عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوريا ويهتم بقضايا الفكر والثقافة، ويكتب بشكل دوري في بعض الدوريات العربية.

مسيرة الائتلاف
أزمة بنيوية
تراجع الاهتمام
معالجة العجز

يأتي انتخاب هيئة رئاسية جديدة للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في وقت تشهد فيه الأزمة السورية تعقيدات كثيرة، وتــُطرح فيه على الائتلاف تحديات واستحقاقات عديدة، حيث تقترب الثورة السورية من إكمال عامها الرابع في ظل استمرار الحرب الشاملة الكارثية، التي بدأ نظام الأسد في شنها ضد الثوار وحاضنتهم الاجتماعية منذ أكثر من ثلاث سنوات، والتي زجّ فيها -إلى جانب الجيش وقوى الأمن- بمليشيات طائفية (لبنانية وإيرانية وعراقية وأفغانية، ومن جنسيات أخرى).

إضافة إلى ما يُطرح من مساع روسية ترمي إلى جمع المعارضة والنظام على طاولة واحدة في لقاء موسكو التشاوري المزمع عقده في نهاية الشهر الجاري، إلى جانب "خطة تجميد القتال" التي طرح أفكارها المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، فضلاً عن حرب التحالف الدولي العربي التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية ضد تنظيم داعش، الذي استولى على العديد من المناطق التي كان يسيطر عليها الجيش السوري الحر.

مسيرة الائتلاف
غير أن أسئلة عديدة تطرح -بعد انتخاب خالد خوجة رئيساً جديداً للائتلاف- تتعلق بالتغير الذي يمكن أن يحدثه في مسار الائتلاف ومداه وحدوده، وتمتد تلك الأسئلة لتصل إلى مصير الائتلاف، وما إن كان سيلاقي نفس مصير الذي أصاب المجلس الوطني السوري من قبل، خاصة أنه لم يمدّ جسوره إلى الأرض ولا يملك تأثيراً أو نفوذاً، سواء أفي أوساط القوى الثورية أم العسكرية، بينما بقيت الانقسامات والتجاذبات السياسية تتقاذفه، وجذّرها استمرار الخلافات الشخصية بين العديد من أعضائه البارزين.

الإجابات الأولية عن هذه الأسئلة تتطلب النظر في تركيبة الائتلاف ومسيرته وعلاقته بالداخل السوري، وتقتضي القول إن أمام قيادة الائتلاف الجديدة فرصة للملمة البيت الداخلي، وإنهاء الانقسام والتكتلات والتناقضات، والارتقاء بالائتلاف إلى مستوى مؤسسة لها لجان ومكاتب تخصصية، وتحتكم إلى العمل البرامجي الممنهج، ولها خطاب سياسي واضح.

والمراقب لمسار الائتلاف يجد أنه يمرّ بأسوأ أحواله، نظرا إلى أن الانقسام داخله وصل إلى درجة أنه بات يتكون من سبع كتل على الأقل: كتلة التجمع الوطني (تضم الإخوان المسلمين، وكتلة العمل الوطني، والكتلة الديمقراطية-1 التي تسمى أيضاً باسم كتلة ميشيل كيلو، وثلاثة أعضاء من المجالس المحلية وبعض المستقلين)، وكتلة التوافق، والكتلة الديمقراطية-2 التي تسمى أيضاً كتلة أحمد الجربا (الرئيس الأسبق للائتلاف)، وكتلة المجالس المحلية التي تسمى كتلة مصطفى الصباغ (الأمين العام الأسبق)، وكتلة المجلس الوطني الكردي، وكتلة التيار الوطني، والكتلة التركمانية.

وداخل كل كتلة كتل أصغر منها، وربما يصل عدد أعضاء الكتلة إلى ثلاثة أعضاء أو عضوين فقط. وغالباً ما تسمى الكتلة باسم الرجل النافذ فيها والأغنى، لكن الأدهى هو أن التكتلات لا تــُبنى على أساس سياسي أو أيديولوجي، بل أساس شخصي في غالب الأحيان، ويلعب المال السياسي القادم من بعض الدول الداعمة دوراً بارزاً في إعادة اصطفاف الأعضاء داخل الكتل المتنافسة، التي تتحالف فيما بينها خلال الاستحقاقات الانتخابية فقط.

الغريب هو أن أعضاء أية كتلة داخل الائتلاف لا يتصرفون وفق توجهات كيانها السياسي إن وجد، بل بناء على حسابات وأسباب شخصية خاصة بالعضو المعني الذي يغير وفقها اصطفافه المتغير في غالب الأحيان

ولا تعكس تسميات الكتل توجه أعضائها، حيث إن الكتلة الديمقراطية انقسمت إلى أكثر من كتلتين، وتدعي إحداهما أنها تمثل اتحاد الديمقراطيين السوريين، مع العلم بأنها لم تسجل -حين دخلت إلى الائتلاف- باسم اتحاد الديمقراطيين، الذي لم يبق من مكتبه التنفيذي سوى الرئيس وعضو آخر من أصل اثني عشر عضواً.

والغريب هو أن أعضاء أية كتلة داخل الائتلاف لا يتصرفون وفق توجهات كيانها السياسي إن وجد، بل بناء على حسابات وأسباب شخصية خاصة بالعضو المعني الذي يغير وفقها اصطفافه المتغير في غالب الأحيان؛ فمثلاً كتلة الإخوان المسلمين تتسع أحياناً لتشمل ثمانية أو تسعة أعضاء، وأحياناً أخرى تقتصر على أربعة أو ثلاثة أعضاء فقط.

أزمة بنيوية
قد تكون الصورة المقدمة آنفاً مفزعة، لكنها تعكس واقع الحال داخل الائتلاف وربما ما خفي أعظم، وبالتالي فإن مهمة لملمة البيت الداخلي تبدو صعبة المنال أمام الرئيس الجديد وهيئته الرئاسية، إذ شهد الائتلاف خلال فترة الرئاسة السابقة -على سبيل المثال- تضارباً ومناكدة بين رئيسه وأمينه العام، حيث إن العديد من القرارات التي أصدرها رئيسه أبطلها قرار معاكس من طرف الأمين العام أو الهيئة السياسية، وأحياناً كانت اللجنة القانونية تفتي بأحكام مخالفة للنظام الأساسي للائتلاف. أما لجنة العضوية فلم ترد على طلبات لكيانات سياسية بتغيير ممثليها.

وغالباً ما تتم عملية استمالة أعضاء هاتين اللجنتين -وخاصة القانونية- لكي تبت في أمور خلافية لصالح تكتل ما على حساب التكتلات المنافسة، وبالتالي لعبت دوراً في فرض إرادة فريق على بقية الأعضاء، والمثال الصارخ هو ما قامت به اللجنة القانونية بخصوص كتلة الأركان. ويضاف إلى ذلك أن عدداً من أعضاء الائتلاف غيروا صفتهم التمثيلية من تمثيل مكون سياسي أو "ثوري" إلى صفة "شخصية وطنية".

والسبب هو أن الشخصية الوطنية ليست لها مرجعية سياسية أو ثورية يمكنها أن تحاسبها أو تطالب بسحب عضويتها من الائتلاف. وهذا يعود إلى الخطأ الأساس الذي بني عليه الائتلاف، وبالتالي فإن العقبة الأولى التي تحدث عنها رئيس الائتلاف الجديد -والمتمثلة في "إعادة اللحمة الداخلية وترتيب الصف في الائتلاف"- تبدو طموحة وصعبة المنال، وخاصة أنه يعتبر أن "التحدي في هذه العقبة يكمن في إيجاد آليات جديدة يمكن أن تــُحل التوافقَ بدلاً من الانتخاب، ليكون الائتلاف قريبا من نبض الثورة".

إن إقالة رئيس الحكومة المؤقتة أحمد طعمة وإعادة انتخابه من جديد أظهرتا حجم الأزمة البنيوية التي تعتري الائتلاف، خاصة بعد أن تحول إلى ما يشبه الغيتو أو الجمعية المغلقة التي تقتصر عضويتها على مجموعة من الأشخاص والقوى

والواقع هو أن المبدأ الأساس -الذي شُكل وفقه الائتلاف في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2012 في الدوحة- هو التوافق بين ممثلين عن كيانات سياسية وثورية ومجالس محلية وشخصيات وطنية، لكنه لم يطبق في كل الاستحقاقات الانتخابية التي شهدها أو القرارات التي اتخذها بعد التأسيس.

بل إن إقالة رئيس الحكومة المؤقتة أحمد طعمة وإعادة انتخابه من جديد أظهرتا حجم الأزمة البنيوية التي تعتري الائتلاف، خاصة بعد أن تحول إلى ما يشبه الغيتو أو الجمعية المغلقة التي تقتصر عضويتها على مجموعة من الأشخاص والقوى، الأمر الذي جعله مرتعاً لمساومات ومخاضات وارتهانات لدول داعمة، وسبّب له اختلالات وتخبطات كثيرة أسهمت في تراجع دعمه الداخلي والدولي، وابتعاده عن هموم الحاضنة الشعبية للثورة، وعدم مقدرته على تشكيل مظلة سياسية للثورة.

وشيئاً فشياً تراجع الاهتمام الإعلامي به، خاصة أن الأمين العام الأسبق كان يحدد أماكن اجتماعاته في فنادق فخمة تبعد أكثر من 100 كيلومتر عن مدينة إسطنبول لكي يهرب من وسائل الإعلام، ومن بعض السوريين أصحاب الحاجة والهموم والجروح والعاهات. وأحياناً كان يخصص قاعة لوسائل الإعلام في فندق آخر يبعد أكثر من عشرة كيلومترات عن فندق اجتماعات الائتلاف، الأمر الذي له حسابه في التكلفة المالية، وأسهم في نفور وسائل الإعلام بعدما كانت تتسابق إلى تغطية فعالياته.

تراجع الاهتمام
بالتزامن مع تراجع الاهتمام الشعبي بالائتلاف، تراجع أيضاً الاهتمام الدولي وخفتت الأضواء المسلطة عليه، وبات الائتلاف يشكو من انقطاع الدعم، لذلك من الطبيعي أن يضع رئيس الائتلاف الجديد أمامه مهمة "إعادة الاعتبار للائتلاف"، لأن "بُعد الائتلاف عن الساحة في سوريا، وعدم استطاعته جلب الدعم الكافي من مجموعة الأصدقاء من المجتمع الدولي، جعلا الائتلاف مهمشاً وغير مهتم به كما كان سابقا في بداية تأسيسه".

غير أن تراجع الاهتمام الشعبي في الداخل السوري اقترن بعدم قدرة الائتلاف على بناء علاقة تواصل مؤسسية مع الفصائل العسكرية حين كانت أعداد الجيش الحر تتجاوز مائة ألف مسلح، بالرغم من دخول كتلة للأركان في علمية التوسعة الوحيدة التي جرت للائتلاف.

وذلك لأن كتل الائتلاف قدمت دعماً مادياً بشكل منفرد إلى بعض الكتائب والفصائل المقاتلة؛ فالإخوان المسلمون دعموا فصائل بعينها بالمال والسلاح دون سواها، وكذلك فعل الآخرون بدعمهم لفصائل أخرى، ولم تلتفت قيادات الائتلاف إلى المناطق التي كانت تخرج عن سيطرة النظام، ولم تفكر في تأمين الخدمات المدنية والأمن لناسها، الأمر الذي أفسح المجال أمام تنظيم داعش وسواها لفرض سيطرته عليها.

ولم تعمل قيادات الائتلاف على مأسسة الفصائل العسكرية في جسم موحد القيادة، مع العلم بأن عدداً من الأعضاء كانوا ينادون بتشكيل جيش وطني فقط بالكلام، في حين أن بعضهم كان يقدم دعماً مالياً لمجموعات عسكرية معينة لشراء ولائها السياسي. ويضاف إلى ذلك أن الائتلاف لم يفعل الكثير لحمل الجهات الداعمة له على توحيد قناة الدعم العسكري والمالي، ولم يجيّر أعضاء الائتلاف علاقاتهم مع الدول الداعمة لصالح الثورة، بل في غالب الأحيان لمصالحهم الشخصية الضيقة.

أما فيما يخص العلاقة بين الائتلاف والمجالس العسكرية والأركان، أو بينه وبين الحكومة المؤقتة أو وحدة تنسيق الدعم؛ فقد كانت ملتبسة وغير واضحة، وكان كل كيان يعمل منفصلاً ويحاول أن يكون بديلاً عن الآخر رغم ادعاء وحدة المرجعية السياسية.

من الضروري توسيع الائتلاف، أو عليه -على الأقل- أن يبني تحالفات وتفاهمات مع جميع قوى المعارضة السورية الأخرى في الداخل والخارج، وأن يكون منطلق أعمال الائتلاف هي الإرادة السورية الموحدة والمستقلة القرار

وبالتالي فإن الأزمة البنيوية -التي سببت اختلالات عديدة- جعلت الائتلاف عاجزاً عن القيام بأي فعل يخدم الثورة وناسها، وأفقدته زخمه وقدرته على العمل المستقل، فتراجع الاهتمام الداخلي والخارجي به، وبات مصيره مهدداً إما بالتلاشي أو البقاء هيكلا شكليا لا فاعلية فيه ولا أهمة له.

معالجة العجز

تبقى الآمال معقودة على معالجة العجز الذي أصاب الائتلاف، والقيام بمراجعة نقدية للمسيرة السابقة بغية تفادي الأخطاء، والعمل على تجسيد التوافق بين الجميع انطلاقاً من قناعة تفيد بأن الائتلاف وُجد كي يخدم الثورة بوصفها ثورة لكل السوريين وليست لأية جهة أو قوة أخرى.

وبالتالي من الضروري توسيع الائتلاف، أو عليه -على الأقل- أن يبني تحالفات وتفاهمات مع جميع قوى المعارضة السورية الأخرى في الداخل والخارج، وأن يكون منطلق أعمال الائتلاف هي الإرادة السورية الموحدة والمستقلة القرار، وتجسيدها من خلال تولي جميع الأطراف مسؤولية الإشراف على عمل الائتلاف.

وهذا يتطلب وضع خريطة طريق تكون بمثابة خطة تتوافق عليها كل أطياف المعارضة وتتبناها، وتقوم بتوحيد جهود المعارضة وتقرب أهداف بعضها من بعض، وتتخذ موقفاً موحداً للمعارضة حيال التحديات والاستحقاقات.

وهذا يلتقي مع الهدف الذي تحدث عنه رئيس الائتلاف الجديد وهو "الأخذ بزمام المبادرة"، مع الإشارة إلى ضرورة ألا ينفرد الائتلاف بها، بل تكون بالتفاهم وتوحيد الرؤى مع باقي أطياف المعارضة السياسية والثورية، ولذلك لا بد من تغيير الوضع الداخلي في الائتلاف.

ولا شك أن القيادة الجديدة للائتلاف أمامها مسؤوليات تاريخية، حيث ينبغي لها أن تثبت أهليتها وجدارتها، وأن تؤكد للسوريين أن الائتلاف مؤسسة داعمة للثورة وناسها، ويجب أن يثق بها السوريون من خلال ما تقدمه على الأرض، وأن تثبت كذلك للمجتمع الدولي أنها تحظى بتأييد وقبول الداخل، كي تحظى بمكانها المستحق في كل المؤسسات الدولية والإقليمية لتمثيل الشعب السوري بمختلف أطيافه ومكوناته.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك