توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية


نسمع تساؤلات مستغرِبة لتغير مواقف أميركا وأوروبا من الأزمة السورية, وتحديدا من التحول نحو "الحل السياسي" الذي لا يشترط رحيل بشار الأسد، ولحجم ونوعية الدخول الروسي في سوريا والذي يشي بأن روسيا جاءت لتبقى.

وهي مواقف كان يمكن توقعها لو توقفنا عند خطاب أوباما في يوليو/تموز الماضي حيث قال "كي ننجح في المدى الطويل في القتال ضد داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) يجب أن نطور قوات أمنية محلية يمكن أن تحافظ على التقدم, فلا يمكن أن نرسل قوات أميركية لتقوم بشكل مؤقت بدحر منظمات مثل داعش, وعندما نغادر يتم ملء الفراغ من جديد من قبل المتطرفين".

والكلام السابق ينم عن تشخيص إستراتيجي دقيق. ففي ظل إعلان التحالف فشله في توفير قوات محلية بعدد وعدة تفوق ما لدى الجيش السوري وما لدى داعش, لم يكن بالإمكان أن توجد جهة غير روسيا تقبل هذا الدور, بل وتريده ولن تسمح لغيرها -إن وجد- بأخذه.

في فترات التغيرات الكبرى يلزم وجود قيادة قوية تجسد ذلك التغيير وتوجه دفته. والخيبة المتأتية من عدم تأهل غورباتشوف ويلتسن لقيادة التغير التاريخي الحتمي الذي أصاب الاتحاد السوفياتي, هو ما جعل روسيا بوتين رأس حربة حاد جاهز لتسخين أية مواجهة لحالة حرب إن لزم

فالقضاء على داعش من أهم ضرورات أمن روسيا الداخلي في ظل وصول سابق لـ"التطرف" الإسلامي المسلح لدول قفقاسية تفعل روسيا المستحيل لإبقائها أو إدخالها في فدراليتها. ودخولها للقتال الجاري في سوريا, مقابل درء هذا الخطر واكتسابها قاعدة برية وجوية في سوريا والقاعدة البحرية الوحيدة الممكنة في مياه المتوسط الدافئة العميقة, يأتي حتما دون ذلك المستحيل. والمفارقة أنه ولكون بقية الفرقاء -بمن فيهم أميركا وأوروبا- كانوا رافضين لأية حلول يكون الأسد طرفا فيها, ستقود روسيا حتما المباحثات السياسية أيضا.

في ظل ما جرى, تبدو روسيا وكأنها الحليف الأمثل لأي نظام, أو على الأقل الحليف الأفضل لأميركا، مع أن الحقيقة تكمن في غير هذا وذاك. الحقيقة هي في التغير الذي حدث في السياسة الدولية بمجيء بوتين لرئاسة روسيا, ومجيء أوباما كأول رئيس أميركي من خارج حلقة رأس المال الأنغلوسكونية, تغييران كان يجب أن نلتقطهما لنحسن فرصنا في خدمة قضايانا وتطلعاتنا.

فبوتين جاء نتيجة تغير دولي رئيس يتمثل في نهاية القطب الواحد وعودة لما يشارف تعددية الأقطاب ضمن تقسيمي الدول الغربية, ومجموعة البريكس.

وفي فترات التغيرات الكبرى يلزم وجود قيادة قوية تجسد ذلك التغيير وتوجه دفته. والخيبة المتأتية من عدم تأهل غورباتشوف ويلتسن لقيادة التغير التاريخي الحتمي الذي أصاب الاتحاد السوفياتي, هو ما جعل روسيا بوتين رأس حربة حاد جاهز لتسخين أية مواجهة لحالة حرب إن لزم.

فبوتين قومي روسي, وروسيا رحبت بالتغيير لكنها خسرت في سياقه إمبراطوريتها, وخسرت (بسبب غورباتشوف ويلتسن) كرامتها القومية أيضا, وهو ما اطلع عليه بوتين بدقة من موقعه في الكي جي بي. وكون بوتين ليس شيوعيا بل مؤيد ومستثمر ذكي لحال الانفتاح الرأسمالي, يخرجه وبلاده من تصنيف "العدو الشيوعي" للغرب الرأسمالي الليبرالي (والأخيرة نوردها بتحفظ على تجارب "النيوليبرالية"), ولهذا يصعب تبرير إعلان العداء له، مع العلم أن أوروبا الموحدة ليست معنية بدخول حرب لا تشن عليها, وحتما لن تدخل غمار حروب أهلية لإسقاط نظام ولو للإتيان بصاحبها.

ومع أن رئاسة بوتين تكرست -بالنظر لمجريات الانتخابات الروسية- رئاسة مدى الحياة, إلا أن هذا يتم حقيقة بدعم شعبي واسع له. ومع أن أوباما سيغادر البيت الأبيض بعد عام, فإن ما نتج عن سياساته الخارجية خاصة, سيلزم أميركا لحد بعيد بالمسارات التي خطها. وليس أدل على ذلك من عجز الجمهوريين -الذين يتمتعون بأغلبية في الكونغرس, ومعهم بعض الديمقراطيين- عن رفض الاتفاقية التي عقدها مع إيران.

فبعد قبول الأوروبيين بالاتفاقية كان رفض الكونغرس لها سيعزل أميركا, ويكرس أول جرف لاستقلال أوروبا الموحدة عنها. ومزايا الاتفاق الذي تكفل أوباما بتحمل مسؤوليته مكنت أوروبا من التصدي لمشاكل اتحادها الداخلية دون منغصات من شعوبها المتنوعة. هذه المزايا المجانية جعلت أوروبا تسلم قيادها في أمور مفصلية أخرى في المنطقة لأميركا, كما تبدى من التغير الجذري لموقفها من الشأن السوري.

أول أثر إستراتيجي لدخول روسيا لسوريا يتمثل في عزل تركيا التي أصبحت الآن منطقة تحت الجسر الروسي الذي مُد بجراءة, وستدخل مرحلة حل أزماتها هي, بدءا بأزمة هويتها القومية أو العلمانية أو الدينية والتي تتجلى الآن في نتائج انتخاباتها.

مع أن أوباما سيغادر البيت الأبيض بعد عام, فإن ما نتج عن سياساته الخارجية خاصة, سيلزم أميركا لحد بعيد بالمسارات التي خطها. وليس أدل على ذلك من عجز الجمهوريين -الذين يتمتعون بأغلبية في الكونغرس ومعهم بعض الديمقراطيين-عن رفض الاتفاقية التي عقدها مع إيران

والجسر الروسي باق, ومدعم لحد بعيد بالجسر الإيراني الذي أتاحته الاتفاقية التي أنهت عزلة إيران. ووجود مستنقع داعش الواسع بتفرعات أقنيته تحت الأرض وفوقها في المحيط العربي الأقرب بما يفوق رغبة ذلك المحيط بالاعتراف به هو ما سيجعل منطقة العراق وسوريا ولبنان منطقة تسويات عديدة صعبة لكونها ذات خصوصية دينية طائفية عرقية باتت شائكة لأن العديد منها بات متطرفا ورافضا لأية تسويات. وهو ما يؤشر على حصافة أوباما في النأي بأميركا عن خوض معركة كهذه ستسمر حتما لعقود, وإحالتها لخصوم سابقين حولهم لحلفاء.

والأهم دوليا, أن أوروبا باتت منخرطة في هذا كله بانتقال مئات الألوف من لاجئي المنطقة المحملين بأسوأ تجارب هذه الصراعات المؤججة بصورة مدمرة لكل ما قامت عليه حضارة التعايش السلمي. وهذا بعض ما جعل أميركا تنأى بنفسها عن الخوض عميقا بجيوشها في المشكل الذي بات اسمه "سوري" بعد أن تورطت بالشق "العراقي" من "سوراقيا" (حسب تسمية القوميين العرب) التي يخشى أن تبتلعها "داعش".

التغير المتعلق بالمنطقة مفاجئ وكبير وعلى مستوى القوى العظمى، وهو ما يستدعي بداهة تغيير الدول العربية سياساتها بما يتناسب مع مصالحها ومع مبادئها. فالسياسة هي "فن الممكن", والسياسة لا ثابت فيها سوى التغير, وإلا لما وجدنا ألمانيا تقود الاتحاد الأوروبي بالمشاركة مع فرنسا التي كانت قد احتلتها. ولا وجدنا أميركا ومعها دول الناتو تتفقان مع روسيا بعد أن كانتا على وشك مواجهة عسكرية معها في أوكرانيا, مع كون قصة أوكرانيا ذاتها لم تنته بعد.

وحقيقة التغير الدولي لم يتكشف سوى جزء منها, وهو جزء حري بأن يؤشر لنا على كيفية عمل أوباما الذي لا ندري تفاصيل ما في جعبته بعد, ولكن يمكن استقراؤه من قراءة خطاباته المؤسسة لسياساته, بدءا بخطاب تنصيبه, وهو ما سيسقط الكثير من مبررات تفاجئنا بما فعل.

ففي خطاب تنصيبه قال إنه سيسحب قواته من العراق ومن أفغانستان. وتحدث عن مد يده للعالم الإسلامي على أسس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. وفي شأن الربيع العربي كان أوباما سباقا لإدراك حاجات الشعوب التي تعاني من القمع والفساد. وفي خطابه الأخير لحلفاء أميركا في المنطقة أكد أن مشكلتهم الأساسية مع شعوبهم وليست مع أميركا.

وتسرب أن أوباما حذر نتنياهو من إقامة أي نشاط استيطاني في الضفة مهددا بعدم استعماله الفيتو لمنع إصدار مجلس الأمن قرارا يعتبر المستوطنات غير شرعية، وهو ما يؤكد استفادة العرب من مجمل نهجه, وحتى من اتفاقه مع إيران, حيث استثمر بذكاء ردود فعل إسرائيل المتغطرسة المتوقعة ليحول الأخيرة من دولة تتحكم بالقرار الأميركي لدولة "مرعية" تطلب الإذن والرضى.

وتبين أنه اتصل بمبارك بعد تصاعد المواجهة في ميدان التحرير ضاغطا عليه ليتنحى. ولكنه أوضح منذ خطاب تنصيبه أنه لن يوظف الجيش الأميركي لإحداث التغيير بل سيقدم "النموذج الأميركي". والتدخل العسكري للناتو في ليبيا لم يكن قرار أوباما بل قرار وزيرة خارجيته هيلاري كلنتون بدلالة محاسبة الكونغرس لها وليس له.

فأوباما اضطر للخضوع للوزن الذي كانت تمثله كلنتون داخل الحزب الديمقراطي والذي أملى عليه تعيينها وزيرة خارجية. ولكننا نعتقد أنه أيضا تركها تسير في قرارها الخاطئ الذي ساعده على التحرر من ذلك الوزن المعيق. ولا يجوز الاحتجاج بالقول إن ليبيا هي من دفعت الثمن, فأوباما لم ينتخب لرئاسة ليبيا أو أي قطر عربي, بل يتعرض لانتقادات قادة معارضة عربية لا يجرؤون على توجيهها لأنظمتهم الحليفة لأميركا.

أوباما منتخب من أغلبية شعبية أميركية لها أهداف ومصالح متعددة جلها محلي, ويتوجب عليه الاحتفاظ بتلك الأغلبية ليعاد انتخابه ليس فقط رئيسا لدورة ثانية أطلقت يده بشكل أفضل, ولكنه كشاب لن يتقاعد وحتما يحتاج لأصوات تعيده لمنصب سيناتور.

أوباما ليس الحاكم العربي المطلق, ولا يحاول أن يكون كذلك كما فعل سلفه بوش, بل يجلس يوميا أمام رقعة شطرنج حيث الدول والشعوب العربية والعالمثالثية ليست حتما بوزن الشاه الأميركي, ولكنها لم تعد من جنود الخصم التي يستحسن القضاء على أكبر عدد منها كما كانت في عهد سابقيه, بل هي أقرب لجنوده (تفهم وتبنى قضايا شعوبها ما أمكن) الذين لا يفرط بهم في اللعبة "ما أمكن" أيضا، وإن لم تستطع أي من تلك "الدول" أن ترتقي لمرتبة حصان أو قلعة على لوحة الشطرنج تلك, فهذا يعود للعرب أنفسهم, أنظمة وشعوبا.

التغير المتعلق بالمنطقة مفاجئ وكبير وعلى مستوى القوى العظمى، وهو ما يستدعي بداهة تغيير الدول العربية سياساتها بما يتناسب مع مصالحها ومبادئها. فالسياسة هي "فن الممكن", والسياسة لا ثابت فيها سوى التغير, وإلا لما وجدنا ألمانيا تقود الاتحاد الأوروبي بالمشاركة مع فرنسا التي كانت قد احتلتها

ولفهم سياسة أميركا علينا أن نقر بهذه الحقائق ونستشرف الآتي منها لاستثمارها لخدمة قضايانا الرئيسة والملحة, وفي مقدمتها الخطر الصهيوني الذي عنوانه وأرض معركته الرئيسة "فلسطين".

ومثلها -وبما لا يقل عنها أهمية- قضية الربيع العربي, والتي هي تغير تاريخي حتمي تسير فيه الشعوب العربية كما سارت فيه شعوب أوروبا لتصل لحال الأخيرة الحالي الذي يجعلها ملاذ الفارين من أوضاع بلادهم, سواء نتيجة تردي حال الحريات والأمان في أقطارهم أو تردي الأحوال المعيشية, وغالبا هو لكليهما.

التغيير طال أيضا الأوزان النوعية للدول العربية في محيطها بحيث لم يعد حجم الدول هو المعيار بالضرورة, بل وزنها الشعبي العربي المتأتي من وقوفها مع تلكما القضيتين العربيتين المصيريتين واللتين تغير موقف الغرب منهما بشكل غير مسبوق, وقدرتها على فهم التغيرات التاريخية لتطوير أدوات قوتها الناعمة -ومنه "نموذجها" لمن يملكه- والالتفات لتطوير ذلك النموذج كأولوية لمن لا يملكه. فهذه هي وسيلة تسجيل نقاط تقدم على لوحة الشطرنج الإقليمية والعربية والقُطرية.

وأيا كانت الجهة التي نجلس عليها -كسياسيين- أمام أي من تلك اللوحات, والتي قد نجلس في إحداها مع بعض من نواجههم في أخرى, فاللعبة الأوسع تُسجل بالنقاط. وحتى إسقاط شاه الآخر لا يحسم بالضرورة نصر اللاعبين على الجهة المقابلة بل تحسم فقط جولة في إحداها. وهذا قد لا يعجب ساسة الشعارات وشعراء بلاط الحكام ومعارضيهم الحالمين "بيوتوبيا", ولكنه مما يعتقنه بالضرورة الساسة المحترفون.

ففي السياسة لا ثابت سوى التغير، ولكننا ما زلنا -بدل أن نستثمر الفرص التي يتيحها التغيير الحاصل لحال دولي لم يكن يوما لصالحنا- نرجم ونخون ونكفر كل من يعترف بوجود التغيير أو حتى سُنته, لحين يدهمنا التغيير الذي بعده.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك