فارس الخطاب

فارس الخطاب

أكاديمي وإعلامي عراقي


كما هي أجواء العالم عام 1990 حين سعت أميركا لقيادة تحالف دولي يشارك في حرب تخرج العراق من الكويت، ومثلما هي أجواء عام 2003 حين حاولت واشنطن ولندن جعل الحرب على بغداد حربا عالمية فإن "المكاسب" التي حققها عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في هذا البلد أصبحت سببا مركزيا لحشد عالمي جديد بقيادة الولايات المتحدة يدعو إلى الحرب على التنظيم، وأيضا فوق الأراضي العراقية.

شمل الحشد حتى الآن الكثير من دول العالم التي تأثرت بسياسة التهويل الإعلامي حول تنظيم الدولة الإسلامية، خاصة حلفاء واشنطن في المنطقة، ومن هذه الدول مثلا المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن ومصر وتركيا وغيرها، إضافة إلى قوات البلد "المضيف" العراق.

وبعد اجتماعات قمة دول حلف شمال الأطلسي في مقاطعة ويلز البريطانية مطلع سبتمبر/أيلول الجاري بحضور نحو ستين رئيس دولة، وبعد حصول التوافق على خطورة تنظيم "داعش" والاتفاق على حربه تحركت الرئاسة والدبلوماسية الأميركية لحشد دول العالم وتعميم فرضية "خطر داعش" وإشعار هذه الدول بقرب تحرك هذا التنظيم وهيمنته على ملفات الأمن في أوروبا وآسيا.

إن تحليل الموقف الأميركي والأوروبي من موضوع خطر "داعش" يبدو غير مرتبط بما يسيطر عليه التنظيم من أراض في سوريا والعراق، تحديدا، حيث لم تحرك هذه الدول ساكنا إزاء تمدد التنظيم في الدولتين من قبل

إن تحليل الموقفين الأميركي والأوروبي من موضوع خطر "داعش" يبدو غير مرتبط بما يسيطر عليه التنظيم من أراض في سوريا والعراق تحديدا، حيث لم تحرك هذه الدول ساكنا إزاء تمدد التنظيم في مساحات كبيرة بسوريا ثم سيطرته شبه الكاملة على ثلاث محافظات مركزية في العراق، لكن المعلومات الاستخبارية للدول الغربية ترى أن ظهور "خليفة" لهذه الدولة المعلنة في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم "داعش" من حدود كردستان العراق حتى حدود لبنان مرورا بمحافظات سورية، وامتلاكه القدرة المالية والتجهيزات اللازمة للحشد وإدارة المعارك، إضافة إلى قدرته على استخدام الإعلام بشكل متقن ومواكب لتقنيات العصر جعل من هذه الدولة منارا يهتدي إليه كل من لديه شعور بالحيف أو الظلم أو التهميش، سواء له شخصيا أو للإسلام كدين (حسب معتقداتهم).

ثم سجلت دوائر الاستخبارات الأوروبية والأميركية استقطاب الكثير من الشباب المسلمين من بلدانهم وتورطهم بالعمل مع مقاتلي هذا التنظيم، والخطر هنا هو إعادة تصدير "الإرهاب" من الشرق الأوسط إلى دول أوروبا والولايات المتحدة من خلال آلاف الشباب المعبئين أيديولوجيا والمدربين تدريبا عاليا.

وتؤكد تسريبات لصحف غربية وجود أكثر من أربعة آلاف مقاتل في صفوف الدولة الإسلامية (داعش) يقاتلون في العراق وسوريا حاليا، ولا نجافي الحقيقة إذا أكدنا أن الدول الغربية عموما ترى أن خطر قيام مواطنيها المنتمين للتنظيم بعمليات إرهابية "قائم ومرتفع للغاية" بحسب محلل الشؤون الأمنية وقضايا الإرهاب في شبكة "سي إن إن" الأميركية بول كريكشانك.

من جانبه، يرى وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند أن "تنظيم الدولة الإسلامية وسائر الجماعات الإرهابية الإسلامية الأخرى غير منظمة وغير مستقرة وخطيرة للغاية، فهي تهدد بنى الدول السيادية وتدفع أعدادا كبيرة من السكان للنزوح هربا من وحشيتها، مما يحتم عواقب وخيمة على حلفائنا وأصدقائنا في المنطقة".

وأضاف أن رفع درجة التأهب الأمني في المملكة المتحدة لا يعود فقط لتهديد جماعات -مثل داعش- أمن المصالح البريطانية في الخارج وحسب، بل للتهديد الخطير الذي باتت تشكله على الأمن القومي في المملكة المتحدة والغرب والعالم العربي على حد سواء، و"أنها سوف تسعى على الأرجح عاجلا إلى توجيه ضربة لنا في الداخل".

الولايات المتحدة وبريطانيا إذاً وجدتا مبررات قيادة حملة عالمية لحرب جديدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، والرئيس الأميركي المتحفظ في مسألة توريط بلاده بأي حرب تفضي لخسائر بشرية واقتصادية طوال فترة حكمه يجد نفسه مكرها على اتخاذ قرار الحرب، مفترضا تجنيب بلاده استخدام قوات برية من خلال استخدام القوات العراقية وقوات البشمركة الكردية على الأرض.

المرحلة الأخيرة من الحرب على داعش هي ملاحقة وتدمير كل مواقع وأماكن تواجد قيادات التنظيم وإنهاء وجوده كليا من المنطقة، وقد وضع قادة الحرب في الجيش الأميركي ثلاث سنوات كفترة مفترضة لهذا السيناريو!

لكنه مع ذلك شدد أكثر من مرة على أن "النصر على تنظيم الدولة الإسلامية لا يمكن تحقيقه دون أن يشارك سنة العراق وسوريا في الحرب"، باعتبار أن السنّة الذين يعانون من أوضاع صعبة بعد احتلال العراق يشكلون حاضنة طبيعية لهذا التنظيم الذي يرى بعضهم فيه مخلصا لهم من بطش المليشيات الحكومية العراقية المرتبطة بإيران وكذلك قوات الأمن التي غالبا ما توصف بالطائفية.

وزراء الخارجية العرب أقروا في اجتماع لهم في القاهرة في 7 سبتمبر/أيلول الجاري اتخاذ كل الإجراءات الضرورية لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية والتعاون مع كل الجهود الدولية والإقليمية والمحلية لمحاربة الجماعات المتشددة (يعني بشكل مباشر الموافقة على التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية)، وأيدوا أيضا قرار مجلس الأمن الدولي الصادر الشهر الماضي والذي يطالب الدول الأعضاء بالتحرك لوقف تدفق الدعم اللوجستي والعسكري والمالي للمتطرفين في العراق.

أوباما إذاً أوفد وزير الخارجية جون كيري ووزير الدفاع تشاك هيغل ومستشارته الخاصة لشؤون مكافحة الإرهاب ليزا موناكو إلى الشرق الأوسط لوضع الترتيبات الخاصة ببناء التحالف العالمي لحرب جديدة في العراق تحت عنوان "مواجهة تهديد داعش"، معتبرا أن "استئصال سرطان مثل داعش لن يكون سريعا أو سهلا".

وأضاف "هذا لن يكون خلال أسبوع أو شهر أو ستة أشهر بسبب ما حدث من فراغ في السلطة في سوريا إضافة إلى العناصر التي تمرست على المعارك وخرجت من عباءة تنظيم القاعدة في العراق خلال الحرب العراقية".

سيستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن نتمكن من إجبارهم على التراجع"، كما قال نائب الرئيس جو بايدن موجها حديثه لمقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية "يجب أن يعلموا أننا سنتعقبهم حتى أبواب الجحيم إلى أن يقدموا للعدالة، لأن الجحيم هو المكان الذي سيستقر به مقامهم".

إذاً نحن أمام استنفار أميركي ودولي لمحاربة تنظيم "داعش" في العراق، وبحسب ما نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" في عددها الصادر في 8 سبتمبر/أيلول الجاري فإن خطط واشنطن لسيناريو الحرب على "داعش" في "العراق" ستتكون من ثلاث مراحل، تشمل المرحلة الأولى الاستخدام المكثف للقوة الجوية التي ستشارك بها كل الدول المتحالفة، ثم المرحلة اللاحقة وتركز على تدريب عالي المستوى للجيش العراقي وقوات البشمركة الكردية وفصائل سنية عراقية "وهو الأهم والأكثر خطورة"، وتسليحها تسليحا جيدا يتلاءم وأسلوب مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في القتال.

أما المرحلة الثالثة والأخيرة فهي ملاحقة وتدمير كل مواقع وأماكن تواجد قيادات التنظيم وإنهاء وجوده كليا من المنطقة، ووضع قادة الحرب في الجيش الأميركي ثلاث سنوات كفترة مفترضة لهذا السيناريو!

نيويورك تايمز: لدى قائد التنظيم أبو بكر البغدادي الذي أطلق على نفسه لقب "الخليفة" 24 نائبا أغلبهم من العراقيين متوسطي العمر، ويشكل ثلث هؤلاء النواب رجال كانوا ضباطا في الجيش العراقي السابق

ورغم تأكيد أوباما أن هذه الحملة على تنظيم الدولة الإسلامية "لا تعادل حرب العراق"، وأنها "شبيهة بذلك النوع من حملات مكافحة الإرهاب التي نشارك فيها باستمرار على مدى السنوات الخمس أو الست أو السبع الماضية" فإن واقع الحال يظهر تخبطا واضحا في رؤية ومواقف الرئيس الأميركي في هذا الموضوع تحديدا، خاصة وهو يقاتل تنظيما هلاميا في الشكل، منظما مترابطا في المضمون.

وبحسب بين هوبارد -الصحفي المسؤول عن تغطية أخبار "داعش" في "نيويورك تايمز"- فإن قائد التنظيم الذي أطلق على نفسه لقب "الخليفة أبو بكر البغدادي" لديه 24 نائبا أغلبهم من العراقيين متوسطي العمر، ويشكل ثلث هؤلاء النواب رجال كانوا ضباطا في الجيش العراقي السابق، ويشير هوبارد إلى أن ميزة هؤلاء الضباط هي تحريك مقاتلي داعش بصورة الجيش ضمن خطط عسكرية وليس التحرك فقط بأسلوب القوات المتمردة.

إن الدول العربية التي أعلنت تحمسها واستعدادها للحرب العالمية الجديدة في العراق مطالبة بالتأني في كل خطواتها، وألا تنساق وراء سياسات التهويل الإعلامي والنفسي التي اعتمدتها واشنطن ولندن وباريس تحديدا لتصوير خطر داعش وكأنه سيسقط كل الأنظمة وسيصل إلى أوروبا وأميركا خلال مدد وجيزة.

عليهم أن يتذكروا ويدرسوا تجارب الحربين الماضيتين في العراق أيضا، بل وحتى تجربة الربيع العربي، ففي كل هذه التجارب حذرت واشنطن دولا عربية عديدة من أنها في خطر محدق سواء من صدام حسين أو من شعوبها في أجواء الاحتجاجات العربية، أما العراق فلا يمكن الحديث عنه لأنه في حقيقة الأمر تنقصه -إلى درجة كبيرة- القدرة على اتخاذ قرارات أو رفض أخرى بسبب الخلل الكبير في بنيته السياسية منذ عام 2003، علما بأن هذه الحرب ستكلفه الكثير من أمواله وأرواح أبنائه وإمكانيات تطوره التي يفقدها أصلا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك