حسين عبد العزيز

حسين عبد العزيز

كاتب ومنتج أخبار في قنوات فضائية

الجذور التاريخية للعلمنة في فرنسا
حدود التسامح

دخلت أوروبا بوابة الحداثة من خلال قضائها على الثنائية التي حكمت العصور الوسطى، والتي جعلت من المجتمع وحدة موحدة خاضعة لمركزية لاهوتية قسرية، ولنظام كلي مستقل عن الأعضاء الذين يؤلفونه.

لقد تطلب فكُّ الارتباط عن الفكر القروسطي فكَّ ارتباط من نوع آخر بين الدين والسياسة أو الكنيسة والدولة، وهو فصل ما كان ليتم لولا المحاولات الفكرية المترافقة مع ثورات دموية.

وليست عملية الفصل هذه (أو العلمنة) سوى محاولة لإنكار سلطة السماء المتسامية على الشؤون الدنيوية، تلك العملية التي بدأت مع دانتي ودونس سكوت ومحاولته نسف التصور الثنائي القروسطي للوجود، إلى مارسيل دوبادو ومحاولته فصل الدين عن الدولة وإرجاع الجماعة السياسية إلى جماعة اجتماعية، إلى توماس مور والتشديد على القوة الطبيعية والعمل الإنساني بصفتهما أساسا للترتيب السياسي.

وانتقلت من ديمقراطية الطوائف عند مارتن لوثر وأتباعه، إلى القوة السيدة عند بودان، والجهاز السياسي المتسامي والعقد الاجتماعي عند هوبز ولوك وروسو، إلى وسطية العقل عند ديكارت، وإفراغ التجربة من الظواهر عند كانط، إلى شوبنهاور وإعادة توحيد مظهر الشيء مع الشيء نفسه، إلى هيغل وفيبر وفوكو... إلخ.

وباختصار؛ لقد أدى الصراع الذي عرفته أوروبا في العصور الوسطى بين الكنيسة والدولة إلى الفصل الحاد الذي نشهده اليوم في المنظومة الثقافية الأوروبية بين ما هو ديني وما هو دنيوي.

وإذا كانت عملية العلمنة قد شكلت أساس الحداثة في عموم الغرب، فإن العلمانية الفرنسية لها خصوصيتها كما كان لثورتها الكبرى خصوصيتها في تاريخ الثورات الغربية.

الجذور التاريخية للعلمنة في فرنسا
لقد مرت العلمانية الفرنسية بثلاث محطات كبرى، سميت المرحلة الأولى (الممتدة من منتصف القرن الـ18 إلى منتصف القرن الـ19) بالعلمانية المقدسة حيث كان الصراع مستحكما بين الدولة والكنيسة، ثم بدأت مرحلة العلمانية الراديكالية عام 1880 حين أقرت القوانين أن الجمهورية ليست بحاجة إلى الله لتسيير أمورها، ثم جاءت المرحلة الثالثة عام 1905 لتكون مرحلة اكتمال بناء العلمانية الفرنسية وقوننتها في الدساتير.

لقد ظلت الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا محتفظة بسلكها الكهنوتي وقوتها في الحياة الفرنسية حيث أضحت متماهية مع الهوية الوطنية الفرنسية، ولذلك كان من الصعب عليها أن تفسح مجالا للحرية الدينية، وهذا ما يفسر حدود العنف الذي استخدمته ضد مخالفيها

وشهدت فرنسا أعنف الحروب الدينية في القارة الأوروبية، فبين عاميْ 1562 و1598 وقعت ثماني حروب دينية تخللتها مجازر سانت بارتيليمي الشهيرة التي قتل فيها نحو ثلاثين ألف بروتستانتي على أيدي الكاثوليك.

لقد ظلت الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا محتفظة بسلكها الكهنوتي وقوتها في الحياة الفرنسية حيث أضحت متماهية مع الهوية الوطنية الفرنسية، ولذلك كان من الصعب عليها أن تفسح مجالا للحرية الدينية، وهذا ما يفسر حدود العنف الذي استخدمته ضد مخالفيها.

وفي القرن التالي شهدت فرنسا ومجمل الدول الأوروبية حرب الثلاثين عاما 1618ـ1648 التي بدأت دينية وانتهت سياسية، وترافقت مع ثورات جانبية في الداخل الفرنسي ضد الإقطاع والملكية المطلقة.

وأمام هذا الواقع المتخلف (كنيسة قوية، ملكية مطلقة، أرستقراطية إقطاعية) بدأت تتشكل ردود فعل متطرفة حمل لواءها الفلاسفة، وبدأت فرنسا تشهد في القرن الـ18 نزعات معادية للكنيسة والملكية والإقطاع على السواء، وهيأت الموسوعة الفرنسية لديدرو ذروة الانقلاب التام على القيم القديمة باسم إيديولوجية العقل.

وباسم هذه الإيديولوجية الجديدة، ستتحول المقولات العلمانية إلى متعالٍ يناظر المقولات الدينية في قدسيتها، وباسم هذا المقدس الجديد ستصبح أية مقولة لا تنتمي إليه خارج المفكر فيه، إنه "اللا معقول".

لقد خاضت الديمقراطية الفرنسية صراعا عنيفا مع دولة ذات صلة وثيقة بقوى تحاول الحفاظ على النسق الاجتماعي وإعادة إنتاجه، وعلى رأسها الكنيسة التي لم تشهد أي حركة إصلاح.

وهذا ما يفسر سبب الحركة العنيفة المناهضة للدين والكهنوت وتفوق المعارك السياسية والإيديولوجية على الإصلاحات المجتمعية، وهي السمة التي طبعت الديمقراطية الفرنسية إلى الآن: فولتير يدعو إلى إعلان الحرب على الكنيسة وسحق الخسيس، وديدرو يدعو إلى قتل الملك (خنق الملك السابق بأحشاء القسيس السابق)، وهولباخ وهلفتيوس يجاهرون صراحة بإلحادهم ويضعون الدين في مرتبة دونية مع العامة.

وإذا كان شعور الفلاسفة الفرنسيين بالعداوة للدين كان نتيجة ثانوية لعدائهم للكنيسة الكاثوليكية، كما تقول المفكرة الأميركية غيرترود هيملفارب؛ فإن حدة العنف والشراسة الدؤوبة ضد الدين في فرنسا بدت غير مفهومة لدى المفكر السياسي الكبير ألكسي دي توكفيل.

حدود التسامح
كان التنوير الإنكليزي متسامحا مع أنواع كثيرة من الإيمان والكفر، ولم يكن هناك نزاع بين السلطات المدنية والسلطات الدينية، ولم تكن هناك حاجة للإطاحة بالدين لأنه لم يكن هناك بابا ولا محاكم تفتيش ولا كهنوت محتكر ولا كنيسة مضطهدة.

في إنكلترا تكيفت الكنيسة مع أخلاق عامة الشعب، وفي الولايات المتحدة هناك مراعاة حقيقية للشعائر الدينية واحترام للأقليات الدينية، وهذا التسامح لا يزال مفقودا إلى حد ما في فرنسا إلى الآن، ولا تزال الحدود غامضة فيها بين مسؤولية الحرية ومسؤولية احترام الآخر

وفي الولايات المتحدة، تطورت الحداثة مع فعالية الكنائس في الحيز العام. يقول توكفيل: إن فلاسفة فرنسا اعتقدوا أن الحماسة الدينية ستخمد عندما تزيد الحرية، وهو ما استهجنه الأميركيون، وفي فرنسا روح الدين وروح الحرية متناقضان، أما في أميركا فهما متحدان، والسبب في ذلك -يضيف توكفيل- أن الكنيسة المنفصلة عن الدولة لم تكن منفصلة عن المجتمع الأميركي، وبالتالي لم ينظر إلى الدين على أنه تهديد للحرية كما هو الحال في فرنسا.

في إنكلترا تكيفت الكنيسة مع أخلاق عامة الشعب، وفي الولايات المتحدة هناك مراعاة حقيقية للشعائر الدينية واحترام للأقليات الدينية، وهذا التسامح لا يزال مفقودا إلى حد ما في فرنسا إلى الآن، ولا تزال الحدود غامضة فيها بين مسؤولية الحرية ومسؤولية احترام الآخر، والرسوم التي نشرت في صحيفة "شارلي إيبدو" دليل على هذا الغموض.

كتب ديفد بروكس في صحيفة نيويورك تايمز الأميركية مقالا -بعد أيام من حادثة الاعتداء على "شارلي إيبدو"- قال فيه إن السخرية من المعتقدات الدينية للآخرين تعتبر عملا صبيانيا، وما حدث في فرنسا لا يمكن أن يحدث في أميركا.

ومن هنا يمكن تفسير ارتفاع تعرض المسلمين للاعتداء في فرنسا مقارنة بالدول الغربية الأخرى، فخلال السنوات الماضية تعرضوا لأعمال عنف كثيرة بما يتناقض مع الديمقراطية الليبرالية، ووصل الأمر بماري لوبين منذ سنوات إلى تشبيه المسلمين المصلين في شوارع فرنسا بالاحتلال النازي.

واليوم يتخوف مسلمو فرنسا من أن تشهد البلاد حالة هيجان ضد الإسلام والمسلمين، في ظل عدم التمييز بين الإسلام والإسلام الراديكالي، لا على مستوى الشعبي ولا على مستوى النخبة أيضا.

كما يتخوف المسلمون من أن تدفع غزوة "شارلي إيبدو" الحكومة الفرنسية إلى اتخاذ إجراءات قاسية ضد المسلمين، بما يتناقض مع قيم الجمهورية التي أعلنتها الثورة عام 1789، ورسخها انتصار الجمهوريين عام 1877.

لقد جانب محمد أركون الصواب حين وصف العلمانية الفرنسية بـ"العلمانوية"، في إشارة إلى غلوها وأساسها التاريخي المستمد من تجربة اليعاقبة زمن الثورة الكبرى، حيث اتخذت العلمانية محتوى يخالف المعنى الأصلي، من حيث هي حياد الدولة تجاه الأديان من منطلق استقلالية المجال العام عن المجال الخاص.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك