خورشيد دلي

خورشيد دلي

صحفي سوري


معركة إثبات الذات
معادلة الحرب والسلام
حسابات الفوز والخسارة

تعد الانتخابات البرلمانية المبكرة التي ستجري في تركيا في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل هي الأهم في تاريخ البلاد منذ تسلم حزب العدالة والتنمية السلطة عام 2002، فبقدر ما أن نتائجها مصيرية وحاسمة بالنسبة لحزب العدالة والتنمية ومستقبل حكمه، فهي مصيرية في الوقت نفسه لحزب الشعوب الديمقراطي، الذي دخل حلبة السياسة العامة من بوابة الانتخابات البرلمانية التي جرت في السابع من يونيو/حزيران الماضي بعد حصوله على نحو 13% من الأصوات.

وعليه، فإن معركته في هذه الانتخابات هي معركة إثبات الذات عبر تخطي العتبة الانتخابية، أي نسبة 10% التي تؤهله لدخول البرلمان، فعلى نتائج هذه الانتخابات تتوقف معالم المشهد السياسي لتركيا في المرحلة المقبلة وتوجهاتها السياسية، في وقت بلغت فيه القضية الكردية مرحلة حساسة بعد أن عاد صوت الرصاص إلى المشهد اليومي بعد سنوات من الأمل في سلام يضع نهاية سعيدة لهذه القضية الموغلة في ثنايا الدولة التركية تاريخيا وجغرافيا واجتماعيا.

معركة إثبات الذات
عندما تأسس حزب الشعوب الديمقراطي عام 2012 رأى كثيرون أنه الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني، خاصة أن توقيت تأسيسه جاء مع الكشف عن المفاوضات السرية بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني التي شكلت انعطافة كبيرة في مسار العلاقة بين الجانبين، رغم أن العملية السلمية التي انطلقت لاحقا تعثرت حتى الآن في تحقيق أهدافها.

هناك من يرى أن الحرب ستؤثر على شعبية حزب الشعوب، خاصة أن الحزب برز كحزب مرتبط بحزب العمال الكردستاني المصنف تركيًّا في قائمة الإرهاب، علما بأن لدى الأتراك حساسية قومية كبيرة تجاه هذا الحزب بوصفه المسؤول عن العنف الذي جرى خلال العقود الماضية

لعل ميزة حزب الشعوب أنه طرح نفسه حزبا مناصرا للشعوب المظلومة والطبقات المهمشة، وبفضل خطابه هذا نجح في مخاطبة الأقليات والطوائف (العلويين) والأوساط اليسارية، فرشح نفسه للمرة الأولى كحزب للانتخابات بعدما كان أنصاره في السابق في عهد حزب السلام والديمقراطية يرشحون أنفسهم مستقلين، ومن ثم يقومون من داخل البرلمان بتشكيل حزب سياسي.

ومع نجاحه الكبير في الانتخابات السابقة، ركز الحزب برنامجه السياسي على طرح شعارات تعزيز الديمقراطية وإحلال السلام عبر عملية سلمية لتحقيق الحل السياسي للقضية الكردية، ولكن في الممارسة العملية للسياسة ركز الحزب على وضع نهاية لسلطة حزب العدالة والتنمية إلى درجة أن زعيم الحزب صلاح الدين ديمرطاش دخل في مواجهة علنية مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان متوعدا بإنهاء حكمه، وهو ما جعل العلاقة بين الجانبين صدامية، خاصة بعد اندلاع المواجهات من جديد بين الجيش التركي وحزب العمال الكردستاني.

وعليه، فثمة من يرى أن هذا المتغير الأمني سيؤثر على شعبية حزب الشعوب في الانتخابات البرلمانية المبكرة، خاصة أن الحزب برز كحزب مرتبط بحزب العمال الكردستاني المصنف تركيا في قائمة الإرهاب، حيث إن لدى الأتراك حساسية قومية كبيرة تجاه هذا الحزب بوصفه المسؤول عن العنف الذي جرى خلال العقود الماضية، وأودى بحياة عشرات آلاف الأتراك والكرد.

لكن حزب الشعوب يرى أن مشروعية برنامجه السياسي تنبثق من عدالة القضية الكردية، وتعرض الكرد خلال العقود الماضية إلى سياسة التهميش والإقصاء، وأن نهجه السلمي وانفتاحه على المجتمع والهوية التركيين كفيلان بجعله جزءا من التغيير السياسي الذي تشهده البلاد على شكل إعادة التأسيس للكيانية السياسية للدولة التركية، وأن مثل هذا التوجه يحظى بتفهم العديد من الأوساط التركية في الداخل وكذلك في الخارج، لا سيما أوروبا والولايات المتحدة.

وهذا ما جعله يرفع صوته عاليا رغم حجم الاستهداف الكبير له، وصعوبة معركته في مواجهة التيارات التركية القومية المتطرفة، التي ترفض أي اعتراف بالهوية الكردية في البلاد، وهو في أهدافه السياسية يرى أن معركته في النهاية تتجاوز قضية الفوز في الانتخابات إلى معركة سياسية بامتياز، لها علاقة بتركيا المستقبل، وهوية المكون الكردي، وطبيعة النظام السياسي في البلاد.

ولعل أهم تحد يواجهه الحزب في معركته هذه يكمن في كيفية التوفيق بين هويته الكردية المجتمعية والقومية وخطابه الموجه للهوية الوطنية التركية التي قامت في الأساس على إنكار الهوية القومية الكردية.

معادلة الحرب والسلام
ثمة من يرى أن توقيت الانتخابات المبكرة ليس في صالح حزب الشعوب، بسبب تجدد الحرب بين حزب العمال الكردستاني والدولة التركية، ومن ثم دعا الحزب أكثر من مرة إلى تأجيل هذه الانتخابات بحجة أن الوضع الأمني المتفجر في مناطق جنوب البلاد وشرقها لا يساعد على إجراء هذه الانتخابات. لكن في الحقيقة ثمة خشية كردية من أن إصرار الحكومة التركية على أن حزب الشعوب على علاقة تنظيمية مع حزب العمال الكردستاني، بل إنه الجناح السياسي له، سيكون له تأثير كبير على الرصيد السياسي والانتخابي للحزب، سواء في الأوساط التركية أو في الأوساط الكردية الإسلامية التي صوتت في الانتخابات السابقة له.

التحليلات التي تقول إن مواقف حزب الشعوب الداعمة للكردستاني قد تلحق به خسارة أو تحرمه من تخطي العتبة الانتخابية قد لا تكون دقيقة، فهو في هذه الحالة يعمل على الصوت الكردي الذي بات يستنهض قوميا ليس على أساس انتخابي فقط وإنما على أساس سياسي وقومي

هناك تحليلات تركية ترى أن من أهم نتائج هذه الحرب ذهاب أصوات الأوساط اليسارية إلى حزب الشعب الجمهوري الذي تعطيه استطلاعات الرأي نسبة أكبر مما حصل عليها في الانتخابات السابقة.

كما تتوقع هذه التحليلات أن أصوات الأوساط الكردية الإسلامية التي ذهبت في السابق لحزب الشعوب ستعود من جديد لحزب العدالة والتنمية، خاصة بعد أن رشح الأخير شخصيات كردية معروفة وقوية من أمثال بشير أتالاي للانتخابات في المناطق الكردية.

لكن في مقابل احتمال خسارة حزب الشعوب هذه الأصوات، التي يطلق عليها "أصوات الأمانة"، فإنه قد يستفيد من الوضع الأمني المتفجر في مستويين؛ الأول: أن التفجيرات الدموية التي جرت في أنقرة وسروج ومن قبل في ديار بكر أظهرت الحزب مستهدفا ومظلوما، وقد تجلب المزيد من التعاطف الشعبي معه، خاصة من قبل جيل الشباب الطامح إلى التغيير، والباحث عن تحسين ظروفه السياسية والحياتية، والذي يعيش بعيدا عن العقد القومية والأطر الأيديولوجية الضيقة.

والثاني: أن العصبية القومية التركية التي برزت بقوة مع تجدد الحرب مع الكردستاني لا بد أن تقابلها عصبية قومية كردية ستتجسد في صناديق الاقتراع على شكل تصويت على الهوية والانتماء القومي، خاصة أن ديمرطاش وبقية قادة حزب الشعوب عرفوا كيف يستغلون هذا الأمر من خلال الإصرار على زيارة المناطق التي فرضت السلطات التركية حظر التجوال عليها، إلى درجة أن بعض هذه القيادات دخلت في صدام مع قوات الأمن التي حاولت منعهم من الوصول إلى هذه المناطق، لا سيما بلدة جيزرة التي شهدت مواجهات دامية.

وعليه، فإن التحليلات التي تقول إن مواقف حزب الشعوب الداعمة لحزب العمال الكردستاني قد تلحق به خسارة أو تحرمه من تخطي العتبة الانتخابية قد لا تكون دقيقة، فهو في هذه الحالة يعمل على الصوت الكردي الذي بات يستنهض قوميا ليس على أساس انتخابي فقط وإنما على أساس سياسي وقومي.

ويتأكد ذلك خاصة في ظل ما تشهده المناطق الكردية السورية من تطورات بعد إلحاق تل أبيض بالإدارة الذاتية، ومن قبل ما جرى في عين العرب (كوباني)، حيث باتت هذه الأحداث جزءا من الوعي السياسي لكرد تركيا، كما أن خطوة حزب العمال الكردستاني لوقف الحرب من طرف واحد تصب في اتجاه دعم حزب الشعوب في الانتخابات.

حسابات الفوز والخسارة
بعيدا عن أرقام استطلاعات الرأي التي تقول إن حزب الشعوب الديمقراطي سيتجاوز العتبة الانتخابية، وإن بنسبة أقل من الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات السابقة، فإن لغة الأرقام في هذه الانتخابات ستكون لها تأثيرات كبيرة على المشهد، نظرا للقانون الانتخابي ومراوحة المشهد الانتخابي مكانه حسب الاستطلاعات.

يرى العدالة والتنمية أن حشر حزب الشعوب في الزاوية بتهمة ارتباطه بحزب العمال الكردستاني وعدم إدانته، سيفقده الكثير من الأصوات لصالحه، بينما يرى حزب الشعوب أن ذلك سيزيد من التصويت له على أساس الهوية، ويحوله إلى بطل قومي

وعليه، فإن رقم واحد هنا قد يكون له تأثير كبير في قلب المشهد لصالح هذا الحزب أو ذاك. بالنسبة لحزب الشعوب، إضافة إلى تجاوز العتبة الانتخابية، فإن معركته تدور حول منع حزب العدالة والتنمية من تحقيق الأغلبية التي تخوله تشكيل الحكومة بمفردة، لأن مثل هذا الأمر يعني أن حزب العدالة سيقود المرحلة المقبلة بأجندته على صعيد العملية السياسية ووضع دستور جديد للبلاد، وربما الانتقال إلى النظام الرئاسي الذي يطمح إليه الرئيس رجب طيب أردوغان، وهو ما يرفضه حزب الشعوب وكذلك باقي أحزاب المعارضة التركية.

فيما يبقى هدف حزب العدالة والتنمية، الذي تعطيه استطلاعات الرأي بين 39 و44% من الأصوات، هو الفوز بالأغلبية. وبين الرقمين السابقين فارق كبير، فإذا كان الرقم الأول يعني العودة إلى مشهد نتائج الانتخابات السابقة، أي معادلة تشكيل حكومة ائتلافية غير منسجمة حزبيا وسياسيا، والدخول في مرحلة عدم استقرار، فإن الرقم الثاني يتيح لحزب العدالة والتنمية تشكيل حكومة وحده على أساس "النصف زائد واحد"، أي 276 مقعدا.

وحساسية الأرقام هنا لها علاقة بمناطق نفوذ حزب الشعوب، أي المناطق الكردية التي يتنافس عليها حزبا الشعوب والعدالة والتنمية، وعلى الجمهور نفسه تقريبا، بل على الصوت الواحد. وعليه، فإن حسابات الحزبين لا تقوم على تحقيق الفوز فحسب، بل وإلحاق الخسارة بالآخر في هذه المناطق أيضا، وهذا ما يفسر ارتفاع سقف المواجهة بين الجانبين وازدياد حدة الاستقطاب السياسي.

والذي ينبغي قوله هنا هو أن كل حزب يرى أن رفع سقف المواجهة لصالحه، فحزب العدالة والتنمية يعتقد بأن حشر حزب الشعوب في الزاوية بتهمة ارتباطه بحزب العمال الكردستاني وعدم إدانته، سيفقده الكثير من الأصوات لصالحه، بينما يرى حزب الشعوب أن ذلك سيزيد من التصويت على أساس الانتماء له ويحوله إلى بطل قومي، خاصة أنه حقق فوزا كبيرا في هذه الانتخابات.

في الواقع، المشهد التركي عشية الانتخابات البرلمانية المبكرة يوحي -حسب أرقام الاستطلاعات والمعطيات والوقائع- بأنه لن يختلف كثيرا عن المشهد السابق لجهة النتائج، بينما يبقى العامل الوحيد الذي قد يغير المعادلة هو حصول حزب العدالة والتنمية على الأغلبية في وقت يبقى فيه فوز حزب الشعوب بنسبة قريبة من النسبة السابقة العامل الأهم لحرمان العدالة من هذا الفوز.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك