سالم لبيض

سالم لبيض

أكاديمي تونسي

إن الانتخابات الرئاسية التونسية في دورتيها التي أنجزت يومي 23 نوفمبر/تشرين الثاني و21 ديسمبر/كانون الأول 2014 تعدّ كثيفة الدلالة وحمّالة معان ومسؤولية تاريخية ورمزية هامة بالنسبة لتونس والوطن العربي ككل.

فهي تطمح إلى إخراجنا من الحصار الاستبدادي المزمن المزري، الذي طوقتنا به نحن العرب لعقود طويلة مدنيّة الرجل الأبيض المتحضر الديمقراطي الحداثي الذي نصّب نفسه وصيّا علينا.

هذا الرجل الذي كان يختار لنا بكل ديمقراطية مفارقة مستبدّينا السادة حكّامنا ورؤسائنا وقادتنا الأجلاء الأفاضل أصحاب الأيادي البيضاء النظيفة، إلا من آثار الدم والتعذيب والتنكيل والقتل على خلفية الرأي والموقف، ومن حسابات سرية في بنوك دولية ضاقت بمليارات الدولارات التي احتوتها، وكذلك يحدد لنا سياساتنا وبرامجنا وخياراتنا وأفكارنا وفنوننا وعقائدنا ومغزى وجودنا بكامله إلا ما قلّ وندر.

ولقد استكشفنا لأنفسنا على وقع الخطى البطيئة المتعثّرة القلقة للانتخابات الديمقراطية التونسية الغضّة طريق العيش المشترك الذي يقبل بالاختلاف والتعدد والتناقض والصراع السلمي بين الفرقاء والغرماء السياسيين والأيديولوجيين، الذين يرتضون تدوين هذا التمشي العبقري في السجل الذهبي المسمى في تجارب الشعوب الحرّة العقد الاجتماعي، ويضع حدّا لتلك الوصاية المستندة إلى حداثة سياسية وهمية وإلى روح هيمنة عميقة كثيرا ما تلظّينا بلهيبها الحارق.

لا بد أن نقرّ أولا وأخيرا بأنها الانتخابات الديمقراطية الرئاسية الأولى التي تعيشها تونس في تاريخها بأكمله القديم والوسيط والحديث والمعاصر.

ومن ثمة فإن هذا الأمر لا ينسحب على كافة الانتخابات الرئاسية التي أجريت قبلها في الفترة الفاصلة ما بين 1959 و2009 وعددها 9 محطات انتخابية، أربع منها في زمن الرئيس الأسبق بورقيبة مبدع النظرية البورقيبية، التي لا نظير لها في عالم الحداثة السياسية أي "الرئاسة مدى الحياة" التي أسس لها سنة 1974.

لا أحد في خضمّ النقاش العام الانتخابي والسياسي أو على هامشه سُئل أو استُجوب عن تزييف إرادة التونسيين وتزوير الانتخابات خلال نصف قرن من الزمن أو يزيد، وعن هدر أموال قدّرت بالمليارات من ثروات الشعب المفترى عليه والمتلاعب بإرادته على مدى عشرات السنين

وخمس محطات انتخابية في أيام سلفه ووريثه المدلّل الذي ولّاه أمرنا من بعده بن علي مبدع الأكذوبة الكبيرة "لا رئاسة مدى الحياة بعد اليوم"، التي تضمنها بيانه الشهير سنة 1987، التي باركها وشرعنها الرجل الأبيض السالف الذكر، واعترف بنزاهتها وشفافيتها المزعومة وترجمها دعما ماديا وسياسيا ودوليا لا متناهيا لنظامين استبداديين عبثا بالعيش المشترك والتداول السلمي على السلطة، وهو الأمر الذي لا يُسمح له أن يحدث على أراضيه وبين ظهراني شعوبه بأي حال من الأحوال.

لا أحد في خضمّ النقاش العام الانتخابي والسياسي أو على هامشه سُئل أو استُجوب عن تزييف إرادة التونسيين وتزوير الانتخابات خلال نصف قرن من الزمن أو يزيد، وعن هدر أموال قدّرت بالمليارات من ثروات الشعب المفترى عليه والمتلاعب بإرادته على مدى عشرات السنين.

ولا أحد جُرّم أو حُوكم على خلفية التلاعب بالإرادة الشعبية واغتصابها وترهيب الناس بل إرهابهم لينصاعوا ويذعنوا ويقبلوا بكافة نتائج التزييف والتلاعب، وتمويل ذلك بواسطة المال العام، وتزوير محتويات الصندوق وتغيير مضامينه ومعانيه وألوانه، في كافة المناسبات الانتخابية المذكورة من دون استثناء.

ولا أحد كذلك أُعيد له الاعتبار وثُمنت نضالاته وتضحياته ولُملمت جراحاته وأوجاعه وآلام عائلته وكفكفت دموع أبنائه وعوّض له عن سجونه ومحتشداته التي آوته كرها وعنوة، أو تشريده ونفيه وتفقيره أو تهجيره، وأُعترف أنه ممن ناضل ضدّ ذلك التزوير المفضوح، أو رغب في الترشح يوما للرئاسة فقاوم الاستبداد والاستئثار بالسلطة والرئاسة، التي احتكرها شخصان اثنان فقط على مدى 55 سنة بالتمام والكمال، بعد أن أطلقا أيادي زوجتيهما وأقاربهما والشركات العائلية التي أحدثاها أو استولوا عليها زورا من الدولة التونسية، عبثا منهم بمصير بلد بأكمله وتكريس جميع صنوف الفساد والنهب والقمع والاستبداد حتى اسودت سماء الرجلين واختفت فيها كل نجمة سياسية مضيئة.

بعد كل هذا بات من واجبنا وحذرنا الثوري أن نقرأ نتائج كل من الانتخابات التشريعية والرئاسية ليومي 26 أكتوبر/تشرين الأول و21 ديسمبر/كانون الأول 2014 بشيء من الخشية على خلفية تلك النتائج التي جاءت إلى كرسي الحكم بحزب يبدو أنه لا ينكر أنه سليل المنظومة القديمة، وذلك من البوابة الديمقراطية والدستورية الجديدة.

وأن الذي جرى ربما يكون حالة التباس للأمور على التونسيين واختلاطا للسبل أمامهم مما جعلهم يتيهون في ثنايا ودهاليز بعض المستبدين القدامى، واقعين في شراكهم، ومنطلية عليهم حيلهم، مؤتمنين إياهم على تولي أمرهم عبر الصندوق الديمقراطي.

إن هذا الاختيار الذي يستدعي الإقرار والاحترام بوصفه تعبيرا عن الإرادة الشعبية، لا يمكن أن يحجب على الدارسين أن ضريبة غالية دفعها التونسيون من دمائهم النقية الطاهرة ذات عشية 17 ديسمبر/كانون الأول فصنعوا ملحمة 14 يناير/كانون الثاني التي أدت إلى تحرير الجميع من فجور الدكتاتوريات وطغيانها وتزويرها للحقائق.

ولقد نشطت خلال الحملات الانتخابية الممتدة على مدى ثلاثة أشهر كاملة ماكنة سياسية وإعلامية جهنمية محترفة وعلى درجة عالية من الخبرة ووسائل التواصل لخلط الأوراق وإعادة رسم المسارب، لتحقيق غرض واحد أوحد ستتلخص فيه كل الأهداف والإستراتيجيات.

بات من واجبنا وحذرنا الثوري أن نقرأ نتائج كل من الانتخابات التشريعية والرئاسية بشيء من الخشية على خلفية تلك النتائج التي جاءت إلى كرسي الحكم بحزب يبدو أنه لا ينكر أنه سليل المنظومة القديمة، وذلك من البوابة الديمقراطية والدستورية الجديدة

هذا الأمر فحواه أن الإفرازات السياسية لمنظومة 14 يناير بما في ذلك تشكيل المجلس الوطني التأسيسي مطلب ثوار القصبة الرئيسي والمفرز بواسطة أول انتخابات حرّة وديمقراطية، والحكومات المتتالية المتداولة سلميا المنبثقة عنه، التي سقطت على وقع حادثتي الاغتيال الغادرتين، تتساوى مع منظومة القمع والفساد والاستبداد واحتكار السلطة والثروة الوطنية وتهميش كافة المناطق الداخلية وتأمين نسبة بطالة وأمية وفقر وحيف اجتماعي مريحة جدا دامت نصف قرن أو يزيد.

هذا هو التنكيل بالتاريخ وتزويره بعد أن كانت تزوّر الصناديق والإرادات الشعبية والوطنية بصفة مباشرة، وعلى مرأى ومسمع من الجميع دولا ومنظمات حقوقية ورقابية ونشطاء السياسة والقانون. فإذا قبلنا بتلك المعادلة سنئد بأيدينا أول تجربة ديمقراطية تداولية وطنيا وعربيا.

إن الصراع في الانتخابات التشريعية والرئاسية الديمقراطية الأولى لا يزال يدور حول ترسيخ المسار الديمقراطي التداولي على السلطة الذي أفرزته منظومة 17 ديسمبر ولمسه الجميع وأقرّ به واستفاد منه حتى سادة الاستبداد التاريخيين، إلى حدّ أنه مكّن بعضهم من العودة إلى أول مجلس تشريعي بعد الثورة التونسية كما أهداهم أعلى المناصب في الدولة.

أو ربما هي بعض مقدّمات استعادة المنظومة القديمة لعافيتها، وإن ذلك ليس بالشيء المستحيل حسب تجارب شعوب كثيرة انطلت عليها حيل المستبدين وألاعيبهم، حين لم يتفطن أصحاب تلك التجارب إلى أن الديمقراطيات ومساراتها الانتقالية أو الدائمة قد جاء بها أو حماها ديمقراطيون دفعوا ضريبة الدم بعد أن قادوا التمرّد على تلاميذ مدارس الحزب الواحد والدولة البوليسية وخريجي الأكاديميات السياسية للأحزاب المتغطرسة.

وإن حماية تلك المسارات لا تكون البتة بوضعها بين أيادي أولئك المستبدين أو من هم من سلالتهم، مهما تزوّقوا بالمساحيق الديمقراطية والثورية واليسارية والنقابية وتدثروا بمقولات حقوق الإنسان لأن جوهرهم الحقيقي يخالف كل ذلك.

وإن العمى الأيديولوجي الذي أصاب البعض ممن ينتمي إلى مدارس النضال التاريخي بمصنفاتها الأيديولوجية التقليدية وبألوانها الرئيسية القومية العربية واليسارية والإسلامية، المنفتحة على الأنشطة الحقوقية والنقابية وثقافة المجتمع المدني وتنظيماته، قد حجب عنهم جزءا مما جرى، بل لقد حجب الحقيقة بكاملها عندما قرّروا التحالف مع جلادي الأمس ضمن سلوك سياسي يمكن وصفه بالطفولي والبراغماتي المفضوح.

وإن الضعف الفادح في ترتيب سلم الأولويات السياسية لدى هذا الفريق، ومدى توفر القدرة على تصنيف المعارك السياسية حسب الأهمية، قد بلغ مداه، فوصل إلى حدّ إعادة تسليم السلطة من جديد إلى شخوص اشتغلوا بشكل أو بآخر ضمن منظومات الدكتاتورية التقليدية، بعد أن كان هذا الشعب قد فككها وطهّرها من أدرانها وخطايا القائمين عليها تاريخيا، وسلمها إلى النخب السياسية القادمة من أعماق النضال التاريخي، فأساءت التصرّف فيها خاذلة شعبها، بعد أن أصابها ما جرى للأخوين قابيل وهابيل.

لقد انتهت معركة الانتخابات إلى ما انتهت إليه من فوز قوى تقليدية في ثوب سياسي جديد. لكن تلك النهاية ليست سوى استئناف للمعركة التاريخية الضاربة في أعماق التاريخ السياسي التونسي والعربي ككل، التي تدور رحاها حول بناء الديمقراطية وترسيخ مسارها.

إن قوى المجتمع المدني والسياسي، التي تمكنت من فرض سلطان وجودها حرّا ومستقلا ومشاركا في مختلف الاستحقاقات السياسية والمدنية خلال السنوات المنقضية التي تلت تهاوي النظام القديم، تجد نفسها اليوم أمام امتحان لا يخلو من صعوبة

فكل المؤشرات التي تتزامن مع لحظة التسليم والتسلم للسلطة على ما في ذلك من احترام للنواميس الديمقراطية وبروتوكولاتها، تدلّ على تنامي خشية حقيقية على تجربة التعايش التونسية الفتية، من أن يكون الصندوق الديمقراطي مجردّ أداة يستخدمها الاستبداد للعودة إلى كرسي السلطة.

ومن هذه المؤشرات الدالة فتح أبواب السجون أمام بعض المدونين وبعض الطلاب والشباب على خلفية مدونات معادية لدولة الأعماق أو للرئيس المنتخب الجديد، حتى قبل انتخابه نهائيا مثلما حدث في أرياف صفاقس وفي مدينة سليانة.

ومنها كذلك منع هيئة دستورية هي هيئة الحقيقة والكرامة من نقل الأرشيف الرئاسي التونسي، وهو الأمر الذي يخوله لها قانون العدالة الانتقالية، ناهيك أن بعض رجال الطبقة الحاكمة الجديدة معنيون بشكل متفاوت بتلك العدالة وربما يكونون مطلوبين للمثول أمام عدالة قضائها.

إن قوى المجتمع المدني والسياسي، التي تمكنت من فرض سلطان وجودها حرّا ومستقلا ومشاركا في مختلف الاستحقاقات السياسية والمدنية خلال السنوات المنقضية التي تلت تهاوي النظام القديم، تجد نفسها اليوم أمام امتحان لا يخلو من صعوبة.

فهي تُمتحن في مدى قدرتها على ثني مولود سياسي يتولّى أمر البلاد، لا ينفي ارتباطه التاريخي بالحزب الدستوري الاشتراكي والتجمعي، رمز الاستبداد والهيمنة واحتكار الحياة العامة، والحامل للكثير من جيناته وصفاته، من أن لا يعود إلى تلك الأيام الخوالي التي كان فيها المرء يحاكم ويسجن على خلفية فكره أو انتمائه السياسي القومي العربي، أو اليساري الماركسي، أو الديني الإسلامي، أو نشاطه النقابي أو الحقوقي أو المدني.

وهي ستُختبر كذلك في مدى جدارتها بتدوين التجربة التونسية كأول تجربة ديمقراطية مكتملة غير قابلة للارتكاس والنقض، لها أن تخرج تونس من الاستثناء الديمقراطي الذي يوصم به العرب من قبل غيرهم في الغرب والشرق على حدّ السواء.

لا شك أن القوى الديمقراطية المناضلة تاريخيا تلامس هشاشة التجربة التونسية وهوانها وانتصابها وحيدة يتيمة في الوطن العربي الكبير، الذي ترفض قواه التقليدية الداخلية وحليفاتها الخارجية مبدأ التداول السلمي للسلطة، على أرضية استقلال القرار الوطني، وهو ما يزيد من حجم مسؤوليتها في حماية التجربة الطرية العود، لعلها تكون قطعا مع فكرة الاستثناء العربي، الذي طال أمده حتى حوّل الاستبداد العربي إلى قدر دائم، والديمقراطية العربية المنشودة إلى مجرد أمنية وإلى نشاز سياسي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك