عامر راشد

عامر راشد

كاتب فلسطيني


أبعد من إسقاط "سو-24"
حسابات مرتبكة
سيناريوهات روسية
العلاقات الثنائية.. إلى أين؟

التصريحات الروسية الحادة ردا على إسقاط طائرة حربية روسية من قبل القوات الجوية التركية أظهرت على السطح أزمة عميقة بين البلدين نتيجة مشاكل تراكمت خلال السنوات القليلة الماضية، لكن تم ضبطها تحت سقف تحييد التباينات، والإبقاء ما أمكن على المصالح المتبادلة في معادلة يبدو اليوم من الصعب استمرار العمل بموجبها.

وضعت حادثة إسقاط طائرة "سوخوي-24" الروسية بصاروخ أطلقته طائرة إف 16 تركية العلاقات بين موسكو وأنقرة في امتحان هو الأصعب، بل يكاد يكون غير مسبوق منذ عقود.

فقد استطاعت روسيا وتركيا حتى وقت قريب تعزيز وترسيخ التعاون الثنائي بينهما رغم التباينات الكبيرة في المواقف التي كانت قائمة حول العديد من الملفات السياسية، في مسائل دولية وإقليمية وثنائية، وطالما اعتبر هذا بأنه نموذج لنجاح البراغماتية، ومنافع التركيز على الجوانب التجارية والاقتصادية حتى عندما تكون هناك قضايا سياسية خلافية ساخنة.

استطاعت روسيا وتركيا سابقا تعزيز التعاون بينهما رغم التباينات الكبيرة في المواقف حول العديد من الملفات السياسية، ولطالما اعتبر ذلك نموذجا لنجاح البراغماتية، ومنافع التركيز على الجوانب الاقتصادية، حتى عندما تكون هناك قضايا سياسية خلافية ساخنة

غير أن الصورة تغيرت على ما يبدو، ولم يعد ذلك النموذج صالحا بصيغته السابقة، مما يفرض إجراء تدقيق واسع وفي العمق لفهم الواقع الراهن للعلاقات الروسية التركية واستكشاف مستقبلها.

أبعد من إسقاط "سو-24"
في مراجعة سريعة للتصريحات الروسية تعقيبا على إسقاط طائرة "سو-24" يلاحظ أن التصريح الرسمي الأول الذي أدلى به الرئيس فلاديمير بوتين شخصيا أشعل معركة كسر عظم سياسية مع الحكومة التركية، حيث اتهمها بأنها داعمة للإرهاب، ومن موقعها هذا وجهت طعنة لروسيا في ظهرها.

وكان يمكن النظر إلى تعقيب بوتين بأنه نتج عن ثورة غضب عابرة لولا أنه عاد وأدلى بتصريحات أشد وبالاتجاه ذاته، حيث جاء في بيان صادر عن الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أعلن عن تأييده توصيات وزارة الخارجية الروسية التي نصحت المواطنين الروس بالامتناع عن زيارة تركيا.

وعلل بوتين ما ذهب إليه باتهام السلطات التركية بممارسة "سياسة داخلية موجهة نحو أسلمة البلاد كلها"، وأضاف "الأمر يتعلق بدعم النزعات المتطرفة في الإسلام..".

بدوره، اعتبر رئيس الوزراء الروسي ديمتري مدفيدف أن "أعمال أنقرة أصبحت دليلا على دعمها للمتطرفين من تنظيم الدولة الإسلامية، وقوضت علاقات حسن الجوار الطويلة بين روسيا وتركيا، ولا سيما في الاقتصاد والمجال الإنساني"، في حين نقل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف المواجهة السياسية مع تركيا إلى التشكيك في أن سياسات الرئيس التركي وحكومة حزب العدالة والتنمية تلقى تأييد الرأي العام التركي.

وتؤشر التصريحات السابقة إلى أن حادث إسقاط طائرة "سو-24" ليس بداية أزمة بين البلدين، بل كان بمثابة صاعق فجر العلاقة بينهما بعد أن اتخذت منحى شديد الانحدار في الأشهر القليلة الماضية، ولا سيما بعد التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا، وبالتالي عدم كفاية المنافع الناتجة عن البراغماتية في مقابل تضارب المصالح العليا للبلدين في غير ملف دولي وإقليمي وثنائي، في الواجهة منها الملف السوري، وعلى الصعيد الثنائي الدعم الروسي للمقاتلين الأكراد في سوريا.

ويلاحظ أن وسائل الإعلام الروسية في تغطيتها للحادث واستقراء نتائجه المتوقعة راحت تنبش الملفات الخلافية بين روسيا وتركيا، خاصة ما يتعلق بالموقف من ثورات الربيع العربي والتطورات التي أعقبتها، وأضيف إلى ذلك لاحقا ملف رئيس آخر حول موقف أنقرة من النزاع الروسي الأوكراني، وضم روسيا شبه جزيرة القرم، لكن الخلافات السياسية بين البلدين أوسع من ذلك بكثير، إلا أن تحييدها كان أسهل.

على سبيل المثال لا الحصر، وقفت تركيا ضد انقلاب السيسي ودعمت الرئيس المعزول محمد مرسي على العكس من الموقف الروسي، وتقف تركيا إلى جانب أذربيجان في نزاعها مع أرمينيا على إقليم ناغورني-كارباخ، بينما تدعم روسيا أرمينيا، كما تعارض أنقرة السياسات الروسية حيال جورجيا، ويضاف إلى ما سبق عدم تأييد روسيا الموقف التركي إزاء ملف الأزمة القبرصية، ومساندة اليونان في نزاعها مع تركيا حول الجرف القاري والمجال الجوي بين البلدين.. إلخ.

حسابات مرتبكة
لا شك في أن التدخل العسكري الروسي في سوريا قلب الحسابات والأولويات التركية رأسا على عقب، غير أن الإجابة عن سؤال كيف ستتصرف تركيا في مواجهة ذلك بقيت معلقة على النتائج التي ستفضي إليها الانتخابات التشريعية التركية المبكرة.

الرد العسكري الروسي على الحادث في شكل غير مباشر يبقى ضمن السيناريوهات الروسية المطروحة على طاولة الكرملين من خلال تكثيف عمليات القصف الجوي في سوريا، واستقدام تعزيزات نوعية من الأسلحة والمعدات العسكرية المتطورة

وبعد إجراء الانتخابات والفوز الكبير الذي حققه فيها حزب العدالة والتنمية حذر العديد من المحللين الروس -بعضهم مقربون من مراكز صنع القرار في موسكو- من أن نجاح حزب العدالة التنمية لن يكون في صالح تطوير التعاون الروسي التركي، وربما كان أحد العوامل التي شجعت روسيا على التدخل العسكري المباشر على تقدير أن حزب العدالة والتنمية لن يستطيع الاستفراد بتشكيل الحكومة، وبالتالي ستدخل تركيا في أزمة داخلية عميقة ستشل سياساتها الخارجية، وعلى رأسها الموقف حيال الحرب الدائرة في سوريا.

بيد أن موسكو لم تأخذ بعين الاعتبار عودة حزب العدالة والتنمية بقوة، وجاء إسقاط الطائرة المدنية الروسية فوق سيناء وتبني تنظيم الدولة الإسلامية عملية تفجير الطائرة والهجمات التي نفذها التنظيم في باريس حافزا لتكثيف الضربات الجوية الروسية وتعزيز الوجود العسكري الروسي في سوريا.

وفي خلفية ذلك يبدو أن موسكو كانت مطمئنة إلى أن الحكومة التركية أمام حسابات معقدة على ضوء الموقف الأميركي والمواقف الأوروبية كما تجلت في لقاء فيينا وفي التعقيب على فاجعة الطائرة المدنية الروسية والاعتداءات في باريس، فضلا عن المصالح التجارية والاقتصادية الكبيرة والمجزية بين روسيا وتركيا.

وهذا ما يفسر لماذا رأت روسيا أن الخطوة التركية لم تكن متوقعة أبدا، لكن الأهم ما هي الخطوات التي يمكن أن تتخذها روسيا للرد على إسقاط طائرة "سو-24"؟ وهل سيخوض البلدان مواجهة سياسية مفتوحة؟

سيناريوهات روسية
أغلقت التصريحات الرسمية الروسية الباب أمام بعض التكهنات التي تحدثت عن احتمال نشوب مواجهة عسكرية بين روسيا وتركيا، ومن نافل القول إن تلك التكهنات غاية في السذاجة، فالحديث عن مثل تلك المواجهات يعني مواجهة بين روسيا وحلف "ناتو"، كون تركيا دولة عضوة في الحلف، الأمر الذي دفع مسؤولين ومحللين روس إلى اعتبار أن إسقاط الطائرة "سو-24" بمثابة فخ كان ينصب لروسيا. 

غير أن الرد العسكري الروسي على الحادث في شكل غير مباشر يبقى ضمن السيناريوهات الروسية المطروحة على طاولة الكرملين من خلال تكثيف عمليات القصف الجوي في سوريا، واستقدام تعزيزات نوعية من الأسلحة والمعدات العسكرية المتطورة، حيث أعلن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو أن موسكو ستنقل منظومات صواريخ إس 400 المضادة للجو إلى قاعدة حميميم العسكرية في سوريا، فضلا عن إجراءات أخرى، وهذا هو السيناريو الأول.

أما السيناريو الثاني -الذي قد يترافق مع السيناريو الأول- فيتمثل في مجموعة خطوات اقتصادية وتجارية ضد تركيا، أشار إلى بعضها رئيس الوزراء الروسي، منها احتمال أن تلغي روسيا عددا كبيرا من المشاريع المشتركة المهمة، وحرمان الشركات التركية من مواقعها في الأسواق الروسية.

بينما يحتاج السيناريو الثالث إلى بعض الوقت كي يتبلور ويصبح ممكن التنفيذ، وهو احتواء روسيا للحادث، والسعي للإبقاء على علاقاتها التجارية والاقتصادية وقنوات اتصالاتها مع تركيا، وعلى الرغم من أن هذا السيناريو يظهر وكأنه الأضعف، غير أنه يعبر عن حاجة مشتركة للبلدين، لكنها تشترط أن يحترم كل طرف المصالح العليا للطرف الآخر.

التصريحات الروسية بعد إسقاط الطائرة أحدثت شرخا كبيرا في العلاقات مع تركيا، وإعادة ترميم العلاقات قد تستغرق وقتا ليس بالقليل، ولكن في كل الأحوال سيعنى الطرفان بضبط خلافاتهما تحت السقف السياسي دون أن يعني هذا ألا يخوضا معارك غير مباشرة

العلاقات الثنائية.. إلى أين؟
يتبين مما سبق أن التصريحات الرسمية الروسية -تعقيبا على إسقاط طارئة "سو-24"- أحدثت شرخا كبيرا في العلاقات مع تركيا، وأن إعادة ترميم العلاقات قد تستغرق وقتا ليس بالقليل، ولكن في كل الأحوال سيعنى الطرفان بضبط خلافاتهما تحت السقف السياسي، دون أن يعني هذا ألا يخوضا معارك غير مباشرة.

حيث من المرجح أن تعمل تركيا -من خلال دعم المعارضة السورية المسلحة- على تحويل التدخل العسكري الروسي في سوريا إلى حرب استنزاف لروسيا، تدعمها في ذلك الولايات المتحدة والمملكة السعودية وقطر، كما ستضغط أنقرة من أجل إقامة منطقة آمنة داخل الشمال السوري.

بينما ستعمل روسيا -بالمقابل- على دعم نظام حكم الرئيس بشار الأسد بتأمين غطاء جوي لقوات الجيش النظامي السوري لتحقيق مكاسب عسكرية على الأرض تفرض معادلة جديدة على المعارضة السورية المسلحة وحلفائها، وتقطع الطريق نهائيا أمام إقامة منطقة آمنة على جزء من الشريط الحدودي مع تركيا من مدينة جرابلس حتى البحر وفقا لتصريح للرئيس التركي.

ومما لا شك فيه أن الطرفين أمامهما حسابات معقدة ستفرض عليهما التروي في الإقدام على أي خطوة، وبصرف النظر عن التهديدات الروسية من المرجح في المرحلة القريبة القادمة أن تبدي أنقرة وموسكو حرصهما على عدم المس جوهريا بالتعاون الاقتصادي والتجاري المشترك، خاصة المشاريع الاقتصادية الكبرى، مثل مشروع الطاقة "السيل التركي" الرامي إلى تقليص اعتماد روسيا على المستهلك الأوروبي للغاز الروسي، فحاجة روسيا إلى المشروع لا تقل عن حاجة تركيا.

لكن الحفاظ على هذه المشاريع لا يكفي له أن يوضع تحت سقف المصالح النفعية المجردة، حيث لم يعد من الممكن تحييد الخلافات السياسية الساخنة مثلما وقع سابقا، لأن ما قبل إسقاط طائرة "سو-24" ليس مثل ما بعده، وهنا ستكون عقدة المنشار في العلاقات التركية الروسية لاحقا، وعموما يبدو الجانب التركي في وضع أكثر راحة نسبيا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك