فارس الخطاب

فارس الخطاب

أكاديمي وإعلامي عراقي


رغم أن العلاقات الخليجية الروسية بدأت مؤخرا تتجه نحو التحسن، فقد ظلت خلال الحقب الماضية تراوح مكانها لعدة أسباب منها المخاوف الخليجية من المد الشيوعي القادم خلال الفترة السوفياتية.

وبعد اندلاع الأزمة السورية عام 2011، بدأت ملامح متغيرات إقليمية كبيرة تظهر في المنطقة كان من أبرزها لاحقا الدور الروسي في قواعد اللعبة في الأحداث الجارية على الأرض السورية من جهة، وعلى ميادين النشاط السياسي في الأروقة الدولية والإقليمية من جهة أخرى.

هذا الدور الروسي كان في حقيقة الأمر إيذانا رسميا ومباشرا بتغير السياسة الروسية وعودة من باب واسع لممارسة النفوذ الحيوي لها في العالم عبر البوابة السورية بعد فترة ليست بالقصيرة تميزت بالتحفظ مارسها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

تفهم روسيا حاجة دول الخليج العربي للخروج من المأزق السوري بشكل مرض، يوقف نزيف الصراع المسلح ويركن إلى الحسم السياسي المتمثل باستقالة بشار الأسد من منصب الرئيس وترك الشعب السوري ليختار قيادته الجديدة

ورغم وضوح حجم التحكم الروسي بمجريات الأمور في سوريا، فإن ذلك لم يدفع معظم دول الخليج لتغيير مواقفها تجاه روسيا، حيث كان التناقض بين الطرفين واضحا في الملف السوري.

تعقدت الملفات في سوريا وبات النظام هناك يمارس أقسى درجات العنف ضد معارضيه، ورغم أن العالم كله شجب واستنكر ممارسات هذا النظام واستخدامه لأسلحة ذات قدرات قاتلة بشكل هائل ومروع فإن المشهد لم يتجاوز صورتين: الأولى، عزم وثبات روسي على دعم النظام الرسمي في دمشق. والثانية، تهاون أميركي غربي في التعامل مع هذا النظام وفق المعايير الدولية القاضية بالحد من وسائل القتل التي يستخدمها لقتل مواطنيه.

وعليه بدا المشهد بوضوح أن الموقف في سوريا كان وما زال ضمن موازين العلاقات الدولية ومناطق النفوذ بين الدول العظمى والتي هي في الحقيقة بالغة الدقة والحساسية، وبدا ذلك واضحا أيضا من خلال استعادة روسيا لدورها الدولي في الأمم المتحدة باستخدام الفيتو أربع مرات لصالح نظام الأسد.

وفي مارس/آذار 2015، أعلن بشار الأسد تأسيس قاعدة عسكرية جديدة لروسيا في سوريا وتوسيع قاعدة طرطوس البحرية بغية تحقيق توازن مع الوجود الأميركي المكثف في الخليج العربي، فيما بدأت روسيا تدخلا عسكريا في سوريا أثار الكثير من اللغط.

وقبل هذا التطور أيقنت دول الخليج العربي بوجود برنامج حيوي وخطير للدول الكبرى في المنطقة، ورغم مشاركتها الفعالة في دعم قوى المعارضة السورية فإن عوامل كثيرة جعلت هذه الدول تتراجع عن إطلاق يدها في دعم الفصائل السورية، من هذه العوامل ضعف الموقف الغربي وخصوصا الأميركي في مواجهة نظام يمارس القتل بشكل علني وجمعي ضد شعبه، وأيضا قوة ووضوح وثبات الموقف الروسي المؤيد لنظام بشار الأسد، ثم ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) كقوة مرعبة اتخذتها روسيا ذريعة إضافية للتدخل في سوريا فعليا بحجة مكافحة الإرهاب، هذا الإرهاب الذي طال المملكة العربية السعودية والبحرين والكويت حتى الآن.

لقد كانت دول الخليج العربي تراهن على موقف غربي يضمن التوازن في المنطقة حتى توصل الغرب إلى الاتفاق النووي مع إيران، وقد أثار توقيع الاتفاق النووي في حقيقة الأمر شعورا بالإحباط لدى الدول الخليجية، خصوصا وأن إيران أحاطت بهذه الدول عبر بواباتها الخارجية: العراق والشام واليمن.

ورغم وجود محاولات سعودية سابقة للتقارب الحذر مع روسيا بدأت فعليا بزيارة العاهل السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز عام 2003 عندما كان وليا للعهد، ثم زيارة الأمير مقرن بن عبد العزيز رئيس الاستخبارات العامة سابقا في عام 2009، فزيارتي الأمير محمد بن سلمان آل سعود ولي ولي العهد في عام 2015، وما زالت زيارات وفود رسمية سعودية وخليجية تشكل علامات فارقة في محاولات دول الخليج العربي حث موسكو على اتخاذ موقف ضاغط تجاه الرئيس السوري لترك الحكم وإنهاء الأزمة في هذا البلد، أو تحييد الموقف الروسي من الصراع هناك.

تفهم روسيا حاجة دول الخليج العربي للخروج من المأزق السوري بشكل مرض، يوقف نزيف الصراع المسلح ويركن إلى الحسم السياسي المتمثل باستقالة بشار الأسد من منصب الرئيس وترك الشعب السوري ليختار قيادته الجديدة، وهي هنا تريد التخلص من المساحة الكبيرة التي منحها نظام الأسد للوجود الإيراني في هذا البلد الإستراتيجي الموقع والتأثير على محيطه الممتد من العراق وحتى البحر الأبيض المتوسط مرورا بلبنان والأردن.

سيبقى الموقف الروسي من القضية السورية وفي ظل المعطيات الدولية والإقليمية هو الحاكم على علاقاتها المستقبلية مع دول المنطقة، وهو المنطلق الرئيسي لتحويل روسيا إلى حليف قادر على تعديل موازين القوى في المنطقة

ولذلك قامت القيادة الروسية باللعب على هذا الوتر جيدا، خصوصا أنها تدرك حجم الإحباط الخليجي من الموقف الأميركي سواء تعلق الأمر بسوريا أو بإيران ومشروعها الممتد بوضوح للهيمنة على مقدرات النفوذ والقوة في شرق الوطن العربي بشكل كامل.

تعتقد دول خليجية أن العامل الاقتصادي يمكن أن يؤثر في القرار الروسي، وقد عقدت كل من الرياض وأبو ظبي اتفاقات اقتصادية وتسليحية مع موسكو بمليارات الدولارات، ومن هنا يقول غريغوري غوز -المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في جامعة تكساس الأميركية- إن "التأثير السعودي يعتمد على مدى الخطورة التي تعتقد موسكو أنها ستلحق بها نتيجة انخفاض النفط، وإذا كان الضرر بليغا جدا بحيث تحتاج إلى اتفاق بشأن النفط على الفور فإن السعوديين سيكونون بوضع جيد لإجبارهم الروس على دفع ثمن جيوسياسي مثل هذا".

لكن الكرملين يرى الصورة من زاوية أخرى لا تلغي هذا الاعتبار وإنما تضيف له، فالطرف الخليجي بحسب موسكو يمر بظروف صعبة، بدأ يشعر فيها بتخلي الحليف الإستراتيجي التقليدي له (الولايات المتحدة) عن سياسات الدعم المطلق له، ومن هنا فإن المزيد من الضغط في سوريا سيعني المزيد من التنازلات والعقود وربما التحالفات الإستراتيجية مع دول الخليج، بما يعني بلوغ المياه الدافئة من بوابة سوريا.

سيبقى الموقف الروسي من القضية السورية وفي ظل المعطيات الدولية والإقليمية هو الحاكم على علاقاتها المستقبلية مع دول المنطقة، وهو المنطلق الرئيسي لتحويل روسيا إلى حليف قادر على تعديل موازين القوى في المنطقة، ويبقى على دول الخليج العربية النظر بعمق للأحداث والأخطار الجسيمة التي تحيط بعموم دول المنطقة، وأن تؤسس لدبلوماسية حقيقية تعتمد النظرة المستقبلية والرؤى المبنية على القراءات الصحيحة للواقع العربي والإقليمي والدولي.

على دول الخليج العربية أن تكون فاعلة دوليا وأن تستثمر اقتصاداتها لتجيير مواقف سياسية وربما عسكرية داعمة لها، وأن تتخلى نهائيا عن إستراتيجية الاتكاء على الدول الأخرى، كما تقع على عاتقها المسؤولية الأكبر في إعادة التضامن العربي إلى هيئته السابقة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك