كريس باتن

كريس باتن

رئيس جامعة أوكسفورد


في يوم الاثنين الماضي، سافرت من باريس إلى لندن. يستغرق السفر بالقطار ساعتين ونصف الساعة، ونحن جيران، وتاريخنا متشابك وشعبانا متضافران. وفي الأسبوع المقبل، سوف تذهب حفيدتي التي تبلغ من العمر عشر سنوات إلى هناك مع والديها كهدية لها في عيد ميلادها. وهي تعشق كل ما تعلمته عن باريس.

ولهذا فإنها، مثل بقية أهل لندن ومواطني المجتمعات الحرة في كل مكان، أصيبت بالذعر إزاء الفظائع التي جرت هناك مؤخرا. وأظن أنها قالت إن مثل تلك الأحداث قد تقع هنا أيضا.

وهو أمر وارد بالفعل، كما حدث هنا عام 2005، وكما حدث مرة أخرى في مدريد أو أمستردام أو برلين أو روما أو في أي مدينة أوروبية أخرى. وعندما أعلن الرئيس فرانسوا هولاند "نحن في حرب مع ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)"، فإنه كان يعني بـ"نحن" أنت وأنا. فمعركة فرنسا هي معركة بريطانيا ومعركة أوروبا. وهي تشملنا جميعا.

لابد أن تتضمن الاستجابة الدولية للإرهاب الحوار والدبلوماسية. فلا ينبغي لنا أن نسمح للرعب والخوف بأن يدفعانا إلى نسيان قيمنا المدنية. فهذا هو ما يريده الإرهابيون على وجه التحديد. ولا يجوز لنا أن نشيطن كل المسلمين وأن نحرق كل الجسور بين العقائد الدينية

إن العولمة لا تعني القدرة على شراء المانجو من السوبر ماركت في منتصف فصل الشتاء، والسفر جوا بسهولة، والإنترنت فحسب. فقد امتدت العولمة إلى الإرهاب والوحشية. وبات من الممكن تعليم وتدريب وتسليح الرجال والنساء على بُعد آلاف الأميال وإرسالهم إلى منطقتنا لقتل وتشويه الناس. ومن المؤكد أن الإرهاب الدولي يستلزم استجابة دولية.

ولكن لابد أن تتضمن هذه الاستجابة الحوار والدبلوماسية. فلا ينبغي لنا أن نسمح للرعب والخوف بأن يدفعانا إلى نسيان قيمنا المدنية. فهذا هو ما يريده الإرهابيون على وجه التحديد. ولا يجوز لنا أن نشيطن كل المسلمين وأن نحرق كل الجسور بين العقائد الدينية.

ولا ينبغي لنا أن نتخلى عن المبادئ الأساسية للحضارة الأوروبية، بما في ذلك الالتزام بإيواء اللاجئين وحمايتهم من الشر. ولابد أن تظل استجابة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الغريزية لتدفق اللاجئين موضع ترحيب وإشادة، وليس موضع إدانة.

إن التهييج الشعبوي لمشاعر الرعاع ضد الرجال والنساء من الديانات والأعراق المختلفة لابد أن يؤدي إلى انقسام مجتمعاتنا في لحظة توجب علينا أن نكون متحدين. ولن يصب تحريك المشاعر على هذا النحو إلا في مصلحة الإرهابيين.

فمن بيروت إلى باريس، كانت الهجمات الإرهابية محاولة متعمدة لتأجيج التوترات بين المجتمعات. والآن نرى كيف تعمل الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة بقيادة ماري لوبان وغيرها عمل وكالة التجنيد لصالح داعش (تنظيم الدولة الإسلامية).

لقد حظيت الدبلوماسية بدفعة قوية في قمة مجموعة العشرين التي اختتمت أعمالها مؤخرا في تركيا. وهذا يعني في المقام الأول إلزام الخصمين الرئيسيين في الشرق الأوسط، المملكة العربية السعودية التي يحكمها السُنّة وإيران التي يحكمها الشيعة، بمواجهة مسؤولياتهما عن الحد من العداوة بين الجماعات والبلدان السُنّية والشيعية في آسيا الوسطى. فقد وقعت الدول الغربية ضحية للصراعات بين السعوديين والإيرانيين.

وينبغي لنا أن نعمل على إنهاء الانقسامات بين أولئك في سوريا الذين يعارضون داعش. وربما يشمل هذا إعطاء الرئيس بشار الأسد دورا قصير الأمد في الفترة الانتقالية (جزئيا، لحفظ ماء وجه روسيا). بيد أن الرئيس الذي يلقي البراميل المتفجرة على مواطنيه من غير الممكن أن يشكل جزءا من تسوية سلمية أطول أمدا.

تشكل الأهداف السياسية والأولويات الدبلوماسية الصحيحة أهمية بالغة. ولكن يتعين علينا أيضا أن نواجه حقيقة مفادها أننا لن نتمكن من إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش من دون جهد عسكري أفضل تنسيقا، وأكبر حجما، وأكثر فعالية. كما يتعين علينا أن نسوق داعش إلى خارج الخلافة التي نصبتها ذاتيا في سوريا والعراق. وإلا فإن الأراضي التي تسيطر عليها سوف تظل تشكل ملاذا آمنا وساحة لتدريب القتلة.

ينبغي أن نعمل على إنهاء الانقسامات بين أولئك في سوريا الذين يعارضون داعش. وربما يشمل هذا إعطاء الأسد دورا قصير الأمد في الفترة الانتقالية (جزئيا، لحفظ ماء وجه روسيا). بيد أن الرئيس الذي يلقي البراميل المتفجرة على مواطنيه لا يمكن أن يشكل جزءا من تسوية سلمية أطول أمدا

وربما يستفز التدخل العسكري الأكثر قوة المزيد من الفظائع والأفعال الوحشية. ولكن الأمر المؤكد هو أن الهجمات على الحاضرة سوف تستمر إلى أن نقطع رأس داعش. وكما يتفاخر الإرهابيون عادة، فنحن لابد أن ننجح في وقف هجماتهم في كل مرة، أما هم فما عليهم إلا أن ينجحوا بين الحين والآخر.

يستشهد معارضو التدخل العسكري بالفشل في العراق وأفغانستان لتبرير التقاعس عن العمل. وينبغي لنا أن نتعلم من تلك الأخطاء. ولكن الاسترضاء ليس أحد الدروس. فنحن لن نتمكن من تأمين مجتمعاتنا الحرة بقصف داعش بالخطب والأحاديث، بل بالمتفجرات الشديدة الانفجار.

وما يُحسَب لرئيس الوزراء البريطاني ديفد كاميرون أنه يفهم بوضوح أهمية زيادة الضغوط العسكرية على داعش، وقد عرقله وقيد حركته فصيل ممن يدفنون رؤوسهم في الرمال في حزبه المحافظ وفي البرلمان ككل. بيد أن أوروبا -بل الحضارة كلها في واقع الأمر- لن تكون آمنة بالتفكير القائم على التمني.

ولعل أغلب الجنود على الأرض لابد أن يكونوا من العرب والإيرانيين والأكراد، بما في ذلك أعضاء لواء البشمركة الدولي. بيد أنهم في احتياج إلى دعم أقوى، ليس من الجو أو بالأسلحة والتدريب فحسب، بل وأيضا من قوات غربية خاصة.

وهناك حجة قوية أيضا لضرورة إدراك حلف شمال الأطلسي أن إحدى الدول الأعضاء بالحلف، وهي فرنسا، قد هوجمت، وبالتالي فإن تفعيل المادة الخامسة من معاهدة الحلف، التي تضمن الدفاع المشترك، يصبح واجبا.

بيد أن هذه ليست حربا واجبة على أوروبا أو الولايات المتحدة فحسب، بل هي حرب من أجل فرض النظام العالمي في عالَم مستقر ومزدهر. وينبغي لروسيا والصين أن توضحا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أن تدمير داعش معركتهما أيضا.

لا ينبغي لنا أبدا أن نترك دماء أولئك الشباب من الرجال والنساء الذين صُرِعوا في باريس تذهب سُدى. بل ينبغي لوفاتهم أن تمثل تحديا لنا لكي نضمن أن باريس، مدينة النور، سوف تساعد في تبديد الظلام الذي يهدد بسحق واكتساح العقود المقبلة من قرننا هذا.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

شارك برأيك