خورشيد دلي

خورشيد دلي

صحفي سوري


سيناريو أكراد العراق
محاذير غربية
الاختبار على الأرض

مع تواصل الجهود الأميركية لاستكمال إستراتيجية الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) تتجه الأنظار إلى القوى الموجودة على الأرض لمحاربته في إطار الإستراتيجية الأميركية.

في سوريا تبدو قوات وحدات حماية الشعب الكردية المعروفة بـ"ي ب ك" هي القوة الوحيدة التي لها سجل موثوق في الحرب ضد هذا التنظيم، إذ خاضت هذه القوات خلال السنتين الماضيتين مواجهات شرسة مع مقاتلي داعش في مناطق متفرقة في ما يعرف بكردستان الغربية أي المناطق الكردية في سوريا.

ولعل من أهم هذه المواجهات تلك التي جرت في رأس العين (سري كانيه) وجزعة وتل حميس وتل معروف ومعبر ربيعة المعروف بـ"تل كوجر" على الحدود السورية-العراقية، حيث يكتسب التنظيم يوما بعد آخر المزيد من القدرات والنفوذ والقوة والشعبية في المناطق الكردية السورية.

سيناريو أكراد العراق

يطمح أكراد سوريا إلى تكرار سيناريو الدعم الغربي لأكراد العراق من خلال إثبات جدارتهم في المعارك الجارية وإبداء الاستعداد للتعامل مع التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن والانفتاح على قوى المعارضة السورية
في العمق يشعر أكراد سوريا -وتحديدا حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي والقوات العسكرية المنضوية تحت رايته (ي ب ك، والأساييش)- بازدواجية المعايير الغربية في التعامل معهم، ولعلهم يتساءلون لماذا يندفع الغرب لدعم ومساندة إخوانهم من أكراد العراق في مواجهة داعش، في حين لا يتوافر مثل هذا الدعم لهم رغم أنهم أثبتوا جدارتهم في مواجهة التنظيم؟

وعليه، ربما يطمح هؤلاء إلى تكرار سيناريو الدعم الغربي لأكراد العراق من خلال إثبات جدارتهم في المعارك الجارية وإبداء الاستعداد للتعامل مع التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن والانفتاح على قوى المعارضة السورية، أملا في الحصول على سلاح متطور يقوي من دورهم في التطورات الجارية ويجلب لهم المزيد من الاعتراف المحلي والإقليمي والدولي.

ترى قوات وحدات الحماية الشعبية الكردية أن ما جرى في سنجار ضد الإيزيديين، والدور الذي لعبه التنظيم في إجلاء آلاف الإيزيديين فتحا صفحة جديدة في العلاقة مع القوى الغربية ولا سيما الولايات المتحدة، حيث للمرة الأولى جرى لقاء علني بين الجانبين في سنجار خلال عمليات إجلاء الإيزيديين رغم أن التنظيم يعد الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني المصنف في لائحة الإرهاب.

ويبدو أن تأكيد وزير الخارجية الأميركية جون كيري على ضرورة دعم القوى المحلية على الأرض المستعدة للعمل ضد داعش زاد من آمال أكراد سوريا بالمزيد من الانفتاح الغربي عليهم والحصول على المساعدات التي يتمنونها.

وأبعد من خطوة الحصول على الدعم الغربي فإن أكراد سوريا وتحديدا حزب الاتحاد الديمقراطي يأملون من مثل هذا الانفتاح بتحقيق جملة من الأهداف، لعل أهمها:

1- تحسين حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي لصورته في الداخل والخارج في ظل الاتهامات الكثيرة الموجهة له، مما يعزز من نفوذه ويكرسه قوة مهيمنة بالمناطق الكردية في سوريا.

2 - جلب اعتراف دولي بالحقوق القومية الكردية في سوريا، خاصة أن الحزب أعلن منذ أكثر من سنة عن مشروع الإدارة الذاتية الذي قام على إقامة ثلاثة كانتوتات في الجزيرة وعفرين وكوباني (عين العرب) كشكل من أشكال الحكم المحلي، حيث تواجه هذه الإدارة صعوبات وتحديات كثيرة بسبب الحصار والظروف الحياتية الصعبة، فضلا عن الوضع الأمني المتفجر.

3- من شأن هذا الدعم جعل القضية الكردية في سوريا على طاولة المشهد السياسي السوري المستقبلي وضرورة إقرارها في أي حل للأزمة مستقبلا. ومن دون شك يدرك أكراد سوريا أن آمالهم هذه لا يمكن أن تتحقق من دون ثمن، ورغم أن الثمن معروف، وهو القيام بدور أساسي في الحرب ضد داعش على الأرض، ورغم أن هذا الأمر متحقق من قبل فإن تقديم الغرب الدعم لهم يواجه عقبات كثيرة.

محاذير غربية
ثمة شكوك غربية كثيرة بشأن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي يسيطر على المناطق الكردية، وتنبثق هذه الشكوك من جملة محاذير وأسباب، لعل أهمها:

هناك حديث عن علاقة سرية بين حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي والنظام السوري، ووجود تنسيق بين الجانبين تجلى في إخلاء النظام العديد من مواقعه ومقاره في المناطق الكردية وسيطرة الحزب عليها دون صدام أو مواجهة

1- الحديث عن علاقة سرية بين الحزب والنظام السوري، ووجود تنسيق بين الجانبين تجلى في إخلاء النظام العديد من مواقعه ومقاره في المناطق الكردية وسيطرة الحزب عليها دون صدام أو مواجهة.

2- يعد الحزب في الأساس الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني بقيادة عبد الله أوجلان المعتقل في تركيا منذ 15 عاما، وهو المصنف في قائمة الإرهاب.

وعليه، فإن أي دعم غربي لأكراد سوريا يواجه برفض تركي لأسباب تتجاوز الأزمة السورية إلى السياسة التركية تجاه القضية الكردية في عموم المنطقة والصراع الجاري مع حزب العمال الكردستاني، وخوف تركيا الدفين من ولادة إقليم كردي ثان على حدودها الجنوبية، مما يلهب حماس أكراد تركيا برفع سقف مطالبهم في تركيا، حيث تتقدم عملية السلام بين الجانبين ببطء وحذر شديدين.

3 - العلاقة المتوترة بين حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وباقي فصائل المعارضة السورية السياسية والعسكرية بما في ذلك الائتلاف الوطني والجيش الحر، حيث جرت مواجهات بين الجانبين في أكثر من ساحة ومكان خلال الفترة الماضية.

4- العلاقة المتوترة بين مجلس غرب كردستان الذي ينضوي فيه حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وبين أحزاب المجلس الوطني الكردي الذي يتخذ من أربيل مقرا ومرجعية له، حيث يشكو الأخير من احتكار مجلس غرب كردستان ساحة أكراد سوريا وفرض نفوذه بالقوة، فيما يقول الأخير إن النضال لا يكون من خلال فنادق أربيل وعن بعد، وإنما بالعمل المضني على الأرض وتقديم التضحيات.

هذا فضلا عن أنه يشكو من محاولة فرض أربيل الوصاية على أكراد سوريا في إطار التنافس التاريخي بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني وحزب العمال الكردستاني بزعامة أوجلان.

دون شك، هذه الأسباب تشكل محاذير غربية في التعامل مع قوات وحدات الحماية الشعب الكردية، وعليه تنظر واشنطن بعين الريبة والشك في التعامل مع هذه القوات رغم خبرتها القتالية الناجحة نسبيا في مواجهة داعش والتي نجحت حتى الآن في حماية المناطق الكردية السورية من الوقوع تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية.

لكن رغم المحاذير والريبة الأميركية فإنه من الواضح أن واشنطن -خاصة بعد إشارتها إلى دعم القوى المحلية على الأرض- باتت تنظر إلى أكراد سوريا كحليف جيوسياسي يمكن لهم أن يلعبوا دورا فاعلا على غرار أكراد العراق في إطار إستراتيجيتها لمحاربة داعش، خاصة أن التطورات الجارية أفرزت شكلا من أشكال التعاون أو التحالف بينهم وبين قوى المعارضة السورية التي تصفها واشنطن بالمعتدلة وتسعى إلى تشكيلها في جبهة واسعة، سواء لمحاربة داعش أو النظام.

الاختبار على الأرض
بانتظار استكمال الإستراتيجية الأميركية ضد داعش في سوريا وشكل التحرك العسكري ضده وتهيئة القوى التي ستقوم بتنفيذ هذه الإستراتيجية على الأرض، من الواضح أن قطار التحالفات بين القوى المقاتلة على الأرض السورية تحرك باتجاه تشكيل جبهة مقبولة غربيا لتكون مصدر ثقة يمكن الاعتماد عليها.

يعتقد أكراد سوريا أنه رغم كل التحفظات الغربية على دعمهم عسكريا فإن موقعهم الجغرافي وخبرتهم القتالية ضد داعش واستعدادهم للمزيد وغياب قوى يمكن الاعتماد عليها كلها أسباب كفيلة بجعلهم شريكا موثوقا في التحالف الجاري

ولعل التطور الأسرع والأبرز هنا هو الإعلان عن تشكيل أوسع تحالف بين الأكراد والعديد من الفصائل المقاتلة في شمال سوريا باسم "غرفة عمليات بركان الفرات"، وهو تحالف ضم قوات وحدات حماية الشعب الكردية والعديد من الكتائب التابعة للجيش الحر وغيره من الفصائل المسلحة لمحاربة داعش في الريف الشمالي لحلب ومحافظة الرقة.

وإذا كان هذا الإعلان يشكل تحولا لافتا في علاقة الأكراد بالفصائل المسلحة فإن التوقيت يحمل رسائل سياسية غير بعيدة عن الجهود التي تبذلها واشنطن في تشكيل التحالف الجاري ضد داعش والقوى التي ستتحرك ضده على الأرض.

وإذا كانت رسالة التحالف الجديد لواشنطن هي أنه يمكن الرهان عليه في تنفيذ الإستراتيجية الأميركية فإن الأمر بالنسبة للأكراد يحمل رسائل كثيرة، أولاها: تأكيد عدم صحة الحديث عن أنهم في تحالف غير معلن مع النظام ضد القوى المطالبة بإسقاطه.

وثانيتها: أن أكراد سوريا ينطلقون في كفاحهم من أجل نيل حقوقهم القومية من معادلة وطنية سورية، وأنهم على استعداد للعمل المشترك مع باقي القوى السورية لبناء سوريا جديدة يكون فيها اعتراف بهذه الحقوق.

وثالثتها: رسالة إلى الغرب وحتى تركيا بضرورة تصحيح النظرة المسبقة وغير الدقيقة عن طبيعة الحركة الكردية وارتباطاتها، وبالتالي تطلعاتها وما يترتب على ذلك من نظرة جديدة. في النهاية، ربما يعتقد أكراد سوريا أنه رغم كل التحفظات الغربية على دعمهم عسكريا فإن موقعهم الجغرافي وخبرتهم القتالية ضد داعش واستعدادهم للمزيد وغياب قوى يمكن الاعتماد عليها كلها أسباب كفيلة بجعلهم شريكا موثوقا في التحالف الجاري، وبما تفضي الأحداث إلى نوع من الاعتراف الدولي والمحلي بقضيتهم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك