محسن صالح

محسن صالح

كاتب فلسطيني


بدا المشهد في الأسبوع الأول من حرب غزة الأخيرة لدى بعض القوى الإقليمية والدولية وهي تتعامل ببرود لافت للعيان مع الهجوم الإسرائيلي الوحشي على القطاع، وكأنها تنتظر "سقوط الثور" (المقاومة) حتى تجهز عليه وتتناوشه بسكاكينها.

خاب فألهم.. لم يكن ثورا في مهرجان إسباني لصراع الثيران.. أولئك الذين كانوا يودون التلذذ بمشهد السقوط.. تسارعت نبضات قلوبهم.. وأحرقوا آخر نفَس في الـ"سيجار".. وهم يرون ماردا "مؤمنا" صاعدا يقلب حساباتهم.

* * *

منذ إنشاء الكيان الصهيوني لم تعش المقاومة الفلسطينية بيئة إقليمية أسوأ من تلك التي عاشتها قبل العدوان الإسرائيلي على القطاع في صيف 2014 وفي أثنائه، الترتيبات كانت تجري على قدم وساق لإغلاق ملف المقاومة الفلسطينية ولإعداد مراسيم جنائزية "لائقة"!

جاء "اتفاق الشاطئ" وتفعيل المصالحة وإنهاء حكومة حماس وتسليمها الإدارة لحكومة التوافق ليفسره كثيرون بمن فيهم القيادة الفتحاوية بأن حماس جاءت إلى المصالحة وهي راغمة

كانت ثمة قناعات لدى اللاعبين الكبار أنه حتى يتم إغلاق ملف الثورات وتعود الأنظمة الفاسدة والمستبدة للتموضع بشكل يسمح لها بالاستمرار مع تكريس حالة من الضعف والتمزق الطائفي والعرقي، بما يوفر أيضا بيئة إستراتيجية مثالية للكيان الإسرائيلي، لا بد من:

- ضرب الاتجاهات الرئيسية التي شكلت قاطرة رئيسية للتغيير وخصوصا الاتجاهات الإسلامية.
- لا بد من إغلاق الملفات التي تشكل عنصرا للتفجير في المنطقة، وتحديدا الملف الفلسطيني وجذوته المتمثلة في العمل المقاوم.

في مطلع الصيف كان هناك ما يبرر صقل السكاكين والسيوف.. حالة حصار غير مسبوقة من النظام المصري أغلقت "الرئة الاصطناعية" التي كان يتنفس منها (الأنفاق).. استمرار الحصار الإسرائيلي.. توقف المساعدات منذ نحو سنة ونصف من إيران و"قوى الممانعة"، ضيق وانزعاج من أطراف الاعتدال والممانعة من تيار "الإسلام السياسي" السني الذي تشكل حماس مركزه الفلسطيني.

وجاء "اتفاق الشاطئ" وتفعيل ترتيبات المصالحة وإنهاء حكومة حماس في القطاع وتسليمها الإدارة لحكومة التوافق الوطني ليفسره كثيرون بمن فيهم القيادة الفتحاوية في رام الله أن حماس جاءت إلى المصالحة وهي راغمة، بل جاءت وهي "شالحة" كما ذكر قيادي فتحاوي كبير في أحد مجالسه.

عندما سارت الحرب في أيامها الأولى كانت أطراف عربية تتوقع أن تتلقى حماس الصفعات والضربات القاسية وأن تخرج مخفوضة الرأس مهيضة الجناح كان إعلامها باردا، كما كان سمجا وهو يستبطئ سقوط "الثور"، أما في مصر فلم يكتف معظم الإعلام الفعال بالابتعاد عن الدور الوطني والقومي والعروبي والإسلامي المعتاد لمصر، وإنما انضمت جوقات إعلامية لحفلات الطبل والزمر في تشويه المقاومة وتشويه نضال الشعب الفلسطيني والتبرير للعدوان الإسرائيلي.

فالإعلامية أماني الخياط وصفت العدوان الإسرائيلي بأنه مسرحية هزلية تديرها حماس، وبرر توفيق عكاشة الهجوم الإسرائيلي وطالب أهل غزة بالثورة على حماس، وطالبت أماني الدرديري السلطات المصرية بمساعدة "إسرائيل" في القضاء على حماس، ووصلت الفجاجة بمذيع مثل محمد الغيطي بعرض صور مفبركة مزورة في برنامجه على قناة التحرير لإسماعيل هنية قائد حماس في القطاع، تتهمه بعلاقات جنسية مع "نساء الموساد"، كما فبركت مجلة روز اليوسف أكاذيب أخرى.

الكيان الإسرائيلي الذي كان مرتاحا للأداء العربي -خصوصا المصري- لم يخفِ سعادته بالعلاقة التي نتجت مع دول المنطقة، ورأى فيها ذخرا مهما لـ"إسرائيل" كما قال نتنياهو، وكانت وزيرة العدل الإسرائيلية تسيبي ليفني أكثر صراحة عندما تحدثت عن أن هناك توافقا مع مصر على خنق حماس.

أما إسحق هرتسوغ رئيس حزب العمل وزعيم المعارضة الإسرائيلية فتحدث في مقابلة مع يديعوت أحرونوت عن "حلف آسر في المنطقة يشمل مصر والأردن والسلطة الفلسطينية (في رام الله) والسعودية ودول الخليج"، مؤكدا أن "إسرائيل" جزء منه، وأن هذا الحلف يعبر عن رؤية إقليمية.

صحيفة الجيروزاليم بوست تحدثت في10/7/2014 عن أن مصر و"إسرائيل" تشكلان يدا واحدة ضد حماس، بينما وصف موقع صحيفة معاريف على الإنترنت العلاقات المصرية الإسرائيلية بأنها وصلت إلى مرحلة "التحالف الشجاع"، أما داني دانون نائب وزير الدفاع الإسرائيلي السابق فقال -بعد نحو شهر من الحرب على غزة- إن المصريين طلبوا من الإسرائيليين الاستمرار في ضرب حماس لأنها لم تتألم بما فيه الكفاية.

لم يكن مطلوبا من المقاومة أكثر مما فعلت، قياسا بحركة محدودة الإمكانات تدافع عن شرف الأمة وكرامتها في مواجهة أحد أقوى جيوش العالم، فكان المطلوب الصمود والبطولة وإفشال خطط العدو، وهذا ما حدث

وتحدث موقع ديبكا الاستخباري الإسرائيلي عن رسالة بعثها النظام المصري أن مصر لم تتمكن من إقناع حماس بتقديم أي تنازلات لأن "الجيش الإسرائيلي لم يضرب حماس بما يكفي من قوة".

ولخص المستشرق الإسرائيلي المعروف "إيهود إيعاري" المشهد بقوله إن الرئيس المصري السيسي يريد أن يرى حركة حماس تنزف، وأن يستمر النزيف، لذلك فإنه يعمل من أجل الإمعان في إذلالها من خلال العملية التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي.

وطوال الحرب ترددت فكرة نزع أسلحة حماس والمقاومة، وقال الإسرائيليون إن هذه الفكرة تدعمها الولايات المتحدة ومصر ودول أخرى، حسب ما عبر جلعاد أردان وزير الداخلية وعضو المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر.

كان نزع أسلحة المقاومة يعني عمليا إغلاق ملف المقاومة الفلسطينية، وإذا كانت هذه الفكرة تروق للإسرائيليين والأميركيين فقد وجد فيها نظام السيسي ضربة للإسلام السياسي وفرع "الإخوان" في فلسطين، كما وجدت فيها بعض أطراف السلطة الفلسطينية فرصة لتهميش تيار المقاومة، والهيمنة على الساحة الفلسطينية، وفرض أجندتها المرتبطة بمسار التسوية على القضية الفلسطينية.

* * *

فاجأ أداء المقاومة الجميع وأربك حساباتهم، فالمقاومة صمدت على الأرض وقدمت أداء بطوليا، والمقاومة مرغت أنوف قوات النخبة البرية الإسرائيلية في التراب، والمقاومة غطى مرمى صواريخها كافة التجمعات الصهيونية في فلسطين المحتلة، ولأول مرة منذ عشرات السنوات أبدعت المقاومة في البر والبحر والجو.

والمقاومة التفت حولها الجماهير واستعادت تألقها، وقدمت دورا متميزا لـ"الإسلام السياسي" وأقامت الحجة على الدول والشعوب، وفضحت تخاذل الأنظمة.

لم يكن مطلوبا من المقاومة أكثر مما فعلت قياسا بحركة محدودة الإمكانات تدافع عن شرف الأمة وكرامتها في مواجهة أحد أقوى جيوش العالم، فكان المطلوب الصمود والبطولة وإفشال خطط العدو، وهذا ما حدث.

لم نعد أمام "ثور" يترنح بل أمام "مارد" يصعد، ليس ماردا من الجن، وإنما مارد "مؤمن" بمفهومه الإيجابي المرتبط بالقوة والعزة والعنفوان.

* * *

وفي هذه الأيام تعيش الساحة الإقليمية حالة من التدافع و"صراع الإرادات"، والجميع تعامل مع ما حدث في غزة كمجرد "جولة" من الجولات.

الجديد في هذه الجولة أنها صدمت الموجة المرتدة العاتية التي استهدفت "الإسلام السياسي" وتيارات المقاومة، وأنها كشفت عن حجم التضليل الهائل والإعلام الأسود الذي تتعرض له المنطقة طوال أشهر عديدة، وأن هذه الجولة أعادت للتيار الإسلامي السني المعتدل صورته الطبيعية، وأكدت التفاف جماهير واسعة حوله، وأخرجت الناس من الثنائية المقيتة التي أرادت بعض القوى أن تضعهم بين أحد خياريها: وهو إما أنظمة فاسدة مستبدة، وإما نموذج مشوه للإسلام يستسهل التكفير والولوغ في الدماء.

"إسرائيل" والقوى الإقليمية التي أقلقها أداء المقاومة وكشف بعضا من عوراتها ستواصلان السعي في الأيام القادمة لإفراغ إنجازات المقاومة من محتواها، والحملات الإعلامية ستستأنف ضد المقاومة، وسيجري التركيز على الدمار والخسائر التي وقعت في القطاع مع تحييد متعمد للحديث عن المقاومة وبطولاتها وصمودها.

وسيجري التركيز أيضا على ما "جرّته" المقاومة من خسائر وأضرار على الشعب الفلسطيني، وما تتسبب به مغامراتها من "كوارث" على الناس، ولكن لن يتم الحديث عن المعتدي ولا المجرم الصهيوني، ولا أنه سبب مأساة الشعب الفلسطيني.

مطلوب أن توقّع كافة الفصائل والتيارات الفلسطينية على ميثاق يجعل سلاح المقاومة خطا أحمر، ويرفض نزع أسلحتها، ويرفض تطبيق إملاءات الاحتلال في الضفة الغربية على الوضع في قطاع غزة

سيتم التركيز على لوم الضحية، وعلى من حاول أن يدافع عن شرفها، وسيحاول الطرف الإسرائيلي -ومعه أطراف أخرى- تأخير الإعمار ومعالجة الدمار حتى "يتعفن" جرح الناس، وحتى يجبروا الناس على الانفضاض عن المقاومة، ليسهلوا بعد ذلك على أنفسهم الانقضاض عليها، سيحاولون إعادة المارد إلى "القمقم"، وسيجهزون السكاكين من جديد.

* * *

لن تكون المهمة سهلة أمام المقاومة للدفاع عن نفسها ومكتسباتها، فالهجمة ستكون شرسة، وقد تكون بأدوات ومعايير أكثر قسوة، ولذلك فأمام المقاومة جدول عمل طويل وشاق، مطالبة فيه بأن تحافظ على قوتها وتماسكها، وأن تزداد التصاقا بالجماهير وهموم الناس، وأن تبقى بوصلتها مصوبة ضد الاحتلال الإسرائيلي.

مطلوب أن توقّع كافة الفصائل والتيارات الفلسطينية على ميثاق يجعل سلاح المقاومة خطا أحمر، ويرفض نزع أسلحتها، ويرفض تطبيق إملاءات الاحتلال في الضفة الغربية على الوضع في قطاع غزة.

ومطلوب أيضا ألا يتم الاستفراد بقطاع غزة الذي صمد وأبدع في ثلاث حروب كبيرة، يجب ألا يستفرد به في أي مرة قادمة، ويجب أن تستعيد باقي فلسطين حيويتها وكذلك شعبها في الخارج ومعهم أبناء أمتنا العربية والإسلامية وأحرار العالم.

* * *

صحيح أن البيئة الإقليمية ما زالت غير مواتية للمقاومة، وصحيح أن المخاطر كبيرة، ولكننا ننبه إلى أن البيئة هذه تضطرم بالحركة والتغيير، وربما كسبت جهات بعض الجولات، لكن النتائج لم تستقر بعد لأحد، كما أن المقاومة في معظم تاريخها الحديث والمعاصر لم تعمل في بيئات إقليمية مواتية، ثم إن قضية فلسطين أولا وأخيرا هي قضية حق وعدل، وقضية تكفل الله سبحانه بها، وسترجع فلسطين عاجلا أم آجلا بعز عزيز أو بذل ذليل، والمهم تجاوز العقبات بأقل الخسائر وأفضل النتائج بإذن الله.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك