمين تدفق إمدادات النفط الأفريقي الأقرب إلى السواحل الأميركية، وهي الإمدادات التي ينتظر أن يتزايد الاعتماد الأميركي عليها في السنوات القادمة.

ومع أن التوجه الأميركي نحو أفريقيا قرئ في سياق مواجهة تحديات الإرهاب على المدى القصير واحتواء وتحجيم النفوذ الصيني المتنامي في أفريقيا على المديين المتوسط والبعيد غير أن العديد من الدول الأوروبية -وفي مقدمتها فرنسا- وجدت في مشروع "أفريكوم" تضخيما أميركيا لتحديات مبالغ فيها من أجل إيجاد موطئ قدم لها في مناطق نفوذ تقليدي لحلفائها الأوروبيين ومضايقة مصالحهم السياسية والاقتصادية، وهي التخوفات التي جسدها تنامي العلاقات العسكرية والاقتصادية الأميركية مع بلدان غرب أفريقيا وحصول الشركات الأميركية والكندية على رخص تنقيب واستثمار في النيجر وغيرها من بلدان المنطقة.

مشروع فرنسا المضاد
أمام هذه التحديات الجيوإستراتيجية التي أوشكت على إخراج النيجر الغنية باليورانيوم من معادلات الاقتصاد والأمن القومي الفرنسي ردت باريس على منافسيها الدوليين ومناوئيها المحليين بمشروع إستراتيجي مضاد اتسم بالفاعلية وروح المبادرة.

أمام المحاولات الصينية والأميركية التي أوشكت مع غيرها على إخراج النيجر الغنية باليورانيوم من معادلات الاقتصاد والأمن القومي الفرنسي ردت باريس على منافسيها الدوليين ومناوئيها المحليين بمشروع إستراتيجي مضاد اتسم بالفاعلية وروح المبادرة

فعلى المستوى المحلي استغلت الاستياء السياسي والشعبي من ممارسات الرئيس ممادو طانجا وتلاعبه بالدستور والمؤسسات للإطاحة بنظامه المتمرد على الوصاية الفرنسية في فبراير/شباط 2010، ونصبت محله صديقها محمد إيسوفو المهندس والإطار السابق في "أريفا النيجر" باعتباره الشخص المناسب لحماية مصالح الشركة الأم ومن خلفها فرنسا، ثم أشفعت ذلك باستثمار هواجس النيجر ومالي وحتى الجزائر من الدعوات الانفصالية للطوارق.

وفي مواجهة المنافسين الدوليين استعارت من الأميركيين لعبة تضخيم ورقة الإرهاب في الساحل والصحراء، فوظفت بمهارة الهجوم الذي نفذته القاعدة في سبتمبر/أيلول 2010 على مقر أريفا في آرليت بالنيجر واختطاف سبعة من عمالها، وممارسات الجماعات المسلحة في مالي لتدشين مشروعها الإستراتيجي المضاد، حيث بدأت في يناير/كانون الثاني 2013 عملية "سيرفال" في مالي، ثم حلت محلها في يوليو/تموز 2014 عملية "برخان".

وتشير خريطة الانتشار العسكري الفرنسي الجديد إلى التركيز على البلدان الأفريقية الثلاثة: مالي، والنيجر، وتشاد، بالإضافة لموريتانيا وبوركينا فاسو في المرتبة الثانية، وقد قررت فرنسا تجهيز وإعادة تجهيز قواعد "نجامينا" في تشاد، ونيامي بالنيجر، و"غاو "و"تساليت" في مالي، ويعتبر أحدث تطور في عملية الانتشار العسكري الفرنسي بالساحل الأفريقي هو قاعدة "ماداما" في شمال النيجر.

وبذلك تكون فرنسا قد أضعفت نفوذ الجماعات المسلحة في الساحل الصحراوي، والأهم من ذلك كله تأمين نفوذها التقليدي في المنطقة من منظور إستراتيجي في وجه المنافسين الدوليين متجاوزة مرحليا أبرز التحديات التي واجهت مصالحها الحيوية بالنيجر وأفريقيا.

في كتابه "فرنسا أفريقيا" المنشور عام 1905 صدر الرائد فيري إدمون غلاف الكتاب بتصريح مهم لوزير خارجية فرنسا قال فيه "إن بقاء فرنسا قوة عالمية مرهون قبل كل شيء بوجود إمبراطوريتها الأفريقية".. فهل ستتمكن فرنسا من ذلك؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك