فارس الخطاب

فارس الخطاب

أكاديمي وإعلامي عراقي

بدت زيارة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إلى أنقرة في الخامس والعشرين من ديسمبر/كانون الأول الماضي، وكأنها جزء من عملية الانفتاح والإصلاح التي يمارسها الرجل تجاه دول الإقليم بعد فترة جفاء (وأحيانا عداء) امتدت ثماني سنوات هي حصيلة تفرّد سلفه نوري المالكي بحكم العراق.

ولعل ما أطلِق من تصريحات واستنتاجات -قبل وخلال وبعد الزيارة- زاد تأكيد هذا التصور، وأضاف مسحة فعّالة من تقدم إستراتيجي اقتصادي وأمني سيشمل مسيرة البلدين الجارين: تركيا والعراق.
ولعل الشغل الشاغل للعراق حاليا هو موضوع الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية وزيادة مستوى التنسيق مع دول الجوار للضغط على تحرك وتسليح هذا التنظيم، مما يمكّنه من التضييق عليه إلى أدنى الحدود تمهيدا للقضاء عليه عسكريا.

ومن هنا فإن تركيا تمثل ركنا أساسيا في هذه الحرب التي لم تضع ثقلها الكامل فيها حتى الآن لأسباب كثيرة حاول العبادي خلال زيارته لأنقرة تبديد أهم ما فيها؛ ألا وهو تزايد مخاوف أنقرة من اتساع دائرة النفوذ الإيراني في المنطقة وفي العراق (الجار) تحديدا، بما يهدد أمنها القومي والإستراتيجي على الأمدين المنظور والمستقبلي.

أنقرة -وكما بدا بعد الزيارة- محتاجة بشكل متزايد للأسواق العراقية استثمارا ونفوذا، والعراق بحاجة لتركيا اقتصاديا وتجاريا، وكذلك في مواضيع المياه والطاقة والبناء وتصدير النفط وغيرها، وجميع هذه الأمور حاول كل من الطرفين تسييل لعاب الطرف الآخر لها

حيث باتت إحدى الأذرع العسكرية المتآلفة مع الحرس الثوري الإيراني (قوات الحشد الشعبي) تحوم بالقرب من محافظة نينوى المتاخمة للحدود التركية، والتي تعتبر مانعا ديمغرافياً طبيعيا لأي امتداد إيراني في الظروف الاعتيادية، إضافة إلى الأدوار ذات المصالح المتقلبة لقيادة إقليم كردستان العراق مع جارتيها (تركيا وإيران)، وهو ما يجعل أنقرة متحسبة لدور الإقليم إلى درجة "القلق" من تغيير تحالفاته في أية لحظة بالضد من مصالحها.

أنقرة -وكما بدا بعد الزيارة- محتاجة بشكل متزايد للأسواق العراقية استثمارا ونفوذا، والعراق بحاجة لتركيا اقتصاديا وتجاريا، وكذلك في مواضيع المياه والطاقة والبناء وتصدير النفط وغيرها، وجميع هذه الأمور حاول كل من الطرفين تسييل لعاب الطرف الآخر لها، وفتح نوافذ واسعة للولوج من خلالها إلى سياسات الطرف الآخر وفق نظرية المصالح المشتركة.

لكن رغم أن حجم التبادل التجاري بين العراق وتركيا يبلغ أكثر من 16 مليار دولار سنويا، وأن هذه الزيارة سعت لزيادة هذا الرقم بشكل واضح، فإن ما جاء العبادي من أجله ليس هذا فقط، بل إنه جاء تحديدا للحشد من أجل محاربة تنظيم الدولة، وهو ما لم يحصل حقيقة على جواب قاطع من أنقرة بشأنه، بل كانت أجوبة الحكومة التركية حينا دبلوماسية كقولها "إن أنقرة تولي اهتماما للوقوف إلى جانب الحكومة العراقية في محاربة داعش"، وحينا آخر إجابات ترتبط بمصالح إستراتيجيات أنقرة في شمال العراق العربي والكردي.

حيث أكد رئيس الوزراء التركي داود أوغلو للعبادي استعداد بلاده لتقديم الدعم المطلوب في مجالات التسليح والتدريب وتبادل المعلومات، والأهم هو "إمكانية تدريب تركيا لتشكيلات الحرس الوطني المزمع تشكيلها من المتطوعين في المحافظات العراقية السنّية".

لقد سعى العبادي لبيان خطورة تنظيم الدولة الإسلامية وأنه يمثل عدوا مشتركا للعراق وتركيا، وجعل موضوع التنسيق والاشتراك في مقاتلته -خلال تصريحاته الصحفية- يبدو وكأنه أمر متفق عليه ومفروغ منه، لكن القيادة التركية لا ترى حتى هذه اللحظة في هذا التنظيم خطرا فعليا على أمنها القومي، بل إن الخطر الحقيقي يكمن في تغييب الإرادة العراقية الوطنية المخلصة، والتي تعتمد بشكل مطلق على الدعم المباشر للقوة الإقليمية المطردة النمو (إيران).

وهو ما بات الآن واضحا جدا في العراق تحت عنوان "داعش"؛ حيث تحاول طهران الاقتراب يوما بعد آخر من المجال الأمني الإستراتيجي الحيوي لتركيا، ولأن تركيا دولة كبيرة وعريقة تعلم جيدا كنه الممارسات الدبلوماسية وترجعها لأسباب تحركها.

لذا فهي وإن كانت تعلم أن المالكي -الذي أدار البلاد طوال ثماني سنوات- ساذج في السياسة وإدارة العلاقات الدولية، فإن هذا لا يعني أن يكون العبادي هو المفتاح السحري الذي يمكن أن يقلب المعادلة ويعيد العراق إلى وضعه الإقليمي بشفافية. لأنها باختصار تراقب وتلاحظ التحكم الإيراني المباشر في سياسات هذا الرجل بكل ما تبدو عليه من إيجابية في أسطحها، ولطالما اعتبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أداء الحكومة العراقية مبنيا على أساس طائفي، دون أن يذكر دور إيران بالاسم في التحكم بحكم العراق، وذلك لأسباب دبلوماسية طبعا.

نحن نأمل أن يستطيع العبادي الإفلات من العباءة الإيرانية حقا بإصلاح علاقة العراق مع تركيا، حيث لا يمكن بأي حال من الأحوال استمرار التوتر بينهما، خاصة في ظل انخفاض أسعار النفط ودخول العراق في نفق أزمة اقتصادية كبيرة

نحن نأمل أن يستطيع العبادي الإفلات من العباءة الإيرانية حقا بإصلاح علاقة العراق مع تركيا، حيث لا يمكن بأي حال من الأحوال استمرار التوتر بينهما، خاصة في ظل انخفاض أسعار النفط ودخول العراق في نفق أزمة اقتصادية كبيرة ستزيد أوضاعَه صعوبة وحرجا، وحاجةِ تركيا لأسواق العراق التي تمثل امتدادا لأسواقها والتي تشكل ثاني أكبر سوق للصادرات التركية.

كما أن العراق يعاني من فشل عسكري وأمني كبيرين في معالجة موضوع تنظيم الدولة الإسلامية الذي يضع يده على معظم أراضي شمال العراق العربي، لذا فهو محتاج جدا لقدرات تركيا في هذا الملف الشائك والذي تمتلك أنقرة فيه الكثير من العلاجات الناجعة.

إن الزيارات التي قام بها رئيس وزراء العراق إلى الإمارات العربية المتحدة والأردن والكويت ثم تركيا، تمثل انفراجا دبلوماسيا واضحا في بداية ولايته التي تمتد أربع سنوات، كما أنها تمثل أمنية عربية وإقليمية بعودة العراق إلى حواضنه الطبيعية سواء القومية أو الإقليمية، هذا إن كان هذا التحرك يمثل إرادة عراقية حرّة.

لكن هناك الكثير من التساؤلات والمخاوف لدى قادة هذه الدول من أن تحرك العبادي هو بتنسيق كامل مع القيادة الإيرانية ويحمل عدة أهداف، منها تطمين هذه الدول بما يخفف من زخم دعمها للعراق العربي بكل فئاته وطوائفه، مما جعل أحد المراقبين يشبهه بـ"الإبرة المخدرة".

وهو ما يمكّن إيران من إكمال تنفيذ مشروعها الكبير في العراق والمتمثل في تمكينها من كل محافظاته، بعد أن كانت بغداد وجنوبها أصل هذا المشروع، ثم هي محاولة إيرانية بلباس عراقي من أجل تخفيف القبضة التي تفرضها هذه الدول على نظام الحكم في سوريا، وبيان حيادية العراق في ولاية العبادي تجاه الملف السوري، مما يمكّنه من تليين مواقف هذه الدول تجاه بشار الأسد وحكومته.

يبقى الأمل قائما تجاه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، لكن حجم هذا الأمل محدود جدا، وقد يكون كبيرا لمن لا يعرف الخريطة الفكرية والعقائدية والسياسية للحزب الذي ينتمي إليه العبادي، وكذلك لمن لا يعرف حقيقة ما يجري في العراق ودور إيران هناك. كما يكبر الأمل أحيانا عند الذين يسمعون كلاما ووعودا بالإصلاح الوطني بعيدا عن تأثيرات طهران وإملاءاتها، وهي لعمري "خديعة" سيندم عليها الكثير من المتفائلين بها بعد حين، وهو حين ليس بعيدا!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك