فريد أبو ضهير

فريد أبو ضهير

كاتب وأكاديمي فلسطيني

وقف العالم وكأن على رأسه الطير إثر العملية التي شنها مسلحون على صحيفة "شارلي إيبدو" في باريس، وأودت بحياة 12 شخصا وجرحت آخرين، كما شد أنظارَه -وهو يتابع شاشات التلفزة الفضائية- الحدثُ الذي أدى إلى مقتل شخصين مشتبه بهما في إحدى ضواحي باريس.

لقد طغت هذه الأحداث على مئات الأخبار التي شهدها العالم، وخاصة المنخفض القطبي الذي ضرب الشرق الأوسط، والذي حول حياة مئات الآلاف -بل الملايين- إلى جحيم حقيقي، سواء في غزة أو في سوريا أو في الأردن ولبنان وتركيا، أوفي مناطق اللجوء التي طحنتها العاصفة الثلجية.

وقد مات نتيجة هذه العاصفة أطفال ونساء وشيوخ، مرت أسماؤهم في وسائل الإعلام مرور الكرام دون أن يلتفت إليهم أحد. واستمرت الأضواء مسلطة على أحداث باريس، وعلى موجة الشجب والاستنكار لجريمة الهجوم على شارلي إيبدو.

ولتوضيح هذه القضية، لا بد من الإشارة إلى جملة من القضايا:

أولاها: أن الهجوم مدان بكل المعايير وغير مبرر. أما أن الصحيفة أساءت إلى رسولنا العظيم صلى الله عليه وسلم، فإن الرد على هذه الإساءة لا يكون بهذه الطريقة.

ومن يعرف النظام الغربي وآلية اتخاذ القرار فيه، يكتشف بوضوح أن السبب في ذلك هو ضعف العرب والمسلمين، وعدم قدرتهم على توحيد صفوفهم للضغط على البرلمان الفرنسي لإصدار قانون يمنع الإساءة إلى الإسلام ورموزه، تماما كما فعل اليهود في الضغط على البرلمانات الأوروبية والأميركية لإصدار قوانين تعتبر إنكار "الهولوكوست" جريمة يعاقب عليها القانون.

ومن المهم أن نسأل أنفسنا: إلى أي مدى يخدم هذا الهجوم قضايا الإسلام والمسلمين؟ إذ من الطبيعي أن يتعرض المسلمون -على إثره- للمضايقات وربما الاعتداءات في فرنسا وغيرها من دول العالم الغربي. وربما تتعرض المساجد -وقد تعرضت بالفعل- لهجمات من متطرفين غربيين. وهذا يدل على تزايد الكراهية للإسلام والمسلمين، وهي نتيجة معاكسة لما هدف إليه المهاجمون.

الجماعات الإسلامية المسلحة ترى أنه لا مجال لحلول وسطية مع الغرب وأن تجربة الإخوان المسلمين في مصر تؤكد صحة منهجها، حيث انقلب العسكر على إرادة الشعب ووقف الغرب موقفا سلبيا مما حدث هناك، وتنكر لمبادئه التي لا تقبل (من وجهة نظرهم) وصول الإسلاميين إلى الحكم بالوسائل الديمقراطية

ومن الطبيعي أيضا أن تتشدد دول غربية مثل فرنسا إزاء قضايا الإسلام والمسلمين في العالم، ويتراجع التعاطف مع الشعوب المسلمة. وليس من المستبعد أن تتراجع المساعدات الإنسانية التي تقدمها تلك الدول والمنظمات الإنسانية فيها إلى الشعوب المسلمة في العالم.

الثانية: على الرغم من تأكيدنا أن الهجوم عمل غير مبرر بالمطلق، فإن المسألة التي لا تحتاج إلى كبير ذكاء لإدراك أن ما تمارسه بعض وسائل الإعلام الغربية -وحتى بعض الأحزاب والحكومات- يمثل استفزازا خطيرا لمشاعر المسلمين، ويغذي روح الكراهية والعنف لدى قطاعات في الشارع الإسلامي على امتداد العالم ككل.

فالمسلمون ليسوا في مستوى واحد من ضبط المشاعر والتعامل بشكل سلمي مع مثل هذه الاستفزازات.

إن العالم الإسلامي اليوم يعج بالجماعات والأحزاب التي تتبنى أساليب متعددة في تعاملها مع الأحداث، ابتداء من الإخوان المسلمين الذي يتبنون منهج التغيير السلمي، وانتهاء بالقاعدة وداعش اللتين تتبنيان منهج التغيير العنفي.

وعليه، فإن الغرب مطالب بكبح جماح المؤسسات والأحزاب ووسائل الإعلام التي تبث الكراهية، وتذكي نار الحقد والفتنة بين الشعوب والأمم والأديان.

الثالثة: هناك ملابسات وعوامل كثيرة ومعقدة، يتعلق بعضها بواقع المسلمين في أوروبا وفقدانهم نسبيا العدالة الاجتماعية وفرص العمل، بينما يتعلق بعضها الآخر بمواقف الدول الغربية من قضايا المسلمين، سواء القضية الفلسطينية أو العراق أو سوريا أو مصر وحتى بورما.

فالغرب يتحرك في هذه القضايا وفقا لمصالحه وليس للمبادئ التي يدعو إليها. فيقف أحيانا بشكل فاضح موقفا عدائيا من بعض القضايا مثل القضية الفلسطينية، ويتعامل مع قضايا أخرى بشكل مترهل كما هو الحال في القضية السورية والمصرية وقضية مسلمي بورما.

أضف إلى ذلك تحميل الشعوب المسلمة المسؤولية الكاملة للولايات المتحدة وأوروبا عن المآسي التي تحدث للمسلمين في العراق وأفغانستان.

هذه المواقف، وتلك السياسات تمثل أسبابا مهمة لتعميق الكراهية لدى المسلمين، وتعطي ذريعة للجماعات الإسلامية المسلحة التي لا ترى غير العمل المسلح أسلوبا للتعامل مع الغرب.

وتعتبر تلك الجماعات أنه لا مجال للحوار والتفاهم مع الغرب بحلول وسطية مع تلك الدول، مشيرة إلى أن تجربة الإخوان المسلمين في مصر تؤكد صحة منهجها، حيث انقلب العسكر على إرادة الشعب ووقف الغرب موقفا سلبيا مما حدث في مصر، وتنكر لمبادئه التي لا تقبل (من وجهة نظرهم) وصول الإسلاميين إلى الحكم بالوسائل الديمقراطية.

إن الغرب مطلوب منه أن يراجع سياسته إزاء التغيرات التي تحدث في العالم العربي بشكل خاص، ودعم عمليات سياسية تفضي إلى قيام أنظمة ديمقراطية يكون الإسلاميون جزءا منها، ولا يتم فيها تهميش جماعات تحظى بتأييد جماهيري واسع

الرابعة: تتعلق بردود الفعل الرسمية العربية والإسلامية -وطبعا الغربية- التي نددت بشدة بالهجوم على الصحيفة الفرنسية. فردود الفعل تلك طبيعية، وربما تتناسب مع حجم الحدث. لكن -وكما عبر عنه الكثيرون عبر مواقع التواصل الاجتماعي- لا توجد ردود فعل تذكر (عربية وإسلامية) على سقوط المئات يوميا في سوريا والعراق واليمن ومصر وأفغانستان، ولا الآلاف الذين سقطوا بين شهيد وجريح في فلسطين خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة.

هذه المفارقة تتسبب في وجود مشاعر إحباط لدى الشارع العربي والمسلم، وتخلق نوعا من الحنق على القادة العرب والمسلمين يؤدي إلى اتهامهم بالولاء المطلق للغرب. وبالتالي ينشأ نوع من التعاطف لدى بعض الفئات في الشارع الإسلامي مع أي عمل عنيف ضد الغرب ومؤسساته.

وبكل الأحوال، فالعملية التي استهدفت صحيفة شارلي إيبدو ليست الأولى ولن تكون الأخيرة في ظل تزايد موجة الكراهية والعنف، والتصعيد الممارس من أطراف مختلفة في الغرب وفي العالم الإسلامي.

ولكن السؤال المهم هنا هو: هل يمكن أن يتوقف الغرب عند هذه الحادثة ليعيد حساباته ويراجع سياساته تجاه العالم الإسلامي؟

من الواضح أن الدول الغربية (أميركا وأوروبا) لم تفكر إلى الآن في غير الأسلوب الأمني للتعامل مع "الإرهاب". وهي لا تقيم أي اعتبار لقضايا المسلمين ومشاعرهم.

ولنتذكر فقط استخدام الولايات المتحدة للفيتو لإسقاط مشروع القرار المتعلق بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة ودعم قيام دولة فلسطينية مستقلة، رغم أن الأصوات المؤيدة لمشروع القرار في الأمم المتحدة لم تكن كافية لتمريره.

وقد اعتبر مراقبون سلوك الولايات المتحدة هذا استخفافا بمشاعر العرب والمسلمين، وضربة موجعة للسلطة الفلسطينية التي انحازت بالكامل منذ أوسلو ولغاية الآن إلى منهج التسوية لحل الصراع مع إسرائيل.

إن السياسات الغربية في العالم الإسلامي، والانحياز الكامل لإسرائيل وللمصالح الغربية على حساب المبادئ الإنسانية والديمقراطية، والتسبب في الكوارث والمآسي التي تنزل على رؤوس مئات الآلاف يوميا في جميع أجزاء العالم الإسلامي، هي التي تزرع بذور العنف والإرهاب والفوضى، وهي التي تخلق أرضية خصبة لنشوء ونمو الجماعات الإسلامية المسلحة.

إن الغرب مطلوب منه أيضا أن يراجع سياسته إزاء التغيرات التي تحدث في العالم العربي بشكل خاص، ودعم عمليات سياسية تفضي إلى قيام أنظمة ديمقراطية يكون الإسلاميون جزءا منها، ولا يتم فيها تهميش جماعات تحظى بتأييد جماهيري واسع، كما هو الحال في مصر وتونس وغيرهما من البلدان التي تشهدت تحولات سياسية.

وحينذاك، يترتب على الإسلاميين أن يبلوروا رؤى واضحة في التعامل مع القوى السياسية الليبرالية في الداخل، ومع الدول الغربية التي تربط بلادهم بها المصالح والقيم الإنسانية.

إن الحل الأمني ليس هو الحل الأمثل، بل هو وصفة لمزيد من العنف والصدام مع الغرب، وهذا ما لا يريده المسلمون والغربيون. وقد آن الأوان لكي تراجع الدول الغربية سياساتها، وآن الأوان كذلك لكي تراجع الجماعات الإسلامية حساباتها، وأن تدرك أن المزيد من العنف لن يؤدي إلا إلى المزيد من المعاناة للشعوب المسلمة في كل مكان.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك