أيمن نبيل

أيمن نبيل

كاتب وباحث يمني


شكلت حادثة إسقاط سلاح الجو التركي مقاتلة روسية مادة لنقاشات وتحليلات شتى في وسائل الإعلام، وهي تحليلات ذهبت بعيدا إلى حد تصور قيام "حرب عالمية ثالثة"، في قياس غير واقعي إطلاقا على الحرب العالمية الأولى.

وما يهمنا في هذا المقال هو التركيز على الآثار المترتبة على إسقاط المقاتلة الروسية، وهو حدث مفصلي في "شكل" الصراع الدولي وليس في جوهره، لأنه أوضح وأبعد التباسات شتى كانت قد تراكمت مع تعقيدات السياسة الدولية منذ حرب أوسيتيا الجنوبية في أغسطس/آب 2008.

في حرب أوسيتيا الجنوبية نقل عن وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك كونداليزا رايس قولها إن "روسيا تتصرف وكأنها الاتحاد السوفياتي!"، وكانت هذه العبارة مفتاحية في وصف سلوك القوى العظمى مع محيطها في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

التدخل الروسي لم يكن فقط لفرض واقع مناسب في سوريا، بل ولتوظيف الصراع فيها مع أوروبا الغربية بخصوص ملف العقوبات، ولكن يبدو أن تجاوز المكرس دوليا بدون إمكانيات إمبراطورية هائلة يعني مضاعفة الخسائر وليس تجنبها

وقد أوضح بعض المنظرين السياسيين بناء على تحليل تلك الحرب وغيرها أن القوى العظمى تتبع سلوكا إمبراطوريا مع محيطها كما فعلت روسيا مع جورجيا أو بريطانيا مع الأرجنتين في حرب الفوكلاند عام 1982.

كان قد تكرس هذا التصور وتم القبول به إلى حد ما دوليا، خاصة أن مناشدات الرئيس الجورجي ساكاشفيلي للولايات المتحدة وحلف ناتو "مساعدة بلاده" في حرب أوسيتيا الجنوبية لم يستجب لها عمليا، وقد فهمت روسيا -بقيادة بوتين- هذه القاعدة الجديدة في الصراع الدولي، ولعبت على أساسها في أوكرانيا بحرب القرم في عام 2014.

ولكن شرق أوروبا لا يعتبر محيطا بحتا لروسيا بل منطقة اشتباك بين مصالحها ومصالح أميركا وأوروبا الغربية، وقد أوصل الأوروبيون هذه الرسالة لروسيا عبر العقوبات الاقتصادية، وبإمكاننا القول إن هذه العقوبات كانت محاولة أولية لتحجيم الوعي والنزوع الإمبراطوري للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ولكنها لم تكن "صادمة" لوعي العالم بما فيه الكفاية، فسلاح العقوبات الاقتصادية ضد بلد ضخم ومعقد مثل روسيا يحتاج وقتا طويلا حتى تظهر نتائجه الملموسة.

إشكالية الوعي الإمبراطوري الروسي أنه بتدخله في سوريا تجاوز القاعدة المكرسة للسلوك الإمبراطوري المقبول غربيا، بالإضافة إلى أنه تجاوز حدود إمكاناته الحقيقية والواقعية.

وبالإمكان القول إن التدخل الروسي لم يكن فقط لفرض واقع مناسب في سوريا، بل لتوظيف الصراع فيها مع أوروبا الغربية بخصوص ملف العقوبات، ولكن يبدو أن تجاوز المكرس دوليا بدون إمكانيات إمبراطورية هائلة يعني مضاعفة الخسائر وليس تجنبها، وفي حالة روسيا فإن ملف العقوبات الذي كان التخلص منه أحد الأهداف المفترضة للتدخل الروسي في سوريا أصبح الآن عامل تكبيل مضاعف، ويتضح هذا من رد الفعل الروسي على تركيا.

تركيا عضوة في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وهو حلف ذو خلفية تاريخية مشتبكة مع روسيا، وعلى الرغم من التحديثات التي أجريت للعقيدة العسكرية الروسية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي فإن حلف ناتو بقي "العدو الأول" في هذه العقيدة، خاصة أنه منذ تسعينيات القرن الماضي يحاول بإصرار ضرب طوق محاصر لروسيا.

ويتضح ذلك من تشجيعه دول أوروبا الشرقية على الانضمام إليه -وإن كان الخطاب الرسمي لحلف ناتو يتحدث عن محاولة إقامة "شراكة" مع روسيا- وهو حلف يضم ترسانة ضخمة وتكنولوجيا عسكرية متفوقة بمراحل على التقنية الروسية بسبب عضوية الدول الأولى عالميا في إنتاج التكنولوجيا المتطورة في هذا الحلف.

وعليه، فإن مجرد التفكير في رد عسكري روسي مباشر على تركيا لا مكان له في حيز الحسابات العقلانية، وعضوية تركيا في ناتو لعبت دورا محوريا في حسم مسألة الرد العسكري، فروسيا كدولة وإمكانيات "تطيق" الرد بشكل تأديبي على دولة صغيرة بلا تحالفات عسكرية مع قوى عظمى، والرد التأديبي لا يشترط أن يكون حربا كاملة، ولكن يشترط فيه إظهار القدرات الإمبراطورية وتكريسها.

ماهية الرد الذي تطيقه روسيا سيكون سياسيا من خلال تصريحات أو في المحافل الدولية، وكذلك -وهذا هو الأخطر بالنسبة للشعب السوري- التصلب أكثر في الشأن السوري وتركيز الضربات على حلفاء تركيا في سوريا، وإدخال أسلحة أكثر تطورا فيها

من جانب آخر، يستبعد أن يكون الرد الروسي اقتصاديا، وسبب هذا هو العقوبات الأوروبية الخانقة، فحجم التبادل التجاري بين روسيا وتركيا في عام 2013 وصل إلى ثلاثين مليار دولار، وهذه العلاقات المتميزة اقتصاديا من الصعب أن تتخلى عنها دولة تعاني أزمات اقتصادية متلاحقة بفعل انخفاض أسعار النفط والعقوبات الأوروبية التي صعبت عمليات الإقراض وتسببت في انكماش الاقتصاد.

وبالتالي فإن ماهية الرد الذي تطيقه روسيا سيكون سياسيا من خلال تصريحات أو في المحافل الدولية، وكذلك -وهذا هو الأخطر بالنسبة للشعب السوري- التصلب أكثر في الشأن السوري وتركيز الضربات على حلفاء تركيا في سوريا، وإدخال أسلحة أكثر تطورا بالعملية العسكرية الروسية فيها كما يتوقع كثير من المراقبين.

بعد استعراض إمكانيات رد الفعل الروسي أصبح من الواضح مدى خطورة حادثة إسقاط الطائرة الحربية الروسية ورد الفعل عليها، وهي خطورة تكمن في الشكل والصورة، فهي تقريبا صغرت صورة الطموح الإمبراطوري الروسي أمام العالم أجمع.

وروسيا التي كان تدخلها في سوريا بكل ملابساته والدعاية التي سوقت له تمظهرا لسلوك إمبراطوري -ولنتذكر معا بشار الأسد وهو في حضرة بوتين- بما هو "قيصر" في موسكو قبل أسابيع لم تستطع إنجاز رد يتناسب مع قوة دولية عظمى، وهذا سيكون بالتأكيد تهشيما لأوهام كثير من السياسيين والإعلاميين العرب التي تسببها الناستالوجيا المرضية للاتحاد السوفياتي ويتم بفعلها إحلال روسيا مكانه كتعويض نفسي.

فالاتحاد السوفياتي الذي رفض شيك الرئيس الجزائري هواري بومدين لشراء السلاح بعد حرب 1967 حين قدمه لبريجنيف باستخفاف ليس روسيا التي ستحسب حسابات كثيرة قبل الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية المتميزة مع دولة أخرى وإن كانت قد أسقطت مقاتلة حربية لها مسقطة معها صورة مبالغا بها لعالم "متعدد الأقطاب"، معيدة النقاش حول التناظر والتعدد القطبي في الصراع الدولي إلى سياق أكثر واقعية، أما جوهر الصراع فسيبقى خاضعا لسياقاته وجدل عناصره المعقدة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك