عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوريا ويهتم بقضايا الفكر والثقافة، ويكتب بشكل دوري في بعض الدوريات العربية.


حيثيات التحول
مخاوف السوريين
جرعة الخذلان

فاجأت الضربات الجوية -التي شنتها القوات الأميركية وحلفاؤها العرب على مواقع تنظيم الدولة الإسلامية وفصائل أخرى- معظم المراقبين والمهتمين بالشأن السوري، كونها لم تتأخر كثيرا بعد تصويت الكونغرس الأميركي لصالح خطة الرئيس الأميركي، القاضية بدعم وتسليح المعارضة السورية.

وتأتي هذه الضربات لتؤكد وجود تحول نوعي في التعاطي الأميركي مع الأزمة السورية، ذلك أن الإدارة الأميركية اتخذت مواقف لامبالية بما يجري داخل سوريا منذ أكثر من ثلاث سنوات، رغم مناشدات دولية وعربية، وعارضت تسليح المعارضة بأسلحة نوعية، بل وحاولت منع الدول الراغبة من فعل ذلك.

أسباب عديدة تقف وراء التحول الأميركي، لا تختصر على مشاهد قتل الصحفيين الأميركيين من طرف داعش، بل تتعداها إلى أن داعش بات يهدد أميركا وحلفاءها ومصالحها في المنطقة

غير أن هذا التحول له حيثياته وأسبابه الأميركية، الخاصة، ويقتصر على الجانب العسكري، ضمن إستراتيجية الحرب على تنظيم "الدولة الإسلامية"  (داعش)، وبالتالي يبرز السؤال عن وضع السوريين في هذه الحرب التي تجري على أراضيهم، وهل أخذت في الحسبان المخاطر التي قد تسببها وتزيد من هول الكارثة التي ألمّت بهم، نتيجة الحرب الشاملة التي بدأ بشنها النظام السوري على غالبية السوريين، بوصفهم الحاضنة الاجتماعية للثورة السورية.

حيثيات التحول
جاء التحول في الموقف الأميركي بعد سنوات من اللامبالاة والمماطلة والتردد، إلى أن بات الوضع كارثيا وخطيرا، ولعل أسبابا عديدة تقف وراء التحول، لا تختصر على مشاهد قتل الصحفيين الأميركيين من طرف عناصر داعش، ومدى تأثير ذلك على الرأي العام الأميركي، بل تتعداها إلى أن داعش بات يهدد الولايات المتحدة وحلفاءها ومصالحها في المنطقة، خاصة مع سيطرته على مناطق واسعة في العراق وسوريا، وعلى بعض حقول النفط في سوريا، واقترابه من حقول كركوك والشمال العراقي.

يضاف إلى ذلك أن مقاتلي داعش لم يعودوا بضعة آلاف، ضمن مليشيا منفلتة، بل تعدى عددهم الثلاثين ألف مقاتل، ولهم قيادة عسكرية، مكونة من ضباط محترفين، يضعون إستراتيجية، تعتمد على المباغتة وسرعة الانتشار والاقتحام، فضلا عن استخدام تنظيم الدولة لماكينة إعلامية، تنفذ ما تريده وفق حرفية عالية، وباستخدام متقن لوسائل الاتصال الحديثة.

ويتكون الجسم الأساسي لتنظيم داعش من عناصر غير سورية، حيث تفيد تقارير موثوقة بأن عدد المقاتلين القادمين من الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وسواها، يشكلون جيشا من عدة آلاف، وهناك تخوف كبير مما سيفعله هؤلاء حين يعودون إلى الولايات المتحدة وبلدانهم الأوروبية، بل هناك خشية حقيقية من قيامهم بأعمال انتقامية وشيكة، على غرار ما حدث من قبل، في نيويورك وواشنطن ولندن ومدريد وباريس وغيرها.

ولعل هذه الحيثيات والأسباب جعلت الرئيس الأميركي يعدل عن عدم اكتراثه ولامبالاته، ويتحرك سريعا لتوجيه ضربات جوية إلى بعض مواقع داعش في العراق وسوريا، كونه بات يمتلك مبررات لانتقال القرار الأميركي من موقف المتفرج غير المكترث بما يجري إلى موقف الفاعل الذي يريد تصفية هذا التنظيم، وعدم ترك ملاذ آمن له.

لكن ذلك لا يلغي أن التحول في الموقف جاء على خلفية الإقرار بأن وجود الخطر لا يختصر على العراق وسوريا، بل له امتدادات إقليمية ودولية، لذلك اضطر الرئيس الأميركي إلى وضع إستراتيجية، تسعى إلى تصفية مقاتلي داعش وأشباهه "أينما وجدوا".

مخاوف السوريين
غير أن الأولوية، بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية وللحلف الذي تسعى إلى تشكليه، ليست سوريا، بل العراق، وبالتالي يبدو مؤجلا التحرك الأميركي الفاعل لحل الأزمة في سوريا إلى حين حدوث تطور ما.

وقد تكتفي الإدارة الأميركية بتوجيه ضربات جوية مباغتة، وآنية، لمواقع التنظيم في كل من الرقة ودير الزور والبوكمال وتل أبيض وسواها، مثلما فعلت في الجولة الأولى من عمليات القصف، التي قامت بها في الساعات الأولى من صباح 22/9/2014، وذلك من أجل لفت الرأي العام الغربي والحلفاء إلى أنها جادة في محاربة التنظيم.

تزداد مخاوف السوريين من خطة أوباما ضد داعش في سوريا، كونها قد تمتد إلى عدة سنوات، ما يعني زيادة الكلفة البشرية والمعاناة الإنسانية دون أن تتضمن رؤية سياسية لحل الأزمة

ومع ذلك هناك تخوف لدى السوريين من ألا يكون الرئيس الأميركي جادا في المضي بإستراتيجيته، وخاصة في جانب دعم وتسليح المعارضة السورية، مثلما لم يكن جادا في ضربة عسكرية ضد النظام السوري، حين اخترق الخط الأحمر الذي وضعه أوباما بنفسه، ثم محاه في صفقة، جردت القاتل فقط من سلاحه، ولم تكترث لأرواح الضحايا.

وتزداد مخاوف السوريين من خطة أوباما ضد داعش في سوريا، كونها قد تمتد إلى عدة سنوات، وما يعني ذلك من زيادة الكلفة البشرية والمعاناة، ولا تتضمن رؤية سياسية لحل الأزمة، وتتحدث عن تدريب خمسة آلاف مقاتل، تختارهم الجهات الأميركية المختصة من بين عناصر "الجيش السوري الحر"، بهدف محاربة داعش ودحرها على الأرض، في حين أن مقاتلي الجيش السوري الحر وجميع "المعتدلين"، يرون في النظام خطرا إلى جانب داعش، ويساوون بين النظام وبينه، بل ويعتبرونه صنيعته، ولن يتوقفوا عن محاربته.

وتثير تعقيدات الوضع العسكري في سوريا التباسا في فهم التطورات الحاصلة فيها، لدى واضعي الإسترتيجية الأميركية، الذين لا يأخذون معاناة السوريين في الحسبان، ولا يضعونها ضمن حساباتها، حيث إن السوريين -معارضة سياسية أو عسكرية- لم يشتركوا أو يستشاروا في وضع الخطة الأميركية، وكل ما عليهم هو تنفيذ ما تريده الإدارة الأميركية منهم، أي أن يبقوا في موقع المنفعل وليس الفاعل.

والأمر لا يعود برمته إلى الطرف الأميركي فقط، إنما يعود أيضا إلى مختلف أطراف المعارضة السورية، التي ارتضت لعب هذا الدور منذ بداية الأزمة، وراهنت على الدور الخارجي من أجل دعمها ونصرة قضيتها.

ولعل المهم هو أن تعرف المعارضة السورية كيفية الاستفادة من محاربة داعش والدعم الذي قد تتلقاه، من أجل تجييره في صالح تعجيل الخلاص من الوضع الكارثي. وهذا يتطلب فهم السياسات المتناقضة بين دول المنطقة، التي تترتب عليها اصطفافات إقليمية، لدول تتنافس في لعب الأدوار في المنطقة، مثل تركيا وإيران، ومدى انعكاس ذلك في الحرب على داعش.

وقد عانت أطراف المعارضة السياسية السورية ضعفا مزمنا في قراءة الموقف الأميركي من الأزمة السورية، بالنظر إلى السمة الرغبوية، التي طبعت تلك القراءة، فضلا عن صدورها عن موقع الضعيف، وليس القوي أو المؤثر في مسار تطور الأحداث. والأمر ذاته ينطبق على موقف المعارضة السياسية حيال قوى الثورة في الداخل، منذ البدايات، التي طاولها تراكم الأخطاء والانحرافات، ولم تتمكن القوى السياسية المعارضة وقتها من قيادة الثورة أو توفير مظلة سياسية لها، توجهها وتقودها.

جرعة الخذلان
المخاتلة في سياسات الإدارة الأميركية حيال سوريا هو جرعة الخذلان التي تجرعها سوريون كثر، حيث عمدت إلى القول بحتمية الحل السياسي، وأن لا حل عسكريا للأزمة في سوريا، وهو ما يوافق رؤية سوريين كثر، لكن من غير أن تبذل الإدارة الأميركية أي جهد حيال العمل على تهيئة ظروف ومعطيات الحل السياسي المنشود.

بالمقابل، لا يكل نظام الأسد من استجداء الولايات المتحدة ودول العالم، كي تقوم بدور ما في الحرب على الإرهاب، مع العلم أنه لم يتوقف يوما عن ممارسة الإرهاب ضد شعبه، وأسهم في رعاية وتقوية كل أصناف الإرهاب. وهناك آراء تحذر من أن الحرب على داعش قد تصب في مصلحة النظام، وربما ستقوي موقفه عسكريا. وكان واضحا أن نظاما استخدم السلاح الكيميائي ضد شعبه الأعزل، لا يمكن للولايات المتحدة أو سواها من دول الغرب أن تضع يدها بيده، لأسباب أخلاقية على الأقل.

وقد حاول النظام الإيهام بأن الإدارة الأميركية نسقت معه وأخبرته بموعد الهجمات الجوية الأولى على مواقع داعش وأشباهه، لكن تبين أن الأمر لم يتعد الإخطار بالهجمات، كي لا يتعرض لأية طائرة لقوات دول التحالف، ولتذكيره بتحذير الرئيس الأميركي، باراك أوباما، من أنه "إذا فكر وأمر قواته بإطلاق النار على الطائرات الأميركية، التي تدخل المجال الجوي السوري، فسندمر الدفاعات الجوية السورية عن آخرها، وسيكون هذا أسهل لقواتنا من ضرب مواقع داعش".

بين تعويل نظام الأسد ورهانات الإدارة الأميركية يبقى السؤال عن معاناة السوريين ومصير سوريا، وعن طموحات الثائرين في الخلاص من نظام الأسد، والسير نحو تحقيق أهداف الثورة في الحرية والتحرر

والأكيد هو أن نظام الأسد يعي جيدا أنه لا يمكنه الإقدام على "أي عمل يندم عليه"، ويعي كذلك أن واشنطن لن تنسق معه حول الضربات الجوية ضد تنظيم داعش، لذلك لم يجد سوى الترحيب بالغارات، مستجديا التنسيق معه من جديد، الأمر الذي أثار حفيظة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الذي طالب بالتنسيق مع نظام الأسد واحترام سيادته المفقودة، فيما لام الرئيس الإيراني حسن روحاني حليفه السوري على قبوله قصف أراضيه.

ويبدو أن المهم بالنسبة لنظام الأسد هو اطمئنانه إلى أن قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لن تضرب مواقع قواته والمليشيات الإرهابية التي تقاتل دفاعا عنه، مثل مليشيا حزب الله وأبو الفضل العباس وعصائب الحق وسواها.

ويراهن هذا النظام على أن تؤدي الغارات الأميركية إلى إضعاف قوات المعارضة، على أمل أن يعيد احتلال المناطق التي قد تنسحب منها داعش وغيرها، فيما تراهن الإدارة الأميركية على إنضاج الظروف التي تمكن المعارضة المعتدلة من محاربة داعش، وذلك من خلال إعادة تدريبها وتأهيلها، كي تستطيع القيام بالدور المطلوب.

وبين تعويل نظام الأسد ورهانات الإدارة الأميركية يبقى السؤال عن معاناة السوريين ومصير سوريا، وعن طموحات الثائرين في الخلاص من نظام الأسد، والسير نحو تحقيق أهداف الثورة في الحرية والتحرر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك