مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول


حين تتأسس صورة المرجعية عبر المجلس الإسلامي السوري ومشروع استعادة الميدان للثورة السورية، فإن التحرك العملي بعد تصحيح الذات ومراجعة أخطائها يتوجه للإقليم للاستفادة من حضوره.


ومن هنا نلحظ أهمية البعد الإقليمي، كما نرصدها في النقاط التالية:

1- في التاريخ الإنساني كله ظل الإقليم حاضرا بقوة مع الثورات، فهو الذي يساعدها أو يخنقها.

2- يجب استبعاد أي بعد مبدئي لأي طرف إقليمي محب للثورة أو مناهض لها أو قلق منها أو حائر تجاهها، والتعامل معه يتم بواقعية المصالح التي ينظر إليها مع الحاجة إلى لغة خطاب مختلفة لكل صعيد.

3- الأصل أنّ تعامُل الثورة مع الإقليم والعالم لتحقيق مشروعها الإنقاذي يعمل على تحقيق شركاء دعم، فمتضامنين، فمتعاطفين، فمحايدين، فخصوم لا بد من مواجهتهم إعلاميا أو سياسيا أو عسكريا، لكنه خيارٌ أخير.

تركيا

النظام السياسي الديمقراطي في تركيا لديه جسور فكرية وإنسانية مشتركة مع الثورة، وهي ضمن الحاجة الطبيعية لاستقراره في حال انتصرت، لكن أنقرة وحزب العدالة الحاكم المتعاطف مع الثورة له حساباته المعقدة
لدى الثورة جوارٌ إقليمي مباشر حاضن لها ومحب، وهو مرتَكز وجودها وشريان حياتها بعد الله، وهو تركيا. ويفهم موقفها كالتالي:

النظام السياسي الديمقراطي في تركيا لديه جسور فكرية وإنسانية مشتركة مع الثورة وهي ضمن الحاجة الطبيعية لاستقراره في حال انتصرت، لكن أنقرة وحزب العدالة الحاكم المتعاطف مع الثورة له حساباته المعقدة:

هناك قلق على صعيد القضية الكردية، وعلاقة ذلك بمناطق الأكراد في سوريا، وعلاقة المعارضة التركية بالطائفة العلوية، والتصعيد على الحكم داخليا وخارجيا عبرها، كما تخشى أنقرة وحكومتها الديمقراطية ذات الجذور الإسلامية من فقدان الميدان السوري كليا أمام تفتت الثورة داخليا واستخدام داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) في عملية نوعية تدخل حدود تركيا لتوريط حكم العدالة.

وأمام كل ذلك، فإن من مصلحة أنقرة وحكمها الإسلامي الديمقراطي أن تنتصر الثورة بحكم مدني ذي جذور إسلامية مستقر اجتماعيا.

وهنا خط الرهان الموضوعي على بقاء التحالف لصالح الثورة، لكنه يحتاج إلى شروط موضوعية، منها عودة الثقة بمشروع لإنقاذ سوريا عبر ثلاثة أضلاع حتى تطمئن تركيا لهذا البناء وتدعم انتصاره وتطور من تضامنها.

الأضلاع الثلاثة التي تحتاجها الثورة مع كل العمق الإقليمي وخاصة مع أنقرة هي:

بناء تجمع اجتماعي حاضن لفصائل الثوار، والمقصود أنه يتشكّل من حضور قوي في جغرافيته وقدراته ونضج تصوراته، وليس لازما أن يحوي كل الفصائل والعناصر، مع تمثيله في الهيئة السياسية وتفهمه للحراك السياسي وليس الصراع معه.

ثم الهيئة السياسية الممثلة، بإعادة تشكيل مجلسها ومؤسساتها مع توجهاتها الوطنية الأخرى بحسب الرؤية المصلحية لمبادئ الثورة والبناء المدني لتنسيقيات الثورة.

ومن المهم معالجة فوضى الفتوى والتشظي الذي ينتشر عند كل تجمع وحدوي ليُثير الإحباط حوله ومن ثم فشله وتعثر الثورة وزيادة التبعات على الشعب، عبر تحقيق تجمع منهجي يعتمد الرؤية الجمعية لعلماء أهل السنة الراشدة في مداولة المستجدات والذي بات ضرورة للمجلس الإسلامي السوري، وربط الفتوى الميدانية وثقافة الثائر والقائد الميداني ببرنامج معد من المجلس الإسلامي السوري يساهم في صناعة هذا الاستقرار وتصاعده نحو التحرير.

المُتاح مع أنقرة
لا تزال فرص بقاء الحزب الحاكم وقوته قائمة بعد فوز زعيمه رجب طيب أردوغان بالرئاسة، مع بقاء قوة الحزب البرلمانية، ما لم تحصل مفاجآت في الانتخابات البرلمانية القادمة.

لكن الدعم المنتظر لتحقيق الثورة اختراقا مهما، يحتاج لدعم إقليمي من أنقرة عبر مسارين: توسيع وإنشاء مناطق آمنة أو شبه آمنة لترحيل ضخم مؤقت يؤمن الناس من براميل الإرهاب. وتشجيع أنقرة للحصول منها على أسلحة نوعية مع بقاء تسهيلات تمرير بعض السلاح عبر الحدود.

العراق
يعتبر العراق أحد بوابات الدعم الإقليمية حاليا لنظام الأسد ومن ثم التضييق على الثورة وخنقها، وصولا إلى ما هو معروف من مشاركة مليشياته في قتال الشعب السوري والتحريض الطائفي ضده.
والعراق المحكوم اليوم من قبل جماعات موالية لإيران وفق تراتبية مسبقة أعقبت الاحتلال الأميركي المباشر، يتعرض لاهتزاز توازن عنيف في ذات مشروعه السياسي، مما يُعرِّض مشروع دعمه للأسد لواقع فراغ قد يعطي مساحة مصلحة للثورة.

إن هندسة التعامل مع العراق الداعم للأسد، وخاصة مليشياته، تتحد في العنصر الذي ذكرناه عن داعش، فقوة التجمع الجديد للثورة ستخلق ضبطا ميدانيا يقلص حضورهم ويضعفه.

وفي العراق بعد إقليمي آخر مهم لسوريا وثورتها وهو الملف الكردي، والذي تتقاطع فيه تركيا وإقليم كردستان العراقي والمناطق الكردية في سوريا.

وتحتاج الثورة اليوم ببعدها الإسلامي أن تعبرَ هذا الملف بحذر وانفتاح في ذات الوقت، فقضية إقليم كردي فدرالي مع أقاليم عربية في وطن موحد ليست قضية انفصالية ولا عدائية، ويمكن تحققها مع بقاء الدولة وقوتها المركزية، لكن المشكلة في تحويل مناطق الإدارة إلى مشروع انفصال إقليمي كامل كما يجري اليوم في العراق.

واليوم تكاد مقومات انفصال الإقليم في العراق -الذي ساهمت في صناعة واقعه عوامل من الاحتلال والصراع المفتعل بين العرب والكرد- أن تتحقق.

حوّل حزب الله الواقع السياسي والديمغرافي في لبنان إلى حديقة خلفية للنظام السوري والإيراني، وليس هناك مجال أو مساحة للتعامل معه خارج البوابة العسكرية في أراضي سوريا، لكن ذلك يجب أن لا ينقل الثورة إلى داخل لبنان
وتحتاج الثورة السورية أن تتفهم هذا الملف في العراق مع التعاون المدني الأخوي المنفتح مع كرد سوريا، في ذات الوقت الذي يحتاج فيه كُرد سوريا أن يدركوا أن القضية ليست نسخا لكل وجود مشترك بين شعوب الأمة المسلمة لصناعة إقليم منفصل فيها، فيُفرض إقليم كردي على سوريا.

وعليه فإن تفاهمات أكراد سوريا مع الثورة وانضمامهم إلى هياكلها المركزية -والذي تم بالفعل عبر قطاعات منهم- هو بوابة العبور إلى توافق على إدارة محلية مرضية للأكراد والعرب معا.

هذا التوافق لا يضمن أن يحوّل فيه مسعود البارزاني وحكومة الإقليم موقفهم من الثورة كليا فيؤيدها بعد أن عارض وحدتها، لكنه مشجع موضوعي لهم ومؤسس لبرنامج تاريخي لمصالحة كردية عربية، وهنا يدخل ضمان تركيا لهذه التفاهمات كونه يمثل حيّزا مهما مشتركا معها يمنع حدوث انفصال جديد.

فلو دعم مسعود البارزاني الثورة بالضغط على بعض الفصائل الكردية المتحالفة مع النظام ودعم التنسيق الشامل بينهم وبين هيكل الثورة الجديد وقيادته، فسيكون ذلك مقدمة لتسوية سياسية نادرة لعلاقات الشعوب الإسلامية التركية والكردية والعربية، ولتكون توافقات السلام الإسلامي بديلة عن الحروب والصراعات.

هذه الخلاصة لو تمت فهي أفق يعزز الجوار الإقليمي للثورة لمصلحتها، ويضيّق على حلفاء النظام في العراق.

لبنان
حوّل حزب الله الواقع السياسي والديمغرافي في لبنان إلى حديقة خلفية للنظام السوري والإيراني، وليس هناك مجال أو مساحة للتعامل معه خارج البوابة العسكرية في أراضي سوريا، لكن ذلك يجب أن لا ينقل الثورة إلى داخل لبنان، ليس لأنه ليس مسؤولا عن ذلك، ولكن لأن ذلك ليس من مصلحة الثورة ولا لبنان معا.

الأردن
خلاصة ما صدر عن الحكم الأردني وسياساته التنفيذية على الأرض لا تعطي تأكيدا على القبول بسقوط النظام بل العكس، فهو يسير وفق نظرية أمنية معقدة لا ترتاح لتغيير دراماتيكي في دمشق، ولكن بقاء مساحة وجسر مع الأردن مهم للثورة ولا حاجة بها لأن تستعدي أحدا.

الخليج العربي
دول الخليج العربي ليست جوارا إقليميا مباشرا لكنها جوار ضمن المشرق العربي وحدودها قريبة جدا مع سوريا، إضافة لتداخل بعض الملفات لديها مع ثورة سوريا ومع إيران.

إن المساحة التي كانت دول الخليج العربي تملك تغطيتها بإمداد الثوار بالسلاح النوعي ومن ثم حسم المعركة هي ما كانت أوساط الثورة تراهن عليه كمصلحة لهذه الدول الخليجية تتقاطع مع مصلحة الشعب السوري.

لكن اتضح تماما أنها لم تكن في دائرة المسؤولية لاتخاذ مثل هذا القرار، سواء لرضوخها لتهديدات أميركية وإسرائيلية أو ضمن تخوّفات من إسلاميي سوريا أو من طبيعة اتخاذ القرار في هذه الدول، ولكن ذلك لا يمنع من استثمار أي مساحة مفيدة منهم لجسم الثورة الأصلي.

كما أن شعوب الخليج كانت مدار دعم وتضامن إنساني مع سوريا في الصعيد الإغاثي.
في ذات الوقت، تحوّل امتناع دول الخليج عن دعم الثورة مركزيا إلى توزيع دعمها لفصائل مختارة في مهمات خاصة، وهو ما شكّل عنصرا مضرا بالثورة.

كما أن غياب الحسم المركزي وغياب دعم الخليج الرسمي لجسم الثورة الموحد أدّى إلى إنشاء غرف عمليات مركزية عسكرية تطوعية، من مشايخ دين خليجيين متحمسين، تسعى لتوجيه حرب الثورة ضمن تصورها الأيديولوجي الخاص الرافض للحاضن الاجتماعي الموحد للثوّار، بحكم أن الفصائل التي يؤسسها المشايخ تتبنى العقيدة السلفية -بحسب مفهوم هذه الجماعات وليس مفهوم المدرسة السلفية المعتدلة- لا عقيدة أهل السنة التي يؤمن بها شعب الثورة.

وهو ما أدّى إلى اشتراكهم مع حكوماتهم في تكريس فوضى الميدان، وبالتالي صعود النصرة ثم انشقاق داعش عنها وصعودها وانخراط داعش في حرب مع الثورة ومع فصائل محسوبة على تيار داخل فكر المؤسسة السلفية يوالي شيوخ الدين في الخليج تحمّله داعش المسؤولية.

والثورة اليوم بحاجة إلى إعادة فهم جسورها الذاتية وخطة خلاصها واجتهادات هذه الجماعات وتلك الحكومات، والاستقلال عنهم جميعا مع إبقاء شريان الدعم فيما تحتاجه الثورة لا فيما يفرضونه.

مهمة الثورة ببنائها الجديد أن تنظر بواقعية وأخذ منظم وقوي بالأسباب، وتطرح منظور الأمل الذي يعترف بصعوبة المسار لكنه يؤمن أنه ليس مستحيلا بعد توفيق الله، ثم عبر عزائم الرجال
وبالعودة إلى الملف السياسي المهم، فإن وضع الخليج العربي اليوم انقسم في أغلبيته إلى ثلاثة محاور في موقفه من الثورة السورية:

1- محور مندمج كليا مع مشروع واشنطن الجديد مع إيران والشراكة الإقليمية، ويهمه تصفية الثورة اليوم قبل الغد.

2- محور قلق من صعود الثورة السورية أو حضورها وتأثير ثقافتها، وليس مهتما بانتصارها، وينخفض لديه الخوف من إيران لكنه يبقى حذرا ومترقبا وخائفا منها.

3- المحور الثالث كان رهانه أن تنتصر الثورة بنموذج مختلف من التدخل الأميركي يُحيّد القوى الإسلامية ويضمن سقوط الأسد دون وصول بديل ديمقراطي ذي خلفية إسلامية. لكنه يشعر بقلق متصاعد اليوم سواء من اتفاق طهران واشنطن أو من صعود داعش وزحفها.

هنا الثورة أمام حراك دقيق يحتاج أن يعبر إلى هذه المحاور للاستفادة منها أو دعمها، وهذا يمكن تحقيقه لكنه يعود من جديد إلى البعد الرئيسي، وهو قيام المشروع القيادي للثورة في أضلاعه الثلاث. وحراك الرمال مستمر في المشرق العربي، وهناك مساحات تخيف بعض هذه الأطراف قد تستثمرها الثورة السورية دون أن تجعل بيضها في سلتهم.

ومهمة الثورة ببنائها الجديد أن تنظر بواقعية وأخذ منظم وقوي بالأسباب، وتطرح منظور الأمل الذي يعترف بصعوبة المسار لكنه يؤمن أنه ليس مستحيلا بعد توفيق الله، ثم عبر عزائم الرجال. وفي تجارب كبرى للتاريخ الإنساني حُوّلت المحن إلى منح، وأضحت المضايق جسور عبور، وهو ما نتمناه لهذه الثورة المباركة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك