بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح, أكاديمي وباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

ما كاد المصريون يصلون -بعد طول ترقب وانتظار- إلى الاستحقاق الثالث من خارطة المستقبل ممثلا في الانتخابات التشريعية، حتى فجع المعنيون داخل البلاد وخارجها من تدنى نسب المشاركة في عملية التصويت خلال المرحلة الأولى من ذلك الاستحقاق.

وهو ما من شأنه أن يلقي بظلال من التشاؤم والإحباط ليس فقط على مرحلته الثانية -الأخيرة- التي من المنتظر أن تجرى خلال الأيام القليلة المقبلة ولكن أيضا فيما يخص مستوى قوة وشرعية البرلمان المرتقب بل والنظام السياسي الحالي برمته.

ومن بين أسباب متنوعة ومتعددة يمكن أن تفسر ذلك الخطب الجلل ستسلط السطور التالية الضوء على حزمة محددة منها كالتالي:

لم يكن مردود خوض غمار المشاركة في المواسم الانتخابية السابقة يرقى إلى مستوى تطلعات الجماهير. إذ لم تتحسن الأحوال المعيشية، ولم تترسخ دعائم الديمقراطية بعدما تم حل المجالس النيابية المنتخبة وجمد العمل بالدساتير التي تم الاستفتاء عليها

- الإرهاق الانتخابي، حيث يعد الاستحقاق البرلماني الحالي هو الثامن في مصر منذ ثورة يناير/كانون الثاني 2011 بعدما خرج المصريون زرافات ووحدانا إلى المشاركة بكثافة في سبعة من الاستحقاقات الانتخابية ما بين انتخابات برلمانية أو رئاسية أو استفتاءات على دساتير جديدة أو تعديلات دستورية، وذلك في مدى زمني قصير ولم يكن يفصل بين الواحد منها والآخر سوى عدة أشهر فقط.

والمثير أنه بعد هذه المشاركات الكثيفة والمجهدة في آن ما بين زمهرير الشتاء القارس وقيظ الصيف الحارق، والتهديدات الأمنية المرعبة لم يكن مردود خوض غمار تلك المشاركات مجتمعة يرقى بأي حال إلى مستوى تطلعات الجماهير التواقة للخلاص من ربقة القمع والفقر والمعاناة وشظف العيش المتواصلة لعقود.

إذ لم تتحسن الأحوال المعيشية فيما لم تترسخ دعائم ديمقراطية مصر بعدما تم حل المجالس النيابية المنتخبة وجمد العمل بالدساتير التي تم الاستفتاء عليها.

- الارتباك الدستوري والقانوني، فمنذ أن أعلن عن موعد إجراء الاستحقاق البرلماني لاستكمال الخطوة الثالثة من خارطة المستقبل التي دشنت في الثالث من يوليو/تموز 2013، حتى فوجئ الناخبون بجدل دستوري ولغط قانوني حامي الوطيس حول القوانين المنظمة للعملية الانتخابية إلى الحد الذي أفضى إلى تأجيل هذا الاستحقاق من مارس/آذار 2015 إلى أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني من ذات العام.

وكان من شأن ذلك الارتباك القانوني والدستوري أن أوجد حالة من التخبط لدى الناخب الذى بدأ يتملكه شعور بإمكانية إرجاء الانتخابات إلى أجل غير مسمى أو حتى إلغائها، هذا علاوة على المخاوف من حل البرلمان بعد انتخابه إثر طعون دستورية وأحكام قضائية، على غرار ما جرى مع برلمانات سابقة كان آخرها برلمان 2012، الذى شهد واحدة من أعلى نسب المشاركة السياسية في تاريخ الانتخابات المصرية.

الأمر الذى ألقى بظلال من التعقيد على عملية التصويت حتى تحولت إلى معاناة دفعت بالمواطنين إلى العزوف بعدما عجزوا عن تفسير الطلاسم الخاصة بأسماء المرشحين وانتماءاتهم السياسية وطريقة الاختيار من بينهم حيث أظهرت استطلاعات للرأي -أجراها مركز "بصيرة" قبيل الانتخابات بقليل- أن نسبة الناخبين في محافظات المرحلة الأولى الذين يعرفون اسم مرشح فردي على الأقل في دوائرهم لم تتخط 60%، في حين لم يتمكن 40% من التعرف حتى على أسماء أي من المرشحين أصلا.

- التخبط التنظيمي، فقد تأخر فتح عدد كبير من اللجان على مستوى محافظات المرحلة الأولى، ولا سيما في الصعيد بينما شكا قضاة ومراقبون من تدني مستوى جاهزية بعض مقار اللجان، من كافة النواحي لإجراء الانتخابات من الأساس.

كما خيمت مسحة من الارتباك والاضطراب على تعاطي الدولة مع تحديات ومفاجآت اليوم الأول للتصويت بالمرحلة الأولى. فبمجرد اتضاح معالم صدمة تواضع الإقبال على التصويت، لجأت بعض أجهزة الدولة لتهديد المتقاعسين عن المشاركة بفرض غرامة مالية قدرها خمسمئة جنيه جراء عدم التصويت.

كما ثار جدل حول إعلان اليوم الثاني للانتخابات عطلة رسمية لمساعدة الجماهير على المشاركة في التصويت بشكل أفضل، إذ تم إخطار وسائل الإعلام أن الأمر سيكون كذلك، ثم تم التراجع ونفي الخبر، حتى تم الإعلان مجددا عن إعطاء نصف يوم فقط كإجازة.

- تفزيع الناس من البرلمان المقبل، بينما اعتبر البرلمان المرتقب بمثابة الاستحقاق الثالث من خارطة المستقبل التي يستكمل المصريون من خلالها بناء مؤسسات النظام السياسي المدني الديمقراطي الذى طالما تاقوا إليه، لم يتورع نفر من متملقي السلطة الحالية عن تخويف المواطنين من ذلك البرلمان الذى رموه بتكبيل الرئيس وتعويق مسيرة البناء والتنمية.

غابت التيارات المعارضة عن هذه الانتخابات، سواء من بين المؤيدين للرئيس المعزول محمد مرسي، أو من المدنيين والشباب وبعض أنصار ثورة يناير 2011. كما تسابق جل المرشحين -بمن فيهم مرشحو حزب النور السلفي- على إعلان موالاتهم التامة للسلطة من داخل البرلمان وليس مراقبتها أو معارضتها

فبدلا من إقناع الناس بالمشاركة في انتخاب برلمان يعد القوانين المكملة للدستور الجديد ويمهد للعبور بالبلاد والعباد من النفق المظلم، إذا بكثير من الإعلاميين والمحللين السياسيين يفزعون الناس من هذا البرلمان ومن احتمالات تسلل عناصر غير مرغوب فيها إلى أروقته، في وقت يمنحه الدستور الجديد صلاحيات واسعة وغير مسبوقة في مواجهة الحكومة ورئيس الجمهورية.

جاء هذا في الوقت الذى هرع فريق آخر للتشكيك في فعالية البرلمان المرتقب بسبب نوعية المرشحين أو خلفياتهم وانتماءاتهم حتى ظهر تيار يدعو إلى تعديل الدستور بالشكل الذي يسلب هذا البرلمان تلك الصلاحيات.

- عودة حزب الكنبة، كان من شأن أجواء التخبط الدستوري والتنظيمي والاستقطاب السياسي بالتزامن مع غياب الانتعاش الاقتصادي أن تبدد تصالح المصريين مع السياسة بعد ثورة يناير 2011، كما انتهى شهر العسل بين المصريين والسياسة مبكرا، حيث استبد بالكثيرين مجددا الشعور القديم بأن لا سبيل أمام السياسة لإنعاش الاقتصاد، ولا فرصة أمام المشاركة السياسية والتصويت في الانتخابات لتحسين أحوال الناس ومن ثم تآكل يقين الناس ولا سيما الشباب، بإمكانية أن تسهم الانتخابات والبرلمان في الارتقاء بأحوالهم المعيشية السياسية.

وهو الأمر الذى مهد السبيل لعودة حزب الكنبة، أي الكتلة التصويتية المعطلة التي ترفض الانخراط في العمل السياسي ولو من بوابة التصويت في الانتخابات بسبب عدم قناعتها بجدوى المشاركة، وهى الكتلة التي كانت قد بدأت في التخلي عن موقفها السلبي عقب ثورة يناير 2011.

وفى هذا السياق توقع استطلاع رأي أجراه المركز المصري لبحوث الرأي العام "بصيرة"، أن يكون إقبال الشباب -الذين يشكلون نسبة أكثر من 60% من الشعب المصري- على صناديق الاقتراع ضعيفا، خصوصا غير المنتمين للأحزاب السياسية حيث توقع ألا تتخطى نسبة مشاركتهم ما بين 25% و30%، من المسجلين في الكشوف الانتخابية، وهي أقل نسبة تصويت للشباب في تاريخ الاستحقاق الانتخابي الخاص بالبرلمان في مصر.

- غياب المنافسة، فقد كان ملفتا سيطرة اللون السياسي الواحد على العملية الانتخابية هذه المرة، حيث غابت التيارات المعارضة للسلطة الحالية سواء من بين الإسلاميين المؤيدين للرئيس المعزول محمد مرسي، أو من المدنيين والشباب وبعض أنصار ثورة يناير 2011، كما تسابق جل المرشحين -بمن فيهم مرشحو حزب النور السلفي- على إعلان موالاتهم التامة للسلطة من داخل البرلمان وليس مراقبتها أو معارضتها.

وربما لمست الدولة ظاهرة غياب المنافسة في الانتخابات حسبما يفهم من تصريح الفريق محمود حجازي رئيس أركان حرب القوات المسلحة الذى أكد -خلال تفقده اللجان الانتخابية بالإسكندرية خلال اليوم الأول للانتخابات- أن عدم نزول الناخب إلى لجان الاقتراع يدل على أن هناك شيئا ما ناقص.

- تقلص أعداد المرشحين، فالقاعدة العامة في الانتخابات التي تفتقد الحيوية السياسية هي أن معدلات التصويت تدور زيادة ونقصانا مع معدلات الترشح. وقد بلغ عدد المرشحين في هذه الانتخابات قرابة ستة آلاف مرشح، أي أقل من 60% ممن ترشحوا في الانتخابات البرلمانية السابقة عام 2011، والذين تجاوز عددهم في حينها عشرة آلاف مرشح، هذا مع الأخذ في الحسبان إضافة ستين مقعدا إلى إجمالي مقاعد البرلمان المقبل مقارنة بسابقه. وترتيبا على ذلك انخفض معدل التنافس على المقعد الواحد في الانتخابات الحالية إلى 3.10 مرشحين في المتوسط، مقابل 5.20 مرشحين في انتخابات 2011.

- الدور السلبي للإعلام، لم يكن أداء غالبية وسائل الإعلام على المستوى المطلوب، ويبدو أن توترا أصاب بعض رموز الإعلام جراء افتضاح تواضع دورهم وتأثيرهم في توجيه الجماهير على خلاف ما كانوا يدعون منذ يونيو/حزيران 2013، فقبيل الانتخابات لجأ إلى افتعال معارك كلامية وسياسية وهمية بدلا من طرح المشكلات الجوهرية ومعالجتها، وعلى غير هدى خاض في قضيتي إغلاق ما يسمى الأحزاب الدينية خاصة حزب النور، وحرمانها من خوض الانتخابات وتعديل الدستور لتقليص صلاحيات البرلمان في مواجهة الرئيس.

يمكن القول إن نسب المشاركة المتدنية في أول استحقاق انتخابي تشهده مصر بعد تولي الرئيس السيسي إدارة البلاد إنما تطوي بين ثناياها رسائل بالغة الدلالة حول تنامي مستوى عدم رضى غالبية المصريين عن الأوضاع الراهنة، وهو ما يستدعي تحركا منه

ومع انطلاق عملية التصويت، اتسم أداء بعض وسائل الإعلام بالارتباك الشديد في وصف المشهد الانتخابي والتعاطي مع حالة العزوف عن التصويت منذ الساعات الأولى لبدء التصويت، حيث أشاد بداية بتجاوب الناخبين مع دعوة الرئيس السيسي إياهم للتصويت ثم أشار لاحقا إلى نسب مشاركة مخيبة للآمال، ثم ما لبث أن تراجع عنها وأعلن نسبا تبلغ 20%.

وعلى نحو مستفز، اتبع إعلاميون منهجا سلبيا في حض الجماهير على التصويت من خلال سوقهم للمشاركة وتعبئتهم وحشدهم على غرار ما كان سائدا قبل ثورة يناير 2011، وحسبما تفعل تنظيمات الإسلام السياسي بأتباعها حيث بدا خطاب الإعلام استعلائيا ينم عن تجاهل خيارات المواطنين والاستهانة بتفضيلاتهم بعدما هرع إعلاميون يتقاضون ملايين الجنيهات سنويا لكيل الانتقادات اللاذعة للناخبين من استديوهات مكيفة ومقاعد وثيرة متجاهلين اكتواء غالبية الشعب بنيران جنون أسعار الخدمات والسلع الأساسية وصعوبة المعيشة.

وبينما يمكن لوضع المشاركة المزري في المرحلة الأولى من الاستحقاق البرلماني أن يخلف آثارا وتداعيات سلبية على عملية التصويت خلال مرحلته الثانية، ولا سيما أن تلك الأولى كانت هي الأخطر أو الأهم، حيث كانت صاحبة الانطباعات الأولى للداخل والخارج، كما شملت أكثر المحافظات المصرية وعيا وتسييسا.

ويجوز القول إن نسب المشاركة المتدنية في أول استحقاق انتخابي تشهده مصر بعد تولى الرئيس السيسي إدارة البلاد إنما تطوي بين ثناياها رسائل بالغة الدلالة حول تنامي مستوى عدم رضى غالبية المصريين عن الأوضاع الراهنة، وهو الأمر الذي يتطلب من الرئيس تحركا عاجلا لإجراء "وقفة تعبوية" لمراجعة المسيرة وتصحيح المسار ومعالجة الأخطاء، مستثمرا شعبيته الجارفة وقناعة المخلصين من أبناء الوطن بأن البلاد وإن لم تعد تملك رفاهية المغامرة بعملية تفكيك وإعادة تركيب ثالثة، إلا أنها ما زال أمامها فرصة لتقويم التجربة بغية مواصلتها وإنجاحها، إذا ما توفرت الإرادة الوطنية الجادة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك