عمر إبراهيم الترابي

عمر إبراهيم الترابي

​أكاديمي سوداني

بعد أن تمكنت ألمانيا وحلفاؤها من دعاة التقشف والليبرالية الغليظة من تركيع حزب سيريزا الراديكإلى اليساري اليوناني داخل منطقة اليورو, فوجئت أوروبا بانتخاب راديكإلى يساري آخر هو السيد جيريمي كوربين, على رأس حزب العمال البريطاني بأغلبية قاربت الثلثين خلفا لرئيسه إد ميليباند.

وقد أثار انتخاب جيريمي كوربين اهتمام المراقبين لعدة أسباب؛ أولها أنه قطع تقليد انتخاب الوجوه الشابة لرئاسة الأحزاب البريطانية, كسلفه إد ميليباند وقبله توني بلير وديفيد كاميرون على رأس حزب المحافظين لكونه في العقد السابع من عمره, وثانيها أنه أخرج للعلن الصراع القديم بين التيارات المتعارضة في حزب العمال البريطاني الذي كان يدور داخل أروقتة.

أما الثالثة فهي أنها المرة الأولى في التاريخ القريب أن يُنتخب رئيس حزب في بريطانيا من المقاعد الخلفية. (المقاعد الخلفية تعني في التعبير البرلماني الإنجليزي نواب البرلمان من غير الوزراء ووزراء الظل ورؤساء الكتل البرلمانية ورؤساء اللجان البرلمانية الذين يجلسون عادة في المواقع الأمامية بينما يجلس خلفهم الذين لا يتولون ولا يسعون لتولي مسؤوليات تنفيذية أو تشريعية).

ليس التناقض داخل حزب العمال البريطاني خاصا به، بله هو سمة للأحزاب الاشتراكية الأوروبية، وهو ما يفسر الأزمة التي عاشتها الأحزاب اليسارية الأوروبية أخيرا، حيث باتت تفقد مواقعها بسرعة, ليس فقط لصالح الأحزاب اليمينية وإنما أمام الحركات الراديكالية والمتطرفة اليمينية واليسارية

ولفهم وضع حزب العمال البريطاني في الساحة السياسية البريطانية والدور المحتمل لرئيسه الجديد لا بد أولا من تقديم شرح موجز عن تركيبة المؤسسة السياسية البريطانية التي كانت تقوم على حزبين رئيسيين؛ هما حزب المحافظين وحزب الأحرار حتى نهاية القرن التاسع عشر، وكلاهما يقوم على الأيديولوجية الليبرالية والنظام الرأسمالي.

إلا أن حزب الأحرار كان يختلف عن حزب المحافظين في عدم تبنيه الحرفي لنظرية آدم سميث الرأسمالية التي تدعو إلى تقليص دور الدولة وعدم تدخلها في المجال الاقتصادي واقتصارها على حفظ الأمن.

ويؤمن حزب الأحرار بأن تدخل الدولة بدرجة محدودة قد يفيد في دفع عجلة الاقتصاد أو تحريكه حين الركود، ويعود إلى أحد منتسبيه كينيز فضل التحول الكبير في السياسات الاقتصادية الغربية من نظرية آدم سميث إلى تدخل الدول في العملية الاقتصادية برفع الطلب لتنشيط الاقتصاد، وأن على الدولة تحقيق الرفاهية للمواطنين عبر امتلاكها لبعض المرافق العامة، وبذلك يعود إليه فضل تحقيق دولة الرفاهية في بريطانيا.

وهذا ما يفسر تبني حزب الأحرار للنقابات العمالية وحقوق العمال حتى نهاية القرن التاسع عشر، ولكن ليس من المنظور الاشتراكي. والسبب في قبول نقابات وهيئات العمال الشراكة مع حزب الأحرار رغم توجهه الرأسمالي هو عدم السماح للعمال بالتمثيل البرلماني حتى بداية القرن العشرين، وحينما سمح لهم بتكوين حزب سياسي باسم حزب العمال له حق التمثيل في البرلمان انفصمت القوي العاملة من حزب الأحرار وتراجع إلى المركز الثالث وحل محله حزب العمال حديث التكوين الذي يتبنى الأيديولوجية الاشتراكية المعروفة، ولكن في إطار الدولة الديمقراطية الليبرالية.

وقد ظلت الأحزاب البريطانية تعتمد بصورة كبيرة على هذه الأيديولوجيات في حملاتها الانتخابية حتى الحرب العالمية الثانية, غير أن الواقع لا يسمح بتفصيل السياسات وتنزيلها وفقا لهذا التقسيم النظري الفلسفي، ولذلك تتداخل الأيديولوجيات أحيانا وفقا للضرورات العملية, حيث أجبرت ظروف الحرب العالمية الثانية الأحزاب السياسية بمختلف أيديولوجياتها على الاتفاق على مبادئ مشتركة لإدارة الحكم, وهو الوفاق السياسي الذي استمر حتى الصدمة البترولية الأولى في بداية السبعينيات وما تبعتها من أزمة اقتصادية أدت إلى عودة حزب المحافظين للأيديولوجية من جديد وتبني مارغريت تاتشر لسياسات التقشف والتخصيص على حساب دولة الرفاهية.

وقد كان لنجاح تاتشر في النهوض بالاقتصاد البريطاني المنكمش والمتراجع من وجهة نظر يمينية أثره الكبير على حزب العمال الذي رغم تبنيه للشعارات الاشتراكية كان يضم كتلتين في داخله، الاشتراكيين التقليديين الذين يدفعونه ليتبنى الأيديولوجية الاشتراكية ويدافع عن حقوق العمال والمساواة الكاملة بين المواطنين والاستهلاك الجماعي وامتلاك الدولة للمنشآت الاقتصادية الاستراتيجية وكتلة الاشتراكيين الديمقراطيين الذين يعملون على جره للوسط ليصبح نسخة من حزب الأحرار، مما أفقد الحزب المصداقية وجعل تصريحاته ومواقفه تتناقض وأدى إلى فشله الانتخابي المتكرر.

وقد دفع هذا زعيمه الأسبق نيل كينوك إلى السعي للتخلص من اليساريين الراديكاليين لحساب الاشتراكيين الديمقراطيين في الحزب، وهو العمل الذي أكمله توني بلير بنظريته التي أسماها الطريق الثالث، وعادت بحزبه إلى الأغلبية البرلمانية والحكومة، ولكنها أفقدته الارتباط بالأسس التي تكون عليها وجعلته أقرب إلى حزب المحافظين من الشعارات الاشتراكية.

وبنهاية عهد توني بلير سعي غوردون براون إلى العودة بالحزب إلى اليسار، ولكن إرث توني بلير كان أقوى من إمكاناته، فتراجع مثلا أمام خيار تأميم البنوك المتعثرة مما جعل الحزب يضطرب ويفقد أغلبيته من جديد.

هذا التناقض داخل حزب العمال البريطاني ليس خاصا بحزب العمال، بل سمة للأحزاب الاشتراكية الأوروبية عموما، وهو ما يفسر الأزمة التي تعيشها سائر الأحزاب اليسارية في أوروبا في الفترة الأخيرة، والتي أصبحت تفقد مواقعها بسرعة, ليس فقط لصالح الأحزاب اليمينية التقليدية وإنما أمام الحركات الراديكالية والمتطرفة اليمينية واليسارية.

إن انتخاب كوربين يمثل تعضيدا لعودة اليسار الراديكالي إلى الساحة الأوروبية الذي ظهر مؤخرا بعد الأزمة الاقتصادية التي ضربت أوروبا منذ العام 2008, بعد أن ظل في تضاؤل منذ سقوط الاتحاد السوفياتي

وخير مثال على ذلك الحزب الاشتراكي الديمقراطي اليوناني الذي كان يحكم اليونان قبل عامين ثم لم ينل حتى 5% من الأصوات في الانتخابات اليونانية التي منحت حزب سيريزا اليساري الراديكالي الأغلبية في بداية العام 2015.

وفي إطار هذا الصراع بين الراديكاليين اليساريين والاشتراكيين الديمقراطيين داخل الأحزاب اليسارية الأوروبية يمكن فهم مدلول انتخاب السيد جيريمي كوربين على رأس حزب العمال.

فانتخاب كوربين يمثل نصرا للجناح الراديكالي الاشتراكي داخل حزب العمال بعد ثلاثين عاما من سيطرة الاشتراكيين الديمقراطيين والبراغماتيين عليه، وذلك واضح من شعاراته اليسارية الراديكالية وإعجابه برئيس حزب سيريزا الراديكالي اليساري اليوناني سيبراس.

ولتوضيح الفرق بين الفريقين يكفي القارئ غير المختص أن يعلم أن الاشتراكيين الديمقراطيين يشتركون مع الاشتراكيين الراديكاليين في الأيديولوجية الاشتراكية، ولكنهم يختلفون عنهم في قناعتهم بأن الدولة يمكن أن تلعب دورا في التحول الاشتراكي بينما يرى الراديكاليون أنه يمكنهم العمل في إطار الدولة، ولكن يجب إحداث إصلاح جذري في النظام الرأسمالي.

وكلا الطرفين يختلف عن اليسار المتطرف الذي يعادي النظام الديمقراطي الليبرالي ويرفض أي تسوية مع الرأسمالية ويجاهر بعداء الإمبريالية الأميركية والعولمة والاتحاد الأوروبي ويدعم بقوة حركات التحرر كالحركة الفلسطينية وتنتمي إليه الحركات العنفوية التي كانت تعمل في أوروبا في السابق كحركة الألوية الحمراء.

أما عن أثر تزعم جيريمي كوربين لحزب العمال على السياسة البريطانية والأوروبية بصفة عامة, فالواقع أن انتخابه يمثل تعضيدا لعودة اليسار الراديكالي إلى الساحة الأوروبية الذي ظهر مؤخرا بعد الأزمة الاقتصادية التي ضربت أوروبا منذ العام 2008, بعد أن ظل في تضاؤل منذ سقوط الاتحاد السوفياتي. إلا أن دور السيد كوربين في الساحة السياسية الأوروبية يعتمد على نجاحه في لم شمل حزب العمال تحت راية الراديكالية اليسارية ونجاحه في نيل الأغلبية البرلمانية في الانتخابات البريطانية القادمة. فما فرصه في ذلك؟

رغم أن كوربين فاز بقرابة ثلثي الأصوات في انتخابات الرئاسة فإن هذه الأصوات تمثل أصوات المنتسبين بينما تقف ضد توجهاته الأغلبية العظمى من صفوة الحزب، فهو على سبيل المثال لا يحظى إلا بتأييد نحو عشرين نائبا من كتلته البرلمانية، هذا فضلا عن أنه بحلول الانتخابات القادمة سيتجاوز عمره السبعين عاما، وهي سن تتجاوز بكثير متوسط عمر رؤساء وزراء بريطانيا في الثلاثين عاما الماضية.
 
هل تنجح الكتل السياسية التقليدية وأجهزة إعلامها في خنق ظاهرة كوربين وقتلها في مهدها كما فعلت بسيبراس في اليونان أم سينجح الرجل بقلب الطاولة على المؤسسات السياسية الأوروبية التي فقدت القدرة على المبادرة وكتابة صفحة جديدة من تاريخ بريطانيا وأوروبا؟
ومع ذلك هناك عوامل أخرى لصالحه, منها الحماسة الدافقة لمنتسبي الحزب لشعاراته، وإصرار مؤيديه على جعل هذا الانتخاب تحولا حقيقيا في مسار حزب العمال, الأمر الذي جعل أول شعارات كوربين هي منح المنتسبين مساحة أكبر في صناعة سياسات الحزب.

وإذا كان كوربين لا يحظى بتأييد الصفوة في حزبه فإنه يحظى بدعم أكبر نقابتين للعاملين في بريطانيا يونايت ويونسون، لكونه جاء من جناح اليسار العامل. ومن العوامل التي تصب في مصلحته كذلك جديته، فقد بدأ مشواره باختيار مستشارين من ذروة علماء الاقتصاد لتصميم برنامجه السياسي القائم على رفض تحطيم الدولة الاشتراكية في بريطانيا كالفرنسي توماس بيكيتي والأميركي جوزيف ستقليتز الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد.

ولكن الأهم من ذلك هو الظرف الذي يعمل فيه حيث التقارب البراغماتي بين أحزاب اليمين واليسار في أوروبا، وفشل السياسيين في إدارة الأزمة الاقتصادية، والفجوة في السياسات بين دول أوروبا الداعية والرافضة منها لسياسة التقشف حلا للأزمة الاقتصادية, مما جعل الناخب الأوروبي يفقد الثقة في الحكومات والأحزاب السياسية ويطرح أسئلة حول فعالية النظام الديمقراطي نفسه.

وقد سمح ذلك بنمو الحركات المتطرفة اليمينية واليسارية والحركات الشعبوية التي لا تقوم على مناهج بل على تخويف المواطنين واستغلال الأزمات, وجعل المنافسة السياسية ليست بين اليمين واليسار كما كانت في السابق بل بين الوطنيين المتشددين والراديكاليين اليساريين، وربما يمنح هذا فرصة لكوربين إذا اعتبره الناخبون أخف الضررين.

وأخيرا يبقى السؤال هل تنجح الكتل السياسية التقليدية وأجهزة إعلامها في خنق ظاهرة كوربين وقتلها في مهدها كما فعلت بالسيد سيبراس في اليونان أم سينجح الرجل في قلب الطاولة على المؤسسات السياسية الأوروبية التي فقدت القدرة على المبادرة وكتابة صفحة جديدة من تاريخ بريطانيا وأوروبا؟

على كل حال، وفقا لما تظهره استطلاعات الرأي في الوقت الراهن يحظى كوربين بتأييد 33% من أصوات الناخبين البريطانيين، وهي نسبة وإن كانت أقل مما كان يحظى به أسلافه من رؤساء حزب العمال فور انتخابهم فإنها كافية لإثارة الرعب في قلوب خصومه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك