مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول


مجموع المعلومات والتطورات الميدانية المتدفقة من أحداث المشرق العربي -وخاصة سوريا- بعد العدوان الروسي، كبير جدا، مما يجعل معالجتها في قراءة دقيقة مهمة ليست سهلة. لكن المعادلة التي نعرض لها اليوم في ظلال هذه الصورة، هي أن المشرق العربي يشهد حاليا مرحلة التنفيذ لمخطط كبير بالفعل.

وهذا المخطط لن تقف تأثيراته على سوريا، بل ستتجاوزها، ولعلها لحظة فارقة أن الدب الروسي اليوم هو من ينفذ للغرب البنية التأسيسية، وهي بنية هدم لصالح مخطط الشرق الأوسط الكبير، بعدما فشلت نسخة 1993، ونسخة 2003.

ومن المهم كمقدمة تأسيسية تساعد القارئ على فهم هذه الانعطافات الكبيرة، أن نُعرج على بعض الأساسيات في فهم خريطة هذا المخطط الذي يباشره الروس اليوم:

1- مشاريع الصراع السياسي والعسكري التي تدخل في حسابات ميدانية شرسة، تبقى مشروعات محتملة النجاح وقابلة للفشل وللتعديل.

المخطط الحالي لن تقف تأثيراته على سوريا، بل ستتجاوزها، ولعلها لحظة فارقة أن الدب الروسي اليوم هو من ينفذ للغرب البنية التأسيسية، وهي بنية هدم لصالح مخطط الشرق الأوسط الكبير، بعدما فشلت نسخة 1993 ونسخة 2003
2- قراءة الحدث الميداني والتقاطعات السياسية المباشرة التي تؤثر على أرض المعركة مباشرة، هي عوامل الفهم الأدق لتوجهات هذا الطرف السياسي أو العسكري بين حلف موسكو وبين الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي.

3- اللغة الإعلامية والدبلوماسية لا يعتمد عليها بين كل الفرقاء والأطراف، ولا تُعتمد لغة الزيارات الدبلوماسية بالضرورة، ولا التصريحات التي تُطلق خلالها، لكون العرف الدبلوماسي يقتضي أن تُسجل نقطة التقاء مع الضيف أو المضيف بمصطلح مشترك، وتبقى تفسيرات المصطلح خاضعة لكل طرف. وهنا مصطلح الحرب على داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) والإرهاب بات فضفاضا، لا معنى له.

4- حتى في ظل الصراعات، قد تبحث الأطراف الكبرى أو الإقليمية في اللعبة الدولية عن مصلحة مشتركة مع الطرف الذي تُخالفه، بمنظور قُطري، ويتم ذلك بالفعل، لكنه لا يُعالج أبدا قضية النزاع الأصلية، ولا يُخفف من جموح بعض الأطراف. وهنا قرار موسكو في حلفها الجديد مع إيران وأطرافها، ثابت لمرحلة ليست قصيرة، ما لم تتغير موازين الإقليم.

5- مستوى الاختراق الروسي لواقع المشرق العربي، وزحفه على مياه الخليج، يخلق بالفعل إنذارا لأميركا الأمس، بحيث تتقدم موسكو في مناطق تاريخية للغرب الأميركي، لصالح الغرب الروسي، ويبدو خطاب السيناتور مكين أنموذجا لقراءة هذا الإنذار.

6- لكن هذا الإنذار لن يُغير من قواعد اللعبة الحالية وخاصة في عهد الرئيس أوباما، ولكنه قد يدفع الجمهوري القادم إلى سياسة تحاول أن تردع تحفّز الروس، أو تورطهم بعد تحقيق الاختراق المُهم الذي تنتظره واشنطن، فتتدارك الولايات المتحدة بعض ما فاتها من نفوذ، ولكن ليس اليوم.

7- كل هذه التجاذبات ليست في صالح الشرق الإسلامي، بل الحسابات المزدوجة، أو الموقف الغربي الرديف، يأخذ من دماء شعوبه لتحقيق تسوية ضد الشعب السوري لصالح النظام وأرض الشرق الجديدة، يعضدها طرف إقليمي قوي هو إيران، وحشدت معها فصائل عديدة ومواقف دول عربية، بل شراكة طرف خليجي.

هذه الأساسيات ستُساعدنا اليوم على تفكيك الصورة الأصغر التي تستهدف أرض المعركة في سوريا والعراق، وأين تتجه مواقف الأطراف فيها:

1- مستوى العدوان الروسي غير مسبوق أبدا، لا بدرجة تدخله ولا وحشيته في المشرق العربي، حتى في عهد السوفيات والمعسكر اليساري العالمي.

2- شراكة تل أبيب مع حلف موسكو شراكة جدية، وهي مزاوجة علنية بين الروس وإيران الطائفية وإسرائيل، لا يمكن أن تتم وتُعقد دون تفهم غربي وضوء أخضر من واشنطن.

3- العنوان الرئيسي للعملية هو مواجهة أي مشروع قد يؤدي إلى تعميق اضطراب نظام الأسد واختراق ميدانه بصورة مفاجئة، بعد تحقيق المنطقة الآمنة للسوريين وتجهيزات تسليحية نوعية للثوار كان يمكن أن تعبر إليهم، في هذا التوقيت.

4- العملية تأتي لمنع تركيا من استثمار مظلة حرب داعش لتحقيق هذا الاختراق، وبالتالي إنهاء الحرب لصالح الثورة. وكان موقف واشنطن يُكرر أنها غير موافقة على المنطقة الآمنة، لكنها لا تستطيع -بحكم مصالح قاعدة أنجرليك وغيرها- مواجهة الأتراك، فتركت المهمة لحلف موسكو.

5- يدعم الروس عبر تنسيقهم الميداني مع طهران وتنسيقهم الجوي مع تل أبيب، النظام السوري ومجمل المشروع الإيراني، لكن باقتطاع حصة وافية لمصالحهم، ويستهدفون مناطق الثوار الأصلية الواقعة تحت سيطرة الجيش الحر وحلفائه، ويُكثفون الخسائر البشرية في ذات المناطق المنهكة من براميل النظام وداعش لإخضاع الثوار لانسحابات كبرى، كمقدمة لهزيمة إستراتيجية تُحسم للنظام، أو تعزل جغرافيا وسياسيا مناطقه عن الثوار.

6- قضية المواجهة مع داعش موجودة ولها حساباتها، لكن أنموذج عين العرب (كوباني) يرى كِلا الحلفين إمكانية تحقيقه، وعليه فإن الانتهاء من المشروع الأصلي في سوريا -وهو هزيمة الثورة- هو الأصل، وبعد ذلك تُحاصر داعش لدفعها للانسحاب إلى العراق، ثم معالجة وضعها هناك بعد أن يؤمّن نصر الأسد في سوريا.

استهداف تركيا يتم ضمن المخطط الجديد، سواء بدحرجة كرة النار عليها أكثر مما مضى، بأذرع داعش ومجموعات كردية لحزب العمال أو الحزب الديمقراطي الكردي السوري، أو بزيادة الاستثمار في صراعها السياسي الداخلي
7- انسحاب داعش أو ما تفعله القاعدة سابقا، عقيدة لوجستية لديهم، لأنهم يؤمنون بسياسة الأرض المحروقة للقتال، ومسمى الدولة سيبقى لكن دون جغرافيا محددة، مع تعزز فرص الاختراق لبعض مجموعاتهم عند كل جولة تقتضيها الصفقة الدولية الإقليمية، بحلف موسكو وغيره.

8- هذا لا يعني عدم وجود أجندة صراع مع داعش، بل هي موجودة ولكن تعالج وفق حسابات الحلفاء، مع بقاء عنصر إنهاك الثوار الذي حققته داعش، ميزانا مصلحيا للحلفاء لا يقدر بثمن.

9- تركيز واشنطن على دعم الحزب الديمقراطي الكردي، وعبره حزب العمال الكردستاني، والتسليح الذي كشفت عنه أنقرة، يؤكد هذا الرابط بين حلف موسكو ومجمل الموقف الغربي.

10- معركة الحزب الكردي السوري الرئيسية مع تركيا ومع الثورة السورية، وهو معروف بعلاقاته القوية مع النظام السوري وإيران وبالتالي حلف موسكو.

من هذه الخلاصات يتبين لنا أن مهمة حلف موسكو توافقية مع الغرب الأميركي خاصة ما تعلق بأمن إسرائيل، وإن اختلفت تفاصيل الحسابات، وأن مجمل حرب الحلفاء بالأصالة والوكالة، صناعة خرائط جديدة لجغرافية سوريا، أو نفوذ سياسي كامل لحلفاء موسكو.

وعليه فإن استهداف تركيا يتم ضمن هذا المشروع المركزي، سواء بدحرجة كرة النار عليها أكثر مما مضى، بأذرع داعش ومجموعات كردية لحزب العمال أو الحزب الديمقراطي الكردي السوري، أو بزيادة استثمار صراعها السياسي الداخلي.

في المقابل سيكون صمودها مقدمة لقدرتها على اتخاذ قرار جريء في تغيير معادلة حلف موسكو، إلى صناعة حلف الشرق الإسلامي الممانع بالفعل، ضد حروب التفتيت. لكن يبدو أن أنقرة هي وحدها من يستطيع أخذ قرار المبادرة، مع دعم سياسي خليجي لم يُضمن، وهي المبادرة التي ستفرض معادلة مختلفة يضطر لها الحلفاء، قبل أن تكون تركيا هي ميدان المعادلة القادمة، في حين يتفرغ بعدها الحلفاء لصناعة الخليج الجديد.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك