ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني


بدأت إسرائيل عدوانها على غزة منذ نحو شهر، وهي مدة أكثر بكثير من تلك التي استغرقتها حرب الأيام الستة (1967) التي قضمت فيها إسرائيل أراضي من ثلاث دول عربية، تزيد بأضعاف عن مساحتها الأولى، ومع ذلك ما زالت تواجه مقاومة لم تكن تتوقعها، ولا أحد يعرف كيف ومتى ستتوقف هذه الحرب، أو ما مآلاتها، بالنسبة للإسرائيليين والفلسطينيين.

المشكلة -بالنسبة لإسرائيل- أن هذه الحرب هي الثالثة من نوعها ضد قطاع غزة، في ستة أعوام (الأولى أواخر 2008 والثانية أواخر 2012)، ما يعني أن الفلسطينيين يستعصون على الكسر أو الإخضاع، رغم كل ما يختبرونه في الحرب من قتل ودمار، وأنها تعجز إزاءهم رغم كل ما بحوزتها من وسائل القوة.

معلوم أن غزة ليست إمبراطورية ولا دولة قوية، بل إنها مكان صعب للعيش بسبب مناخها، وندرة مواردها الطبيعية، وكثافتها السكانية العالية، زد على ذلك خضوعها لحصار مشدد منذ سبعة أعوام، مع استهداف دائم لها من قبل الجيش الإسرائيلي.

بالنسبة لـ"حماس"، كانت هذه الحرب بمثابة معركة على الوجود والمكانة، إذ جاءت في ظرف صعب جدا بالنسبة لها -بعد أن باتت في عزلة شديدة بعد انتهاء حكم الإخوان في مصر- يفاقم من ذلك افتقادها الموارد المالية، والحصار المشدد المفروض على قطاع غزة

وتبلغ مساحة القطاع 360 كيلومترا مربعا، أي 1.33% من فلسطين الكاملة، و6% من مساحة الدولة الفلسطينية المفترضة (مع الضفة)، وهو على شكل شريط ضيق على الساحل الجنوبي، طوله 41 كيلومترا، وعرضه بين 5 و15 كيلومترا، يقطن فيه مليونا فلسطيني تقريبا، أغلبهم من لاجئي 1948.

وقد بدا من وقائع هذه الحرب أن حركة "حماس" -ممثلة بكتائب عز الدين القسام- ومعها باقي تشكيلات المقاومة الفلسطينية المسلحة، أعدت نفسها لهذا الاستحقاق أكثر من المرتين الماضيتين، على مستوى التسليح والتأهيل والإدارة، إلى حد أنها وجهت ضربات صاروخية إلى العمق الإسرائيلي، وصدمت قوات النخبة الإسرائيلية في نمط عملياتها، غير المتوقع، وفي قدرتها على صدّها، بل وتكبيدها خسائر فادحة.

بالنسبة لـ"حماس" فقد كانت هذه الحرب بمثابة معركة على الوجود، والمكانة، إذ جاءت في ظرف صعب جدا بالنسبة لها، بعد أن خسرت عالمها، وباتت في عزلة شديدة، بانتهاء حكم الإخوان في مصر، يفاقم من ذلك افتقادها الموارد المالية، والحصار المشدد المفروض على قطاع غزة.

علاوة على ذلك، فإن الحركة بدت كمن يخوض معركة مصيرية، سواء استدرجتها إسرائيل أو العكس، فهي في الحالين لم يعد لديها ما تخسره، إذ لم يعد لديها سوى إمكانية السعي لتغيير المعادلات القائمة، بهدف تعزيز مكانتها إزاء إسرائيل وعلى مستوى الإقليم، وفي إطار البيت الفلسطيني.

ويبدو أن العامل الإيجابي الذي لعب لصالح حماس أن الحرب جاءت بعد التوافق الفلسطيني على إقامة حكومة ائتلاف وطني، تنهي حالة الانقسام، ما انعكس إيجابيا عليها، وعلى الوضع الفلسطيني، في مواجهة استهدافات الحرب الإسرائيلية، وتعرية أغراضها ووحشيتها في العالم.

أما بالنسبة لإسرائيل، فإن هذه المعركة أرادتها من أجل إخضاع الفلسطينيين وقتل روح المقاومة عندهم، فضلا عن أنها معركة على صورتها كدولة رادعة في المنطقة.

طبعا، لم يكن ثمة سبب يدعو للاعتقاد أن إسرائيل ستعمل على إنهاء حكم "حماس" في غزة من خلال هذه الحرب، لأن الانقسام الفلسطيني، وفصل الضفة عن غزة، هما مصلحة إسرائيلية، مما يعني أن الهدف السياسي المعروف والمباشر للحرب الجارية ظل يقتصر على محاولة إضعاف قدرة حماس العسكرية دون الإطاحة بها سياسيا.

أما على المدى الإستراتيجي فربما أن إسرائيل تستشعر أن هذه هي اللحظة التاريخية المواتية لها لفرض تصورها للتسوية على الفلسطينيين، سواء تمثل ذلك بحل أحادي، يفصل بينها وبينهم في إطار من السيطرة الإسرائيلية، أو تمثل بتسويات أكبر، قد تشتمل على إزاحات أو تغييرات ديموغرافية أو سياسية في الضفة، أو في شأن الموضوع الفلسطيني، وماذا غير الحرب يستطيع تسهيل سيناريوهات كهذه تفوق الخيال ويجعلها واقعية، على ما لاحظنا مما يحصل في سوريا والعراق؟

من ناحية ثانية، فقد كان لدى حركة حماس ثلاث مشكلات: الأولى، الفارق الكبير في القوى والتسلح وقوة النيران والإدارة لصالح إسرائيل. والثانية، أنها تخوض هذه الحرب منفردة، أي من دون سند أو ظهير، وفي ظرف دولي وعربي في حال انكفاء أو غيبوبة، وربما تواطؤ. والثالثة، تعمد إسرائيل استهداف المدنيين، وتركيزها على تدمير البيوت والمرافق العامة، مما شكّل ضغطا كبيرا على المقاومة.

كان لدى حماس ثلاث مشكلات، هي: الفارق الكبير في القوى والتسلح مع إسرائيل، وكونها تخوض هذه الحرب منفردة، أي من دون سند أو ظهير، وفي ظرف دولي وعربي في حال انكفاء أو غيبوبة، وربما تواطؤ، فضلا عن تعمد إسرائيل استهداف المدنيين

الجدير ذكره أن الحرب الأولى (الرصاص المصبوب أواخر 2008-أوائل 2009) استشهد خلالها 1400، وجرح الآلاف من سكان القطاع ودمر عدد كبير من المباني والبيوت السكنية، مقابل قتل تسعة إسرائيليين. أما في الحرب الثانية (عمود السحاب أواخر 2012) فقد استشهد فيها 191 وأصيب حوالى 1500 بجروح متفاوتة، مقابل مقتل ستة جنود إسرائيليين وجرح 222 منهم، رغم إطلاق المقاومة حوالي 1700 صاروخ على مستوطنات ومدن إسرائيلية.

وتشير معطيات الحرب الحالية (الثالثة) -وحتى وقف النار المعلن في الخامس من الشهر الجاري- إلى استشهاد حوالي 1900 وإصابة نحو عشرة آلاف بجروح، مقابل 64 إسرائيليا، بحسب المصادر الإسرائيلية، أو أزيد من مائة بقليل بحسب مصادر المقاومة.

لكن ما ينبغي ملاحظته هنا أنه في الحرب الأولى بلغ التناسب، في الخسائر البشرية بين الطرفين، 1 إلى 150 (9-1400)، وقد تقلص هذا الفارق في الحرب الثانية (بنسبة 1-31 (6-190)، وقد تقلصت الفجوة أكثر في هذه الحرب، إذ باتت تقدر بحوالي 1 إلى 16 (مائة للإسرائيليين و1600 للفلسطينيين وفق مصادر المقاومة)، أو 1-25 (64 للإسرائيليين و1600 للفلسطينيين وفق المصادر الإسرائيلية).

أيضا، ينبغي ملاحظة أنه مع كل هذا التأهيل، والإمكانيات والبطولات، ومع تقلص الفجوة في الخسائر بين الطرفين، بالقياس إلى الحربين السابقتين، إلا أنها لم تصل إلى الحد الذي بلغته إبان الانتفاضة الثانية (2000-2004) التي كبدت إسرائيل خسائر بشرية أكثر من أي مرة في تاريخها (بالمعنى النسبي ربما باستثناء خسائرها في حرب 1973)، والتي بلغت نسبة 1 إلى 4 (حوالي 1022 للإسرائيليين و4000 للفلسطينيين).

اللافت أن صمود غزة وبطولات مقاوميها روّج لانطباعين خاطئين ومضرّين: أولهما، التصوير بأن حركة "حماس" -مع باقي الفصائل- باتت بمثابة جيش بطائراته وصواريخه، أضحى يشكل قوة موازية للجيش الإسرائيلي. والثاني، أن قطاع غزة بإمكانه التحول إلى منطقة، أو قاعدة عسكرية لتحرير فلسطين.

طبعا النزعة الأولى غير صحيحة، ومضللة، وتنطوي على مبالغة رغبوية لا تسهم في تكوين وعي مناسب لواقع القدرات الفلسطينية ومحدوديتها، ولا في تكوين صورة صحيحة عن قدرات العدو.

أما النزعة الثانية، فهي تحمّل قطاع غزة -الذي يقطن فيه مليونا فلسطيني تقريبا، في 1.3% من مساحة فلسطين، أو 6% من مساحة الدولة الفلسطينية المفترضة- عبء التحرير، وهزيمة إسرائيل، علما أن هذه القطاع محاصر ويفتقد الموارد، ويعتمد في إمدادات الكهرباء والمياه والطاقة على الدولة الإسرائيلية. وربما ينبغي لفت الانتباه -أيضا- إلى أن هاتين النزعتين "الاحتفائيتين" تفضيان بدوريهما إلى إشاعة توهم مفاده أن ثمة نوعا من التكافؤ بين إسرائيل والفلسطينيين، وهو ما يترتب عليه إضعاف الصورة عنهم كضحايا ومستضعفين، وبالتالي حجب صورة إسرائيل باعتبارها دولة استعمارية وعنصرية وعدوانية.

بديهي أن رواج انطباعات من هذا النوع هو نتاج تلهّف الفلسطينيين -والعالم العربي- لأي انتصار على إسرائيل، ونتاج التعطّش لأي ضربة توجه لها، بيد أن انطباعات كهذه قد تفيد في تقوية المعنويات وتعزيز روح الصمود والمقاومة، لكن في ما يخص إستراتيجيات الصراع ضد العدو فإنها لا تكفي، إذ إنها لا تؤثر في معادلات موازين القوى والخطط العسكرية.

بل لعله من المفيد هنا لفت الانتباه إلى أن إسرائيل، مع تميّزها بترسانة عسكرية متفوقة، تمكّنها من مواجهة عدة جيوش عربية، فهي تتمتع أيضا بميزتين مهمتين، تشكلان قيمة مضافة لها: الأولى، وهي ضمانة الولايات المتحدة والغرب أمنها ووجودها. والثانية، احتكارها التسلح النووي في المنطقة، مما يجعلها تهدد بما يسمى "الخيار شمشون"، أو "خيار يوم الدين"، في حال استشعارها بتهديد وجودي.

القصد من ذلك لفت الانتباه إلى حقيقة مفادها أن المقاومة الفلسطينية يمكن أن تؤلم إسرائيل، وأن تزيد كلفة وجودها، وأن تهدد استقرارها، لكن هزيمتها التاريخية -الكلية، أو الجزئية- تحتاج إلى عوامل أخرى، لعل أهمها يكمن في حصول تغير في البيئتين الدولية والعربية لصالح الفلسطينيين، وتخليق جبهة عريضة من الإسرائيليين المعادين للصهيونية، ومن الذين يتعاطفون مع كفاح الفلسطينيين.

نجحت المقاومة في تعزيز مكانتها، بانتهاجها خطاب التحرر الوطني، وتمسكها بالإجماع الفلسطيني، بيد أن التحدي الآن هو كيفية استثمار ذلك، بتحويل التضحيات والبطولات إلى مكاسب سياسية

ولعل هذا ما يجب إدراكه أو تمييزه جيدا في غمرة الاحتفاء بصمود غزة، لأنه من دون حصول هذه التغيرات، ستبقى إسرائيل تحظى بحماية الغرب، ودعمه لتفوقها من مختلف النواحي في المنطقة، وستبقى المقاومة الفلسطينية غير قادرة على استثمار أو ترجمة تضحياتها وبطولاتها إلى الدرجة المناسبة، التي تكفل تغيير معادلات القوة والسياسة في صراعها مع إسرائيل، وتحقيق هزيمتها على المستويين الكلي أو الجزئي، في صراع مضن ومعقد وطويل الأمد.

عموما، فإن الحروب الإسرائيلية على غزة، وتضحيات أهلها، وما اختبروه في هذه الحروب، تثير مسألة ملحة تتعلق بتحديد مكانة القطاع في العملية الوطنية الفلسطينية، والتي تم السكوت عنها من قبل الفصائل الفلسطينية، منذ انسحاب إسرائيل منها عام 2005.

وهذا الوضع يتطلب خلق إجماع فلسطيني للإجابة عن أسئلة من نوع: هل قطاع غزة ما زال تحت الاحتلال؟ أم أنه بات منطقة محررة؟ وهل يمكن تحويل غزة إلى قاعدة عسكرية لمصارعة إسرائيل بالصواريخ أو غيرها؟ وهل يمكن تحميل هذا القطاع عبء تحرير فلسطين أو هزيمة إسرائيل؟ أم الأجدى تحويله إلى نموذج لمنطقة محررة، يستطيع الفلسطينيون فيها تنمية أوضاعهم كمجتمع، في التعليم والثقافة والاقتصاد والسياسة؟

في كل الأحوال، لا ينبغي تحميل فلسطينيي غزة أكثر مما يحتملونه، فهم يعيشون في سجن كبير، ويكابدون الضيم والحصار المشدد، مما يعني أن مجرد صمودهم، وتوجيههم ضربات قاسية لإسرائيل، حتى ولو كانت معنوية، هو أمر كبير، ويؤكد للإسرائيليين أن دولتهم لم تعد ملاذا آمنا، وأن روح المقاومة عند الشعب الفلسطيني لن تخمد.

نعم لقد نجحت المقاومة في إثبات نفسها بإيلام إسرائيل، وصد عدوانها، كما نجحت حماس بتعزيز مكانتها، بانتهاجها خطاب التحرر الوطني، وتمسكها بالإجماع الفلسطيني. بيد أن التحدي الذي يواجهها الآن هو كيفية استثمار ذلك، بتحويل التضحيات والبطولات إلى مكاسب سياسية.

المصدر : الجزيرة

التعليقات