فهمي هويدي

فهمي هويدي

كاتب وصحفي مصري


ثمة رسالة مهمة وعاجلة نستخلصها مما تم من انتخابات تشريعية في مصر، خلاصتها أننا بتنا في حاجة إلى خارطة طريق جديدة.

(١)

طبقا للتصريحات الرسمية في مصر فإن انتخابات مجلس النواب تعد الاستحقاق الأخير لخارطة الطريق التي أعلنها "الفريق" عبد الفتاح السيسي في الثالث من يوليو/تموز عام ٢٠١٣. إذ تضمنت عشر نقاط رسمت الإجراءات الواجب اتباعها في ترتيب أوضاع السلطة في مصر بعد عزل الدكتور محمد مرسى من الرئاسة وتكليف رئيس المحكمة الدستورية العليا بإدارة البلاد لحين الانتهاء من تعديل الدستور وإجراء انتخابات رئاسية جديدة.

الشق الوحيد الذى لم ينفذ من الخطة والمسكوت عليه سياسيا وإعلاميا هو ذلك الذي يتعلق بتشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية. ذلك أن اللجنة لم تشكل والمصالحة لم تتم. بالتالي فإن الانقسام ظل قائما ومعه الاحتقان، ليس ذلك فحسب ولكن دائرة الانقسام اتسعت كثيرا.

الشق الوحيد الذى لم ينفذ من خارطة الطريق والمسكوت عليه سياسيا وإعلاميا هو ذلك الذي يتعلق بتشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية. ذلك أن اللجنة لم تشكل والمصالحة لم تتم. بالتالي فإن الانقسام ظل قائما ومعه الاحتقان، ليس ذلك فحسب ولكن دائرة الانقسام اتسعت كثيرا

ذلك أن الاشتباك في عام ٢٠١٣ كان بين السلطة الجديدة والإخوان وحلفائهم. لكنه تطور بعد ذلك وتجاوز تلك الحدود. إذ إن الممارسات اللاحقة كشفت عن اشتباكات أخرى أبرزها ما كان مع ثورة ٢٥ يناير التي عرضت للتجريح والهجوم الذى أزعم أنه أعمق في دلالته وأخطر من الاشتباك مع الإخوان رغم ما اتسم به الأخير من قسوة وحدة.

إلى جانب ذلك حدثت اشتباكات أخرى مع منظمات المجتمع المدني الحقوقية بوجه أخص، ومع مجموعة ٦ أبريل، والاشتراكيين الثوريين، إضافة إلى الفئات التي عارضت قانون التظاهر ورفضت المحاكمات العسكرية. كما شمل بعض عناصر النخبة التي كانت جزءا من تحالف ٣٠ يونيو الذي انقلب على الإخوان.

رغم أن الأضواء سلطت طول الوقت على الصراع مع الإخوان، إلا أن اتساع الدائرة جراء الممارسات التي تمت والقوانين التي صدرت نقلت الاشتباك إلى مستوى آخر، بحيث أصبح في جانب كبير منه مع تطلعات ثورة ٢٥ يناير ومع الكيانات والنشطاء الذين أعلنوا انحيازهم إلى الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

حين أصبح المجتمع طرفا في الاشتباك. فإن مسألة المصالحة الوطنية أصبحت أكثر تعقيدا وصعوبة. ذلك أنها بطبيعتها تتطلب إرادة سياسية مستعدة لإجراء مراجعات جوهرية للسياسات والقوانين التي أوصلت الأمور إلى ما وصلت إليه. ولأن طبيعة التركيبة الراهنة للسلطة ليست مهيأة لذلك، لم يكن هناك مفر من تأجيل ملف المصالحة حتى إشعار آخر. وكان ذلك في حقيقته تأجيلات للسياسة لصالح استمرار المسار الأمني.

(٢)

لم يكن سارا ولا مطمئنا أن يقدم خبر الانتخابات التشريعية تحت عنوان "مصر تنتخب برلمانا بلا معارضة". وهو العنوان الذى أبرزته صحيفة "الحياة" اللندنية على صفحتها الأولى يوم السبت الماضي ١٧/١٠. في الخبر تفاصيل تؤيد العنوان، تحدثت عن القوائم الثلاث أو الأربع التي شاركت في السياق، منطلقة من موقف الموالاة والتنافس على تأييد الرئيس، في المقدمة منها القائمة الأكثر ارتباطا بالمؤسسة الأمنية، التي تولى ترتيبها ضابط سابق في المخابرات العامة، وضمت خليطا من العسكريين والأمنيين السابقين، إضافة إلى محسوبين على نظام مبارك، على حد تعبير مراسل الجريدة بالقاهرة.

رغم أن ذلك التقدير يعد استباقا طالما أن النتائج النهائية لم تعلن، إلا أنه يظل ترجيحا أيده أغلب المحللين والخبراء. إذ لم يعد سرا أن المعارضة بكافة أشكالها أصبحت موضعا للاتهام والتجريح وسببا قويا للإقصاء، حتى جرى ضمها إلى حروب الجيل الرابع.

ولا ينسى في هذا الصدد أن مؤسس حزب المصريين الأحرار، المهندس نجيب ساويرس قال في اجتماع لحزبه في ٣٠ سبتمبر/أيلول الماضي إن مصر لا تتحمل معارضة سياسية في ظروفها الراهنة، لأنها تعرقل عمل الرئيس وتعرض البلاد لهزات لا تحتملها.

صحيح أن مرشحي القوائم ١٢٠ شخصا يمثلون ٢٠% فقط من أعضاء مجلس النواب، وأن نواب المقاعد الفردية (٤٤٨) يشكلون أغلبية الأعضاء، إلا أننا لن نجانب الصواب إذا قلنا إن "ماكينة" المجلس -إذا جاز التعبير- سيتولاها خلال السنوات الخمس المقبلة نواب القوائم الذين لهم أجندتهم التي لم تكن الأجهزة الأمنية بعيدة عنها.

إذا صح ذلك التحليل فهو يعيد إلى أذهاننا برلمان ٢٠١٠ الذى جرى تصميمه على نحو أعطى الحزب الوطني أغلبية كاسحة، بحيث خلا من المعارضة غالبا لكي يمهد الطريق لتوريث السلطة في عهد مبارك. صحيح أن الأساليب اختلفت "فطبخة" ٢٠١٠ تمت بالتزوير الفاضح، أما الطبخة الراهنة فقد خلت من التزوير، وتكفل حُسن الترتيب والتدبير باللازم.

إن ما تأجل ليس فقط وعد المصالحة والتوافق الوطني، لكن الذى تأجل في الحقيقة كان حلم الدولة المدنية والديمقراطية، لا نبالغ إذا قلنا بأن خارطة الطريق التي أعلنت في ٢٠١٣ كانت لترتيب الانتقال من حكم الإخوان إلى الوضع المستجد الذي توافقت عليه القوات المسلحة مع بعض الرموز الوطنية

في ظل ما جرى من ترتيب وتدبير بدا منطقيا أن تغيب المنافسة السياسية بين المرشحين، في حين تبقى المنافسات العائلية والقبلية والجهوية. وإزاء انفراط عقد تحالف ٣٠ يونيو واختفاء رموزه السياسية على الأقل، فقد ساد اقتناع بأنه برلمان اللون الواحد القادم من خارج السياسة، وأن دوره سيظل محصورا في الموافقة والتأييد. من ثم سيكون معبرا عن السلطة وليس معبرا عن المجتمع.

وربما كان ذلك أحد الأسباب التي أدت إلى ضعف الإقبال على التصويت، رغم الجهد الإعلامي الكبير الذى بذل لحث الناس ودفعهم إلى المشاركة، وتوظيف المشاعر الدينية لأجل ذلك. وهو ما دعا عضو مجمع البحوث الإسلامية ومدير جامعة الأزهر الأسبق إلى القول بأن المؤتمرات التي تعقدها قائمة المؤسسة الأمنية تحفها الملائكة بل إن عضوا آخر في مجمع البحوث أفتى بأن دعاة مقاطعة التصويت مفسدون في الأرض. وإن المشاركة واجب شرعي كوجوب الصلاة، التي هي من أركان الإسلام ومن تركها عامدا يخرج من الملة ويعد كافرا.

(٣)

ما حدث (في اليوم الأول للانتخابات من تراجع) للجنيه في مواجهة الدولار، ولصناديق الاقتراع في مواجهة الناخبين، يستحق "المانشيت" الذى خرجت به بعض الصحف في ٢٦ يناير/كانون الثاني ٢٠١١ (إنذار)، والمشكلة أن حسنى مبارك وقتذاك لم يقرأ المانشيت جيدا.

كان ذلك تعليق الدكتور حازم حسنى -أستاذ العلوم السياسية المرموق- الذى أورده في تغريدة بثها مساء الأحد ١٨/١٠. والرجل معروف عنه رفضه للإخوان ومعارضته لهم، ولذلك يتعذر تصنيفه في معسكر "الضد". لكنه ضمن نخبة الصف الوطني الذين شاركوا في ثورة ٢٥ يناير وأيدوا غضبة ٣٠ يونيو. وما ذكره الرجل بمثابة قطرة في بحر التعليقات التي كانت مواقع التواصل الاجتماعي ساحتها الوحيدة، لأن وسائل الإعلام المعتمدة دفنت رؤوسها في الرمال وواصلت دورها التعبوي بأشكال مختلفة.

وجدنا ذلك في عناوين جريدة الجمهورية التي صدرت أمس والتي ذكرت أن مصر تبهر العالم من جديد، الشعب يتحدى الإرهاب.. وجدنا ذلك أيضا في أصوات بعض مقدمي البرامج التلفزيونية الذين لجأ أحدهم إلى تخويف الناس قائلا إن استمرار المقاطعة سوف يسفر عن انتخاب مجلس لنواب قندهار (في إشارة إلى أن ذلك سيخلي الساحة للسلفيين) ومنهم من لجأ إلى تحذيرهم وتقريعهم قائلا إنكم إذا لم تسارعوا إلى التصويت فليس لكم أن تطالبوا الحكومة بشيء على الإطلاق. أما أغرب تلك التعليقات فكان قول أحد الإعلاميين إن الناس لم يقبلوا على التصويت خوفا على الرئيس السيسي من انتخاب برلمان يقيد حركته ويحد من سلطاته.

في مقابل ذلك قال أحد الظرفاء إنه توقع من رئيس لجنة الانتخابات أن يعلن عبر التلفزيون عن شكره للمصوِّتين ويذكر أسماءهم واحدا واحدا. وقال آخر إنه تطوع بدعوة المصوِّتين إلى العشاء في مطعم للفول المدمس ووعد بأن يحجز لهم طاولة خاصة في مكان منعزل.

وقال ثالث إنه تابع إحدى القنوات الكوميدية فوجدها ثقيلة الظل، لكنه حين تابع قنوات متابعة الانتخابات فإنه لم يتوقف عن الضحك. ونقل رابع حوارا بين اثنين قال فيه أحدهما إنه قرر أن يذهب في اليوم التالي إلى لجنة التصويت للانتخابات، وحين سئل عن السبب كان رده أنه يشعر بالضيق ويريد أن يجلس وحيدا بعض الوقت... إلخ.

أصحاب هذه التعليقات الأخيرة لا علاقة لهم بالإخوان. فأسماؤهم معروفة ومواقفهم معلنة على صفحات الفيسبوك. ولأنني أعرف أغلبهم فبوسعي أن أقول إنهم وطنيون غيورون على بلدهم ومستقبله، وعند الحد الأدنى فهم أكثر وطنية وأشد إخلاصا من المهللين الذين يدفنون رؤوسهم في الرمال ويشغلهم إرضاء السلطة بأكثر مما يشغلهم مصير الوطن.

(٤)

لا نريد تشاؤما ولا إحباطا أو يأسا. وسوف ننجو من كل ذلك إذا فتحنا أعيننا على الحقيقة وصارحنا أنفسنا بمفرداتها. إذ حين يمنح المجتمع المدني في تونس جائزة نوبل لنجاحه في إحداث التوافق الوطني الذى أجلناه، وحين يتزامن إجراء الانتخابات المصرية مع حملتين داخليتين إحداهما لوقف الاختفاء القسري والثانية للتنديد بالإهمال الطبي في السجون، فينبغي أن يدعونا ذلك إلى المقارنة والمراجعة. ولا سبيل إلى تحقيق ذلك إلا بالمكاشفة والمصارحة قبل فوات الأوان.

مع كل الاحترام للنخبة التي أدارت الفترة من يوليو ٢٠١٣ وحتى أواخر أكتوبر ٢٠١٥، أي طوال ٢٨ شهرا، فينبغي أن نعتبر أن ضعف التصويت في الانتخابات بمثابة شهادة على تراجع رصيدها من الثقة، ودعوة إلى تفكير جديد وخارطة جديدة. تضعها عقول ورموز جديدة

إن ما تأجل ليس فقط وعد المصالحة والتوافق الوطني، لكن الذى تأجل في الحقيقة كان حلم الدولة المدنية والديمقراطية، لا نبالغ إذا قلنا بأن خارطة الطريق التي أعلنت في الثالث من يوليو/تموز ٢٠١٣ كانت لترتيب الانتقال من حكم الإخوان إلى الوضع المستجد الذي توافقت عليه القوات المسلحة مع بعض الرموز الوطنية المصرية.

ومنذ ذلك الحين وحتى إجراء أول انتخابات برلمانية في ظل الدستور الجديد في التاسع عشر من شهر أكتوبر/تشرين الأول الحالي، قطعنا شوطا أصبنا فيه وأخطأنا وتلقينا دروسا وتعلمنا. وجاءت الانتخابات لتعلن لنا أن المجتمع أو قطاعات عريضة منه ليس راضيا عن مجمل الأداء الذى تم في ظل خارطة ٢٠١٣. وهو تحليل إذا صح فهو يدعونا إلى محاولة التوافق على خارطة طريق جديدة بأسلوب مختلف وعناوين مغايرة، ذلك أننا لا ينبغي أن نتوقع نتائج إيجابية مغايرة إذا اتبعنا نفس الأساليب التي استخدمت منذ عام ٢٠١٣ وحتى الآن.

إن صوت المجتمع بحاجة لأن يسمع والنخبة المعبرة عنه وحدها المؤهلة لوضع خارطة الطريق الجديدة. ومع كل الاحترام للنخبة التي أدارت الفترة من يوليو ٢٠١٣ وحتى أواخر أكتوبر ٢٠١٥، أي طوال ٢٨ شهرا، فينبغي أن نعتبر أن ضعف التصويت في الانتخابات بمثابة شهادة على تراجع رصيدها من الثقة، ودعوة إلى تفكير جديد وخارطة جديدة. تضعها عقول ورموز جديدة.

ليس هذا أوان التعبير عن المشاعر المريضة المتمثلة في البغض والشماتة. لكنها لحظة التعلق بالأمل والسعي إلى المراجعة والتصويب وشحذ الهمة لتحقيق الأحلام المؤجلة، وذلك منطلق ينبغي أن نتوافق عليه قبل أن ننتقل للإجابة عبر السؤالين: من؟ وكيف؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك