ياسر محجوب الحسين

ياسر محجوب الحسين

كاتب صحفي وأكاديمي سوداني


تراجع "وثبة" البشير
عودة الترابي
مؤشرات الأزمة

كلما تعقدت الأزمة السياسية في السودان أمعن الممسكون بمقاليد الأمور في الخرطوم في اجتراح الحلول الترقيعية والجزئية التي لا تقود إلا إلى مزيد من التأزيم.

خلال الشهور القليلة الماضية، طرح الرئيس عمر البشير مبادرة سياسية بدت لأول وهلة كوصفة سحرية لأزمة شاملة ومتطاولة، تتخطى لأول مرة دوامة الاضطراب السياسي وحالة عدم الاستقرار منذ أن اعتلى الرجل سدة الحكم عبر انقلاب عسكري قام به في يونيو/حزيران من العام 1989.

تلك "الوثبة" -وهو الاصطلاح الذي أطلقه البشير على مبادرته- اعترفت صراحة بعدم توفر الحريات السياسية والصحفية، ولذا تضمنت قرارا جمهوريا بإطلاق الحريات السياسية والصحفية. بيد أن البعض يعتبر أن حزب المؤتمر الوطني الحاكم برئاسة البشير يمثل الضلع الأبرز في الأزمة السياسية التي تضرب بخناق البلاد.

ويرى هؤلاء أنه من الصعب أن يعترف الحزب بأن الحل الشامل لأزمة البلاد يتمثل في ضرورة وجود حكم قومي ومعالجة قضية الدين والدولة وبسط الحريات الأمر الذي سيفضي بالضرورة إلى تحقيق سلام شامل وإنعاش للاقتصاد وإعادة بناء علاقة السودان بالمجتمع الدولي. فالبلاد تعاني اليوم من وضع اقتصادي متدهور ونقص مريع في العملة الصعبة وديون بمليارات الدولارات، ليصنف السودان في أدنى سلم التنمية الإنسانية والفساد وحرية الصحافة، فضلا عن عزلة دولية ضاربة بجذورها.

البلاد تعاني اليوم من وضع اقتصادي متدهور ونقص مريع في العملة الصعبة وديون بمليارات الدولارات، ليصنف السودان في أدنى سلم التنمية الإنسانية والفساد وحرية الصحافة، فضلا عن عزلة دولية ضاربة بجذورها

بانفصال جنوب البلاد في يوليو/تموز 2011 -وهو أحد أكبر الأخطاء السياسية التي ارتكبتها حكومة البشير- ذهب 75% من نفط البلاد وخسر الجنيه السوداني 60% من قيمته منذ نهاية 2011، وزاد معدل التضخم على 40%، وتراجعت ميزانيات الخدمات الصحية والتعليمية، وفق تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للتنمية صدر مؤخرا، ولم يستغل النظام وفرة عائدات النفط الضخمة في تنويع اقتصاد البلاد المعزز بموارد طبيعية هائلة.

تراجع "وثبة" البشير
سرعان ما تراجعت الحكومة عن مبادرة "الوثبة"، ففي خلال شهر واحد شهدت البلاد عدة قضايا ارتكبت فيها الخرطوم أخطاء قاتلة، فاعتقال زعيم حزب الأمة القومي الصادق المهدي على خلفية انتقاده لقوات مسماة بقوات الدعم السريع تابعة لجهاز الأمن والمخابرات السوداني، ثم إطلاق سراحه بعد أن أحدث ذلك الاعتقال شرخا كبيرا في مبادرة الحوار الوطني ثم تهديده بالمحاكمة حال وصوله البلاد بعد توقيعه اتفاقا مع الجبهة الثورية عرف بـ"إعلان باريس".

القضية الثانية: الفتاة المتهمة بالردة عن الإسلام وما صاحبها من جدل دولي رسخ صورة نمطية سالبة عن الأوضاع بالبلاد. ولم يكن الحكم القضائي الثاني فيما بعد على الفتاة والصادر من محكمة الاستئناف والقاضي ببطلان الحكم الأول، كافيا لإسدال الستار على قضية لم تشغل الرأي العام السوداني فحسب، وإنما شغلت الرأي العام العالمي لاسيما الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا.. الحكم الأول قضى بإعدام الفتاة، بينما الحكم الثاني نقض الحكم الأول وأطلق سراح المتهمة وكأن شيئا لم يكن، وأخيرا اضطر الخرطوم إلى إطلاق سراحها وتزويدها بالأوراق الثبوتية اللازمة لتستقر لاجئة في الولايات المتحدة الأميركية.

القضية الثالثة: إغلاق صحيفة الصيحة من قبل جهاز الأمن والمخابرات على خلفية تطرقها لملفات فساد تورط فيها نافذون حكوميون، الأمر الذي أشاع استياء واسع النطاق في الشارع السوداني الذي رأى في الصحيفة صوته الذي يجهر به في وجه التجاوزات الحكومية، وعاودت الصحيفة الصدور بعد 45 يوما ليوم واحد ثم أغلقت مرة أخرى لأجل غير مسمى ومازالت مغلقة.

في ذات الوقت، أبدى الخبير المستقل لحقوق الإنسان في السودان مشهود بدرين الذي زار الخرطوم حينها قلقه من استمرار الرقابة القبلية والبعدية على الصحف، ولفت إلى أنه تلقى تطمينات بمعاودة الصحيفة الموقوفة، لكنه نوه إلى أنه غير واثق من عدم تكرار الحكومة لتصرفاتها والتضييق على الحريات الصحفية.

القضية الرابعة والتي برزت في وقت لاحق: تعديل قانون الانتخابات وإصرار الحكومة على قيامها في مواعيدها بحجة منع حدوث فراغ دستوري في البلاد عقب انتهاء أجل فترة رئاسة البشير الحالية، وقطع البشير بأن الانتخابات ستجرى في مواعيدها المقررة باعتبارها استحقاقا دستوريا غير قابل للتأجيل أو الإلغاء.

ولعل أكثر ما يثير هواجس القوى السياسية المعارضة، إصرار الحكومة وحزب المؤتمر الوطني الحاكم على قيام الانتخابات الرئاسية والبرلمانية خلال أقل من عام.. القوى السياسية تطالب بمشاركة حقيقية في الانتخابات، وهذا الأمر يتطلب الاستعداد الكافي بل المشاركة في وضع القوانين والتشريعات المنظمة لهذه الانتخابات.

مؤخرا وبعد إعلان "الوثبة"، أجاز مجلس الوزراء مشروع قانون الانتخابات القومية تعديل سنة 2014.. القانون المعدل وضع في العام 2008 وتم العمل به في آخر انتخابات أبريل/نيسان من العام 2010.. القانون نفسه، والتعديل اللاحق أيضا، أُعد وشُرع بمعزل عن القوى السياسية التي يراد لها المشاركة في الانتخابات وقبل ذلك الحوار الوطني.

يرى حزب الأمة القومي برئاسة الصادق المهدي في تقارب البشير والترابي غموضا لم يتكشف بعد، واشترط نائب الأمين العام للحزب موافقتهم على ذلك التقارب في حالة واحدة وهي أن يتفق البشير والترابي على تفكيك النظام

وتضمن مشروع القانون المعدل رفع نسبة التمثيل النسبي من 40% إلى 50% بزيادة الحد الأدنى المخصص للمرأة من 25% إلى 30% ولقائمة التمثيل الحزبي من 15% إلى 20%، كما ألغى النسبة المؤهلة للتمثيل الحزبي في أي هيئة تشريعية قومية أو ولائية والتي كانت محددة بـ 4%، لكن حتى لو كانت التعديلات تبدو موضوعية فإن المعارضة لن تنظر إليها إلا بعين الريبة والشك، ولذلك فإنها تأتي في سياق غير مواتٍ، بل تزيد من تعقيد الأمور ولا تساعد على بناء الثقة بين الأطراف السياسية.

الأمر المقلق أن الحكومة والمؤتمر الوطني ينظران إلى الانتخابات باعتبارها بديلا للحوار، وهي وفقا لإبراهيم غندور مساعد الرئيس السوداني ونائبه في رئاسة الحزب "عصا" ترفع في وجه القوى السياسية إن رفضت الحوار.

وقد دعا غندور قوى المعارضة للتمسك بالحوار كسبيل وحيد لحل المشاكل، وأن البديل الآخر هو المضي إلى الانتخابات إن رفضت الأحزاب الحوار، في الوقت ذاته أعلنت المفوضية القومية للانتخابات، التي شكلها البشير مؤخرا، أنها بصدد تحديد الجدول الزمني للانتخابات العامة التي تجري في أبريل/نيسان 2015، كما أعلنت عن فتح باب التسجيل للناخبين في أكتوبر/تشرين الأول القادم.

لكن على حزب المؤتمر الوطني أن يعلم أن الانتخابات هذه المرة تواجه ظروفا مختلفة تماما عن ظروف آخر انتخابات، فانتخابات 2010 وجدت دعما دوليا لأنها كانت الأولى بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005 والتي جاءت بالحركة الشعبية المتمردة في جنوب البلاد شريكا في الحكم، وجاءت في إطار فترة انتقالية أرادت لها القوى الدولية أن تمر بسلام حتى يجرى استفتاء لأبناء الجنوب يفضي إلى انفصال.

لذا غُض الطرف عن الكثير، بل تم توفير دعم مادي وفني دولي لإنجاحها، أما هذه المرة فإن المجتمع الدولي لا محالة سوف يشكك في مصداقيتها، وبالضرورة ستواجه الاستحقاقات المادية تحديا كبيرا، ولا يبدو أن للحكومة السودانية أي خطط لتمويل هذه الانتخابات المكلفة. وإن وضعت الخرطوم في اعتبارها هذه المعطيات الماثلة فإنه يجب ألا تصر على إقامة الانتخابات تحت أي ظرف ورغما عن أنف القوى السياسية الأخرى.

عودة الترابي
إن كان هناك من نجاح "جزئي" لمبادرة "الوثبة"، فإنه يمكن الإشارة إلى تحالف من نوع ما بدأ يظهر على السطح بين إخوان الأمس أعداء اليوم، حزب المؤتمر الوطني برئاسة البشير وحزب المؤتمر الشعبي برئاسة حسن الترابي، والخوف كل الخوف أن يكون ذوبان الثلوج بين الحزبين عودة للمربع الأول، ذلك المربع الذي استأثر فيه الإسلاميون بالسلطة بينما اصطف الآخرون في ضفة المعارضة، وهو مشهد أقعد البلاد وأورثها شتاتا وعصفا شديدا.

اليوم يرى حزب الأمة القومي برئاسة الصادق المهدي في تقارب البشير والترابي غموضا لم يتكشف بعد، واشترط نائب الأمين العام للحزب موافقتهم على ذلك التقارب في حالة واحدة وهي أن يتفق البشير والترابي على تفكيك النظام. وأضاف "انتهى زمن الألاعيب والحيل والخداع ويجب أن تكون الوثبة للمستقبل وليس وثبة في الظلام".

أما الحزب الكبير الآخر، حزب الاتحادي الديمقراطي بزعامة محمد عثمان الميرغني فلديه كذلك شكوك وهواجس، صحيح أنه لم يبد شيئا ظاهرا لكن الكيمياء التي تتحكم في عقلية الحزب تنحو نحو ذلك بلا شك، إن كان "الوطني" يسعى لمصالحة وربما تحالف مع "الشعبي" فهذا من حقه الذي لا يجوز لأحد أن يحجره عليه، لكن في نفس الوقت فإن وجود الرئيس البشير على رئاسة حزب المؤتمر الوطني وهو في حالة تحالف أو اندماج مع "الشعبي" يجعل الأحزاب المتوجسة تبتعد كثيرا وتصطف اصطفافا يعيد البلاد حلقة جهنمية مفرغة.

فالبشير يريد تدافعا حزبيا في إطار سيطرته على مفاصل الدولة وأن تدخل الأحزاب الانتخابات العامة عام 2015 مما يعطي لها مصداقية كبيرة، لكن حتما سيكون التفوق لحزب المؤتمر الوطني الذي يرأسه، ولا بأس من أن تنال بعض الأحزاب حصة مقدرة دون أن تتأثر أغلبية حزب الرئيس كثيرا، وبهذا يكون البشير قد حقق أهدافه من حملة إطلاق الحريات التي أعلنها.

الوضع المتأزم في البلاد يحتاج لقرارات قوية وربما قاسية تغير النهج المتبع في إدارة الأزمات السياسية والاقتصادية المتصاعدة، ولا تكفي مجرد التصريحات التي يغلب عليها التمني أكثر من الإرادة والعزم لمعالجة هذه الأوضاع

المتشككون يقولون إن اتفاقا سريا قد أبرم بين البشير والترابي، وأن الذي يجري في الساحة السياسية السودانية ليس إلا تغطية بل تجميلا وتهيئة لتنفيذ ذلك الاتفاق وأن تبادلا محكما للأدوار يجري بين الرجلين حتى أن الرموز السياسية الأخرى في كلا الحزبين (الوطني والشعبي) خارج إطار ذلك الاتفاق.

الترابي يدرك أن ما يجري إقليميا ضد جماعة الإخوان المسلمين سواء في مصر أو المملكة العربية السعودية يتطلب تغييرا كبيرا في إستراتيجيته تجاه نظام الرئيس البشير، كما يدرك الترابي أن تفكيك النظام لا يتم بهذه السهولة عبر خطوة يقوم بها طواعية، وإلا فإن دماء كثيرة سوف تسيل قبل بلوغ هذا الهدف، وحينها قد لا يجد السودانيون وطنا يصطرعون عليه، والمحصلة أن الترابي هو الرابح الأوفر حظا من بين المعارضين، والبشير كذلك الرابح الأوفر حظا من بين رموز نظامه.

مؤشرات الأزمة
الوضع المتأزم في البلاد يحتاج لقرارات قوية وربما قاسية تغير النهج المتبع في إدارة الأزمات السياسية والاقتصادية المتصاعدة، ولا تكفي مجرد التصريحات التي يغلب عليها التمني أكثر من الإرادة والعزم لمعالجة هذه الأوضاع.

الرئيس البشير قال، في آخر كلمة له في ختام أعمال مجلس شورى حزب المؤتمر الوطني الحاكم الأخير، إن دعوة الحزب للحوار ليست من ضعف، وإنما لإيجاد مخرج للأحزاب لممارسة نشاطها، مشددا على أن الحكومة مع الحريات المسؤولة، داعيا الأحزاب والقوى السياسية لممارسة نشاطها بحرية، وهذا ما يبدو ماثلا على أرض الواقع.

إن عدم الاستقرار السياسي سيفضي إلى مزيد من التراجع الاقتصادي، حتى أن الأمر وصل إلى أن يحتاج 40% من المواطنين للمساعدة والعون الغذائي، وهروب الاستثمارات ليس الأجنبية فحسب بل حتى الاستثمارات الوطنية، إذ أن حجم الاستثمارات السودانية في إثيوبيا وحدها بلغ 2.4 مليار دولار، ومن المتوقع أن ترتفع إلى ثلاثة مليارات دولار خلال وقت قريب.

الضغوط الاقتصادية جعلت وزير المالية السوداني السابق الزبير أحمد الحسن يعترف بأن هناك مشروع قانون يسمح للولايات المتحدة الأميركية بتفتيش المصارف السودانية، وذلك في إطار ما أسماه بـ"الواقعية".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك