مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول

بَسَط الحوثي سلطته العسكرية على القصر الرئاسي في صنعاء، وأسقط كل أمل كان يعتقد الرئيس اليمني هادي وآخرون أنه ممكن التحقق لإيجاد معبر توازن -ولو كان ضئيلا ونسبيا- مع جماعة الحوثي، وهو خطأ مكلف للغاية ليس للرئيس هادي فحسب بل لمن شجعه من دول الخليج العربي عليه، إننا اليوم بحاجة ماسة لدراسة هذا الواقع الخطير الذي آل إليه اليمن ولن يقف عنده.

كما نحتاج لإعادة رسم التصوّر المجمل للتخطيط الإيراني الذي يزحف بشراسة على المنطقة، مستثمراً تلك الحيوية الواسعة التي أُتيحت له مع واشنطن والغرب، سواء عبر فكرة مواجهة الإسلام السُنّي، أو فكرة الحليف القوي للغرب الذي يُمثل صديقاً إقليمياً في منطقة المشرق العربي، يشاكس ويحمل ملفات خلاف لكن من الممكن التفاهم معه، وهذا هو مجمل الموقف الغربي اليوم من الصعود الإيراني.

إن مراجعة ما قاله المتحدثون باسم الحكومة الأميركية يعطي انطباعاً كاملاً اليوم عن موقف الإدارة الأميركية حين تتحدث مشككة في رابطة الحوثي بإيران -التي لا تخفى على أي مواطن عربي- وتعلن أنها تعلم بوجود علاقة بينهما لكن دون صلات ربط سياسي.

كما أن تأكيد أحد هؤلاء الناطقين بأن الأعمال الأمنية الخاصة بواشنطن كانت تجري بسلاسة بعد سقوط صنعاء في أيدي الحوثيين -وبالاتصال المباشر مع ذات الشخصيات التي نسقت دخول الحوثي- يقدم دليلاً قوياً على أن العبور الإيراني إلى اليمن محل توافق سواءً أكان نسبيا أم كليا، وأنه وصل إلى مستوى التنسيق الأمني، وهو ما يُفسر استهداف الطيران الأميركي للقبائل المناوئة للحوثي وليس فقط عناصر القاعدة.

إننا اليوم بحاجة ماسة للغاية لمواجهة نظريات سياسية انتشرت بصخب كبير في المنطقة، وخاصة في مرحلة صعود وانهيار الربيع العربي الذي حصدت طهران على جثمانه الكثير، وهنا نقصد تحديداً مدارات المصالح والاستقرار والأمن القومي التي تتصدع اليوم في مجمل المشرق العربي، وحاجتها الضرورية لضبط التوازنات الكبرى لتبقى مساحة من الأمل، خاصة حين يقوم هذ التحرك عبر دول محورية كبرى.

الحرب على الإسلاميين السُنة المدنيين تُكلّف كثيراً اليوم دول الخليج العربي وأدخلتها في دوامة ولم تضمن لها أمناً، لأن معادلات التدافع لدى الدول تعتمد على قوة اجتماعية تُشكّل ممانعة أمام هذا الزحف الإيراني ومباركته الأميركية

إن النظرية الأولى هي أن صراع ومنافسات الدول لا يُتقدم فيه عبر الأماني والمراهنة على سقوط هذا النفوذ وتوسعه، كما روهن على الحالة الإيرانية على أمل تصدعها وانهيارها، فتَحوّل ذلك الأمل إلى أزمة تراقب بحسرة صعود التنسيق الأميركي الإيراني وتوافقاته

والقسم الثاني في ذات النظرية هو أن هذا التصدع في المشرق العربي لا يمكن أن يستثني دول الخليج العربي فهو يزحف باتجاهها، ومعلوم أنه بعد اليمن كان يأتي وضع البحرين في ملف إيران الطائفي والتوسعي. والأمر الثالث في تفنيد هذه النظرية هو أن إيران التي ترسِل دعوات الحوار عند كل دورة تتقدم فيها، لا تقدم شيئاً أبداً غير تمكين نفوذها لأجل تقدم مشروعها، وهذا ما يحدث في اليمن ولبنان.

النظرية الثانية هي فكرة اعتماد إستراتيجية الغرب كبديل للتحرك العربي، والحقيقة أن الغرب ليس له اليوم تصور لخطوط حمر مع التقدم الإيراني وليس في وارد مواجهته عسكريا.

وبات في مدافعته السياسية يخضع لتقييم جديد وإعادة قراءة مختلفة عن مستقبل الشرق والخليج العربي في سلم المصالح الغربية، وهذه النظرية اليوم تستنزف بصورة خطيرة قدرات التفكير والخطط البديلة للخليج العربي أمام هذا الزحف الإيراني المستمر.

ورغم أن الأصل هو أن يكون موقفنا مبدئياً لمصلحة الشعب اليمني ذاتياً، فإن سياق الدرس أيضا موجه للخليج العربي كله، سواء دخل اليمن في هيمنة الحكم الطائفي السياسي الموالي لإيران، أو دخل دائرة صراع دموي مذهبي لا يُمكن أن يتوقع خبير منصف أنها ستحمل خيراً للخليج.

إن اعتماد نظرية مواجهة تيارات الإسلام السني في المنطقة ووقف التفكير الإصلاحي اجتماعيا وسياسيا، أضرت كثيرا بالبناء الوطني الاجتماعي لدول الخليج العربي.

ففي حين تغزل الجمهورية الإيرانية شراكتها مع كل ذراع أو قوة، عاشت دول المنطقة خريفاً صعباً، ومن المهم جداً الخروج منه عبر سيناريوهات تهدئة وطنية، والتفرغ لوقف هذا التصدع وبناء القدرات الوطنية والتحالفية الواسعة والتي تؤمّن درعا ذاتية لعرب المنطقة.

الحرب على الإسلاميين السُنة المدنيين تُكلّف كثيراً اليوم دول الخليج العربي وأدخلتها في دوامة ولم تضمن لها أمناً، لأن معادلات التدافع لدى الدول تعتمد على قوة اجتماعية تُشكّل ممانعة أمام هذا الزحف الإيراني ومباركته الأميركية.

إن سير الأحداث سريع جدا ومتتابع ويسري إلى الحدود من جهات عدة، ومساحة التوقف للمراجعة والتصحيح تتقلص كثيراً، وإن قواعد الإيمان بتأمين الدول وأمنها ممكن حتى مع اختلاف الفكر الإصلاحي السياسي في الخليج العربي

وضرب الإسلام السُني في مصر وترك الحوثي يضرب اليمن وينقض انسجامه المذهبي والاجتماعي لتحقيق مصلحة تصفية إسلاميي اليمن، فاقم الوضع الذي حلبت منه إيران موقفاً إستراتيجياً تخيط عبره تصفية الثورة السورية لصالحها، وتُحول هزيمة داعش إلى إستراتيجية لتمكين نفوذها في العراق ولبنان بصعود شرس، لن تجني منه دول الخليج العربي إلا حصاداً مراً.

إنّ هذه القراءات لا تعتمد على قضية موقف دول الخليج السلبي من الربيع العربي، ولكنها تتجاوزه إلى عمق إستراتيجي وجودي، والتحسن الجديد في علاقات أنقرة بالرياض يحتاج للتقدم إلى مستوى واسع من الشراكة السياسية والإستراتيجية، لمواجهة هذا الزحف والانهيار للعالم السُني.

إننا لا نقول ذلك من منطق طائفي ولكن هذه الفوضى والتحالف الأميركي الإيراني يخلق انهياراً كاملاً لدول المنطقة والشرق الأوسط، ويحوّل ما تبقى منها إلى أرض محروقة تحت أجواء الحروب الطائفية.

هذه العلاقة والمراجعات الإستراتيجية بين الرياض وأنقرة بإمكانها الدفع بمعادلات جديدة في المنطقة العربية، منها مصالحة قومية في مصر توقف هذا الصراع الدموي السياسي العنيف، وتعطي إشارات للسلطة الحاكمة بأن استمرار القتل السياسي والتوتر الخطير في الشارع المصري ليس مقبولا عربياً ولا إقليميا.

وفي ذات الوقت تُدفع المعارضة -وخاصة الإسلامية منها- إلى الخروج من هذه الدوّامة وبناء خياراتها السياسية والعودة إلى أفكار "25 يناير" وفقا لتدافع سياسي جديد، بعد استقرار اجتماعي ووطني قومي مهم لمصر.

وهذا التنسيق السعودي التركي أيضاً سيوقف استثمار موسكو وطهران لموقف الرئيس السيسي في تصفية الثورة السورية على حساب شعبها، وحساب الأمن والاستقرار العربي، ويُوجِد ميزان دفع إستراتيجي جديدا يؤثر في الميدان ووحدة المعارضة بعيداً عن المتشددين من السلفية الجهادية، ويخلق قاعدة توازن عربي إسلامي إقليمي متين.

وهنا فقط قد تخضع إيران لقواعد اللعبة فتضطر للانسحاب من حروبها الشرسة على المشرق العربي، ويتحقق أمن المنطقة عبر الأمن القومي والمصلحة الإقليمية المشتركة.

إن سير الأحداث سريع جدا ومتتابع ويسري إلى الحدود من جهات عدة، ومساحة التوقف للمراجعة والتصحيح تتقلص كثيراً، وإن قواعد الإيمان بتأمين الدول وأمنها ممكن حتى مع اختلاف الفكر الإصلاحي السياسي في الخليج العربي.

فلا يوجد شك في وجود خطر التمدد وإلحاق المنطقة بسيناريوهات مدمرة تجسدت عبر شبكة من التناقضات بين إيران وجماعات العنف، والدعم الدولي والعربي للمخاوف الأمنية من الربيع العربي.

وهذا الخطر الإقليمي يهم الجميع وقفه، وينبغي أن يُبنى عليه لتحقيق التهدئة الاجتماعية والوطنية في الخليج العربي، والخروج من نظرية الصراع مع تيارات الإسلام السني والاصلاحيين بتوافقات هي موجودة أصلاً، لكن اللغة الإعلامية تؤزم المشهد وتسقط الثقة بين الدول والمجتمع.

هذا المدخل واعتماد نظريات بديلة تقدم الأهم فالأهم مسار رئيسي لوقف هذا الزحف الإيراني، حتى لا يصل السيناريو السوري أو العراقي أو اليمني إلى داخل العمق الوطني للخليج العربي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك