بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح, أكاديمي وباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية


حساسية تركية
تفهم غربي
مشاركة لوجستية

متعددة هي الاعتبارات التي تعقد حسابات الموقف التركي من المشاركة في التحالف الدولي والإقليمي الذي يجري تشكيله هذه الأيام ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

فمن جهة، يتملك الأتراك قلق بالغ من النوايا الخفية لواشنطن وحلفائها في أوروبا وإسرائيل مما يمكن أن تتمخض عنه الحرب المتجددة على الإرهاب، والأدوار التي ترتسم لتركيا بهذا الخصوص، من تداعيات سلبية على المديين المتوسط والبعيد، ولا يستبعد خبراء أتراك أن تسفر تلك الحرب غير المعلومة المدى بين ثناياها وفي نهايتها عن "سايكس-بيكو" جديدة بمسمى آخر تعتمد الدول الكبرى من أجل تنفيذها على القوتين الإقليميتين تركيا وإيران.

ومن جهة أخرى، تستبد بالأتراك مخاوف من ردود الفعل الانتقامية العنيفة المحتملة من قبل تنظيم "داعش" حال ضلوع تركيا في أي عمليات عسكرية لدك حصونه وتقويض معاقله، خصوصا مع تنامي خطر التنظيم على الأتراك خلال الآونة الأخيرة.

حساسية تركية
فخلال العام الماضي تعرضت بلدة الريحانية التركية الحدودية لسلسلة تفجيرات بسيارات مفخخة أوقعت نحو 53 قتيلا، ورغم أن أنقرة اتهمت نظام بشار الأسد بالوقوف وراء التفجيرات لم يخالج أبناء المنطقة أدنى شك في تورط تنظيم "داعش" وأخواته.

يتملك الأتراك قلق بالغ من النوايا الخفية لواشنطن وحلفائها في أوروبا وإسرائيل مما يمكن أن تتمخض عنه الحرب المتجددة على الإرهاب، والأدوار التي ترتسم لتركيا بهذا الخصوص، من تداعيات سلبية على المديين المتوسط والبعيد

واليوم تشعر الحكومة التركية بأن يدها مغلولة في التعاطي مع تهديدات تنظيم "داعش" وأعوانه جراء احتجاز 49 من موظفي قنصليتها في الموصل عندما اجتاح التنظيم المدينة في 10 يونيو/حزيران الماضي.

ومن غير المستبعد أن يقدم تنظيم "داعش" على قتل الرهائن الأتراك على غرار ما جرى مع الصحفيين الأميركيين جيمس فولي وستيفن ساتلوف اللذين اعتبر التنظيم إعلان مقتلهما على الملأ رسالة تحذيرية لأطراف دولية وإقليمية من بينها تركيا.

وتتعاظم تلك المخاوف التركية مع تزامن المعطيات آنفة الذكر مع احتمال توفير الخلفية الإسلامية المحافظة لقطاع واسع من الأتراك حاضنة اجتماعية وفكرية وسياسية وأمنية لتغلغل تنظيم "داعش" وأعوانه إلى الأراضي التركية، ولا سيما أن مؤشرات أولية بدأت بالفعل في الظهور، كاعتراف المسؤولين الأتراك بأنه يباشر من داخل تركيا تجنيد مئات المتطوعين للمحاربة في صفوف مقاتليه داخل سوريا.

كذلك كشفت مؤسسة "إيدام" البحثية التركية عن أن تنظيم "داعش" ينظم حملات علنية بمدن تركية لجمع التبرعات المالية لمقاتليه. علاوة على ذلك، أظهر استطلاع للرأي -أجري الشهر الماضي في أوساط مؤيدي حزب العدالة- أن 15.5% منهم لا يعدون "داعش" منظمة إرهابية، بينما يعارضهم الرأي 65.5%، أي أن التنظيم يلقى قبولا حتى داخل صفوف الحزب الحاكم.

وكان من شأن هذا الموقف التركي الحرج أن دفع حكومة أنقرة إلى تبني خطابين متناقضين إلى حد ما في التعاطي مع الائتلاف الدولي المناهض لـ"داعش"، أولهما معلن يبدي تجاوبا مع المساعي الأميركية والأطلسية للاصطفاف في مواجهة التنظيم انطلاقا من مبدأ رفض الإرهاب والتعاون لمحاربته واستنادا إلى الالتزام بمبادئ وأسس العضوية في الحلف الأطلسي، حتى أن نوابا برلمانيين معارضين طالبوا الحكومة التركية باستخدام الحق الذي يكفله لها القانون الدولي في شن عملية عسكرية ضد "داعش" لتحرير الرهائن الأتراك الـ49 وتوقيف الجناة وتقديمهم إلى العدالة بعدما تعرضت قنصلية تركيا بالموصل للهجوم من جانب التنظيم الذي اختطف منها موظفين بالسلك الدبلوماسي التركي.

أما ثانيهما فغير معلن، ويعكس أزمة الثقة المزمنة بين أنقرة والناتو والغرب عموما، فرغم تشديد السلطات التركية على احترام التزاماتها تجاه حلف شمال الأطلسي الذي انضمت إليه عام 1952 لم يتورع مسؤولون أتراك عن التلويح بعدم استعداد بلادهم للمخاطرة بحياة رهائنهم، كما شدد آخرون في أحاديث خاصة على أن أيا من الطائرات الحربية الأميركية التي تنفذ غارات في العراق لم تأتِ من قاعدة "أنجرليك" الجوية في جنوب تركيا.

تتطلع واشنطن والدول الغربية إلى مشاركة فعالة من قبل تركيا في التحالف الدولي ضد "داعش"، إدراكا من تلك الأطراف الدولية لما تتمتع به تركيا من معطيات حضارية وجيوإستراتيجية مهمة

وبينما لم يصدر أي موقف رسمي معلن ونهائي عن الدولة التركية في ما يخص طبيعة وحدود مشاركتها بالائتلاف الدولي والإقليمي لمحاربة "داعش" بادرت بعض المصادر بترويج أخبار تؤكد اعتراض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على تشكيل تحالف دولي ضد "داعش"، معتبرا أن "استمرار الفوضى والاضطرابات جراء التدخلات الخارجية في شؤون المنطقة قد فتح ثغرة لإيواء المنظمات الإرهابية والامتداد بعملياتها إلى دول المنطقة".

تفهم غربي
تتطلع واشنطن والدول الغربية إلى مشاركة فعالة من قبل تركيا في التحالف الدولي ضد "داعش"، إدراكا من تلك الأطراف الدولية لما تتمتع به تركيا من معطيات حضارية وجيوإستراتيجية مهمة.

فإلى جانب كونها الدولة الإسلامية الوحيدة العضوة في الناتو يشكل موقعها الجغرافي مزية لوجستية حيوية لأي عمليات عسكرية جوية أو أرضية مرتقبة ضد معاقل "داعش" و"النصرة" في سوريا والعراق، حيث تمتد حدودها مع سوريا والعراق إلى مئات الكيلومترات، هذا علاوة على أن لدى تركيا جيشا نظاميا قويا ومتماسكا في وقت تعاني أغلبية جيوش المنطقة من التفكك أو الضعف.

من جانبه، يعي تنظيم "داعش" جيدا مدى أهمية وضع تركيا الإستراتيجي بالنسبة له انطلاقا من كونها دولة الجوار الأكثر أهمية لوجوده، سواء لجهة استمرار تسلل المسلحين والعتاد العسكري إلى "داعش" و"النصرة" في سوريا والعراق عبر الأراضي التركية، أو لجهة كونها المنفذ المتاح لتصدير النفط الذي سيطر عليه التنظيم وشرع في تصديره ليغدو أبرز مصادر تمويل ليس عمليات وأنشطة "داعش" فحسب وإنما أيضا "دولة الخلافة الإسلامية".

غير أن معضلة تركيا العضوة بالناتو كما بـ"الائتلاف الأساسي" -الذي أعلنت واشنطن عنه خلال قمة الحلف في "ويلز" ويضم عشر دول التزمت بمحاربة "داعش"- تسلط الضوء على طبيعة التحديات التي يواجهها وزير الخارجية الأميركي جون كيري في تشكيل ائتلاف دولي فعال يضم الأطراف الإقليمية الرئيسية التي قد تختلف أو تتعارض في أحيان كثيرة تصوراتها ومصالحها وحساباتها الإستراتيجية، سواء مع واشنطن والغرب أو حتى في ما بينها.

وغني عن البيان أن فاعلية التحالف الدولي والإقليمي ضد "داعش" تبقى مرتهنة باستمرار تقاسم أعضائه التصورات ذاتها الخاصة بهذا التنظيم، وباستمرار الدور الأميركي الذي يمثل متغيرا مهما في تشكيله، إضافة إلى قدرة الأطراف المشاركة فيه على فصل خلافاتها حول القضايا الإقليمية الأخرى عن قضية مواجهة "داعش".

ومن ثم، شدد الخبير في وزارة الخارجية الأميركية فريد هوف على أن أي دولة تفكر جديا في الانضمام للتحالف الدولي ضد "داعش" ينبغي أن تتأسس لديها قناعة بأن واشنطن ستكون موجودة لفترة زمنية ولن تتخلى عنها، حيث إن استهداف التنظيم في سوريا يتطلب إقناع دول مثل تركيا والسعودية والأردن وغيرها بأن الولايات المتحدة باقية لبعض الوقت.

ومن هذا المنطلق بدأت تلوح في الأفق بوادر تفهم غربي لخصوصية الموقف التركي المحاصر بين مطرقة ضرورة التجاوب مع نداء حلف الناتو، وسندان سلامة الرهائن الأتراك لدى "داعش".

وفي تصور يعيد إلى الأذهان سيناريو عام 2003 حينما رفضت أنقرة السماح للقوات الأميركية بعبور أراضيها لدخول العراق شكك الأستاذ بجامعة ليهاي والعضو السابق في إدارة تخطيط السياسات بوزارة الخارجية الأميركية هنري باركي في إمكانية سماح الأتراك للغرب باستخدام قاعدة "أنجرليك" لتنفيذ ضربات جوية ضد "داعش".

مشاركة لوجستية
نظرا لحساسية موقفها، يتوقع لأنقرة أن تشارك على نحو غير مباشر في التحالف الدولي ضد "داعش" عساها تنفي عن نفسها تهمة الضلوع في دعم التنظيمات المتطرفة عبر تسهيل مرور المقاتلين والعتاد عبر أراضيها إلى سوريا والعراق، فضلا عن استيراد النفط من "داعش".

نظرا لحساسية موقفها، يتوقع لأنقرة أن تشارك على نحو غير مباشر في التحالف الدولي ضد "داعش" عساها تنفي عن نفسها تهمة الضلوع في دعم التنظيمات المتطرفة عبر تسهيل مرور المقاتلين والعتاد عبر أراضيها إلى سوريا والعراق
وفي هذا الإطار، أكد مسؤول أميركي أن "الكل يدرك أن الأتراك لهم وضع خاص"، في إشارة إلى سلامة الرهائن الأتراك وعدم رغبة تركيا في مهاجمة دولة مجاورة خشية حدوث رد فعل انتقامي من جانب التنظيمات المتطرفة.

ومن المرجح أن ينحصر الدور التركي بهذا الصدد في مهام غير قتالية كالأنشطة اللوجستية وأعمال البحث والإنقاذ وإنزال المدنيين، مع احتمال السماح لدبابات وطائرات استطلاع وطائرات من دون طيار بالعمل من أراضيها في عمليات غير قتالية.

وبينما كان قادة الدول الـ28 الأعضاء في الناتو قد اتفقوا على إستراتيجية تستهدف تجفيف الموارد المالية, والتعاون الاستخباري ضمن خطة شاملة لمحاربة "داعش" ستسعى واشنطن إلى دفع أنقرة باتجاه التركيز على وقف تدفق المتشددين الأجانب، بمن فيهم الأميركيون والأوروبيون الذين دأبوا على عبور الأراضي التركية للوصول إلى العراق وسوريا توطئة للانضمام إلى صفوف "داعش" و"النصرة".

وذكر مسؤول ثانٍ أن واشنطن ستطلب من أنقرة أن تبذل جهدا أكبر لمنع المقاتلين الأجانب من دخول سوريا، خصوصا أولئك القادمين من دول غربية، وهي الرسالة التي أكد عليها أوباما لأردوغان خلال لقاء جمعهما، وأشاد أوباما للصحفيين بعده بالتعاون بين القوات المسلحة وأجهزة المخابرات الأميركية والتركية في التعامل مع قضية المقاتلين الأجانب، لافتا إلى أنها قضية لا تزال تحتاج لجهد أكبر، وهي الرسالة التي أعاد وزير الدفاع تشاك هيغل التأكيد عليها خلال زيارته تركيا بعد ذلك.

بدورها، تركيا بدأت تبدي تجاوبا في هذا المضمار، حيث وضعت قائمة تضم أسماء ستة آلاف شخص ممنوعين من دخول أراضيها للاشتباه في أنهم يسعون للانضمام إلى المتشددين في سوريا، بحسب معلومات من وكالات مخابرات أجنبية، كما اعتقلت السلطات التركية بمطار منطقة غازي عنتاب الحدودية مع سوريا 19 شخصا صنفوا كمتطرفين من تنظيم "داعش"، ينحدر أغلبيتهم من أصول أوروبية وقوقازية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك