رشدي بويبري

رشدي بويبري

عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان


الارتدادات إسرائيليا
الارتدادات غربيا
الارتدادات عربيا
الارتدادات فلسطينيا

حين نصرخ في مكان خال يمتد صدى صوتنا إلى أقصى مدى ممكن، فالصراخ حدث محدد في زمان ومكان معينين لكن مداه يمطط الزمان والمكان. نفس المبدأ الفيزيائي يطبق في علم الإستراتيجيا، إذ يتفق معظم الخبراء الإستراتيجيين على أن لكل حدث أصداء وارتدادات تتجاوزه في الحجم والنتائج ويصعب التحكم فيها أو التكهن الدقيق بها.

وبما أن الحرب الأخيرة على غزة حدث ضخم يركز العالم الأنظار عليه الآن، فلا شك أن كثيرا من الخبراء الإستراتيجيين يدرسون تبعاته وارتداداته والمدى الذي يمكن أن تصل إليه أصداؤه والصور التي سيترجم إليها أو المآلات التي سيفضي إليها.

قد يعترض معترض على أن الحرب على غزة لم تنته بعد وما زالت رحاها دائرة وأوارها ملتهبا، وبالتالي فإنه من الاستعجال وعدم الموضوعية الخروج بخلاصات حولها. غير أني أعتقد أن هذه الحرب انتهت فعلا من وجهة نظر إستراتيجية وإن كانت تكتيكيا ما زالت الأسلحة لم توضع بعد.

نتائج الحرب ليست بالإجمال في صالح إسرائيل ومحورها الإقليمي والدولي. فصمود غزة والأداء العسكري والسياسي المُبهر والنوعي للمقاومة أحبط أية إمكانية لتحقيق أهداف إسرائيل، وأهداف داعميها الدوليين والإقليميين

بل أكاد أجزم أن نتائجها واضحة لكل خبير بل لعامة المتابعين، وهي بالإجمال ليست في صالح إسرائيل ومحورها الإقليمي والدولي، فصمود غزة والأداء العسكري والسياسي المُبهر والنوعي للمقاومة أحبط أية إمكانية لتحقيق الأهداف الإستراتيجية الإسرائيلية أو أهداف داعميها الدوليين والإقليميين.

لقد أسالت هذه الحرب الغزير من الدماء، خاصة دماء المدنيين الفلسطينيين الأبرياء في غزة، وبدءا من أسبوعها الثاني أسالت الكثير من المداد إذ يمكن القول بأنها باتت تُشكّل نقطة تحول كبيرة في المسار السياسي للأمة ككل.

وتتنوع الكتابات في هذا الصدد بين مواضيع وصفية وأخرى توقعية استشرافية، وفي نطاق هذا النوع الأخير يأتي هذا المقال التحليلي. ويمكن رصد الارتدادات المحتملة للحرب على غزة في أربعة اتجاهات تمس أربعة فاعلين فيها في مقدمتهم الكيان الصهيوني والغرب عامة ثم الدول العربية الداعمة للصهاينة وأخيرا قوى الداخل الفلسطيني.

الارتدادات إسرائيليا
منذ تأسيس الكيان الصهيوني على أرض فلسطين آمن الإسرائيليون بمنطق القوة والغلبة فقط وعملوا على تقوية تحالفاتهم واختراق أعدائهم في المنطقة واستدراجهم إلى دائرة خدمة مشروعهم وسياساتهم من خلال مشروع التطبيع والتخلي عن موالاة ودعم القضية العادلة للشعب الفلسطيني.

وقد توالت في الآونة الأخيرة تصريحات القادة الصهاينة بأن تحالفهم مع الدول العربية يمر بأزهى مراحله ويعيش حقبة ذهبية. ولعل هذا ما جعلهم يقدمون على العدوان على غزة من موقع المُطْمَئِن والواثق من تحقيق نصر إستراتيجي ساحق على المقاومة الفلسطينية الممثلة لآخر القلاع الصامدة في المواجهة للاختراق الصهيوني للمنطقة.

لكن تأتي الرياح بغير ما تشتهي السفن، فرغم المؤامرة الخطيرة والمحبوكة، انتكست الأهداف الإستراتيجية الصهيونية المعلنة من الرغبة في القضاء المبرم على حماس إلى المحاولة اليائسة للقضاء على الأنفاق. والمتتبع لتصريحات الصهاينة -قادة أو محللين- يسهل عليه أن يدرك أن إسرائيل غارقة في ورطة حقيقة وكبيرة تعجز عن الخروج منها، وأن الارتدادات الإستراتيجية لهذا العدوان -التي ستبدأ في الانجلاء خلال الأشهر القليلة المقبلة- ستكون صعبة عليها أخلاقيا وسياسيا وعسكريا.

فالصهاينة يخسرون -يوما تلو آخر- رصيدهم الأخلاقي الذي بنوه طيلة أكثر من ستين سنة باستثمارهم لمظلومية الهولوكوست. ويظهر هذا التآكل في الرصيد الأخلاقي بصورة واضحة في المجتمعات الغربية حيث تطورت أشكال ومستويات التضامن مع الشعب الفلسطيني وبدأ التململ لمحاولة التخلص من عبء المظلومية الصهيونية وكلفتها.

أما على المستوى السياسي فأهم مشروع صهيوني يتلقى الضربات الموجعة في هذه الحرب من طرف صاحبه نفسه هو مشروع التطبيع مع المجتمعات العربية والإسلامية، خاصة أجيال الشباب. فالعنف الصهيوني الأعمى والمجازر البشعة التي يرتكبها في حق الأطفال والشيوخ والنساء تقوي جدار الممانعة النفسية للتطبيع.

المتتبع لتصريحات الصهاينة يسهل عليه أن يدرك أن إسرائيل غارقة في ورطة حقيقة وكبيرة تعجز عن الخروج منها، وأن الارتدادات الإستراتيجية لهذا العدوان ستكون صعبة عليها أخلاقيا وسياسيا وعسكريا

هذا المشروع الذي تم التخطيط له على مدى سنوات عديدة واستثمرت فيه إمكانات هائلة يتعطل الآن ويتآكل بشكل تدريجي. فالصهاينة لم يستطيعوا الفوز باختراق إستراتيجي للمجتمعات العربية بل إن أعظم إنجازاتهم لحد الآن هي ضمان ولاء أنظمة ديكتاتورية مهترئة ومتهاوية ولا مشروعية لها ولا مستقبل.

وإذا عرَّجْنا على المجال العسكري فإن الارتدادات لا تكاد تخطئها العين الفاحصة، ويمكن تلخيصها في نتيجة حتمية واحدة وهي تهاوي أسطورة الجيش الذي لا يقهر ولا يخسر معاركه بل يخوضها بطريقة استعراضية. فهذا الجيش الذي يتفق الجميع على تَفَوُّقه اللوجستي والتكنولوجي لم يستطع طيلة ثلاثة أسابيع أن يحسم معركة ضد مدينة صغيرة ليس لها عمق إستراتيجي ولا خصائص طبيعية تحميها وفي مواجهة مقاومة محدودة العدة والعدد. الإنجاز الوحيد الذي يحسب للصهاينة في هذا العدوان هو ارتكاب مجازر -ضد الرضع ولأطفال والعجائز- يندى لها جبين الإنسانية.

لاشك أن هذه الحرب الصهيونية على غزة لن تكون الأخيرة لكن من المؤكد أن مغامرات إسرائيل المستقبلية ستكون في ظروف أسوأ بكثير مما هي عليه الآن، بل من المحتمل أن تشهد تحولا كبيرا في أداء المقاومة الفلسطينية من حيث الجرأة أكثر على الهجوم عوض الاكتفاء بصد العدوان.

الارتدادات غربيا
لقد وفرت الدول الغربية كلها، بدون استثناء، الدعم العسكري اللوجستي والغطاء السياسي والأخلاقي لكل الحروب التي خاضها الصهاينة ضد العرب ( حرب 48 والعدوان الثلاثي على مصر ثم حرب 67 وغيرها) أو ضد الفلسطينيين.

فالحكومات الغربية كانت وما تزال متواطئة مع الكيان الصهيوني وشريكة له في كل جرائمه واعتداءاته، وهذا ما عَرّض المنظومة السياسية والأخلاقية الغربية للتآكل وجعل صورتها تتدهور في الضمير الجمعي والفردي للأمة الإسلامية وكَشَف زيف شعاراتها الحقوقية والحضارية لدى عموم أبناء العرب والمسلمين. ولعل هذا ما يفسر تصاعد منسوب الحنق والعداء في العقود الأخيرة ضد الحكومات الغربية.

وإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية في واجهة الداعمين للكيان الصهيوني والمُوفِّر الأكبر له للتمويل والحماية، فقد نالت النصيب الأكبر من العِداء. وهذه المشاعر في اطراد وتنام وتطور وتتمظهر في صور وأشكال مختلفة.

إن الغرب يخسر كثيرا جراء حمايته وتستره على جرائم الصهاينة التي تتم دون مراعاة لأخلاق أو قوانين أو قيم إنسانية. كما أن مصالحه الإستراتيجية في المنطقة تتعرض لتهديد حقيقي جرّاء هذه الموالاة، وهذا ما يدركه كثير من عقلائهم وعبَّروا عنه في كتاباتهم وتحليلاتهم بشكل واضح.

ولعل هذه الحرب الأخيرة على شعب غزة عرفت تطورا في أشكال وحجم التضامن مع مأساة الشعب الفلسطيني داخل الدول الغربية نفسها، بل إنها بصدد خلق توترات اجتماعية خطيرة -كما حصل في فرنسا مؤخرا- لا يعلم مداها إلا الله.

الارتدادات عربيا
لم يعد يخفى على أحد حجم الاختراق الذي حققه الصهاينة داخل النظم والنخب العربية، حيث نتج عن التطبيع العلني والسري تخلي هذه الأخيرة عن تبني ودعم المطالب العادلة والمشروعة للشعب الفلسطيني. بل تجاوزت هذه الخطوة من خلال العمل على تسريع وتيرة التطبيع الاقتصادي والسياسي والثقافي مع الكيان الصهيوني.

عرفت الحرب الجارية على شعب غزة تطورا في أشكال وحجم التضامن مع مأساة الشعب الفلسطيني داخل الدول الغربية نفسها، بل إنها بصدد خلق توترات اجتماعية خطيرة كما حصل في فرنسا مؤخرا

لكن الحرب المستعرة الآن ضد غزة ومقاومتها كشفت إلى أي مدى وصل حجم تآمر الأنظمة العربية مع الصهاينة. فلم تكتف هذه الأخيرة بنفض يدها من قضية العرب والمسلمين الأولى فقط، بل تحولت إلى شريك صريح -بعدما كان مُضْمَرا- في العدوان ومحرض شرس على الاستمرار فيه.

فكل التقارير تشير صراحة إلى تعاون، سياسي واستخباراتي بل ومالي، لقادة الانقلاب العسكري في مصر وحكام بعض دول الخليج وتنسيقهم مع الكيان الصهيوني في هذا العدوان. وهذا ما صرح به عدد لا بأس به من قادة الصهاينة أنفسهم حيث تفاخروا أمام وسائل الإعلام بتوفرهم على أرصدة إستراتيجية ضمنتها تلك الأنظمة، دون أن يكذب ذلك المعنيون بالأمر.

ومما لا شك فيه أن هذا الدعم والتحالف العلني مع الصهاينة سيحرج تلك الأنظمة داخليا وخارجيا وسيعمق الهوة بينها وبين شعوبها وسينزع منها ورقة سياسية وأخلاقية مهمة كانت توظفها في دعم مشروعيتها وهي ورقة مساندة القضايا القومية والإسلامية.

لذلك فما تحاول هذه الأنظمة تجنبه من اشتعال الأوضاع داخل بلدانها، لم تعمل في الحقيقة إلا على تسريع وتيرته. ولعل بشاعة هذه الحرب ومآلاتها سيكون لها ارتدادات قوية على هذه الأنظمة خاصة إذا استغلت قوى الممانعة في الأمة معطيات هذا العدوان ونتائجه.

الارتدادات فلسطينيا
راهن الصهاينة -كما في الحروب السابقة- على بث الرعب في شعب غزة ومحاولة دفعهم للتخلي عن الفصائل المُقاوِمة، وهذا ما يفسر الاستهداف الهمجي للبنية التحتية وإيقاع أكبر الخسائر في أرواح المدنيين وممتلكاتهم.

ورغم فداحة الخسائر وبشاعة الجرائم خاب ظن الصهاينة إذ لم يزدد ولاء شعب غزة للمقاومة إلا قوة، خاصة في ضوء أدائها العسكري والسياسي النوعي والمُبْهِر. فقد تكبد الجيش الصهيوني بدوره خسائر جمة في الأرواح والسمعة.

لذلك من المتوقع أن تكون لهذه الحرب انعكاسات ايجابية عامة، على قوى المقاومة، في ظل تنامي دعم شعوب العالم لقضيتهم وحشر الصهاينة في ركن الدفاع عن جرائمهم وعدوانهم. ولقد اتجهت كثير من تصريحات المحللين، حتى الإسرائيليين منهم، في هذا المنحى، إذ يعترفون بأن قوى المقاومة حققت فعلا مكاسب سياسية وأخلاقية مهمة من خلال أدائها في صد هذا العدوان.

أما أهم الارتدادات السلبية في الداخل الفلسطيني فستنعكس مباشرة على السلطة الفلسطينية ورئيسها وحركة فتح عموما، فكل رهاناتها باءت بالفشل. إذ بقوة راهنت على المسار التفاوضي والكل يعلم نتائجه ومآلاته، ثم راهنت على قصم ظهر المقاومة، وفي مقدمتها حركة حماس، فإذا بالعكس هو ما يحصل.

مما لا شك فيه أن دعم بعض الأنظمة وتحالفها العلني مع الصهاينة سيحرجها داخليا وخارجيا وسيعمق الهوة بينها وبين شعوبها وسينزع منها ورقة سياسية وأخلاقية مهمة كانت توظفها في دعم مشروعيتها وهي ورقة مساندة القضايا القومية والإسلامية

كما راهنت على دعم دول الطوق فإذا بالنكسة هنا أكبر. تبدو السلطة الفلسطينية عارية من كل دعم إستراتيجي وفاقدة لأي أفق، فلا هي انحازت حقيقة لشعبها ومقاومة المحتل الغاصب ولا هي تمكنت من انتزاع أي مكسب يعتد به للقضية. يضاف إلى هذا تنامي التنسيق الأمني مع الكيان الصهيوني لضمان بقاء الضفة الغربية بعيدة عن أية انتفاضة قوية محتملة وهو ما يُصنِّفُها في خندق واحد مع الصهاينة المعتدين.

بشكل عام يعتبر العقد الثاني من الألفية الثالثة مرحلة تاريخية شديدة الاضطراب، خاصة في العالم العربي حيث تحدث تحولات فكرية وسياسية واجتماعية عميقة تنبئ عن تغيُّرات إستراتيجية أساسية في المنطقة.

ولقد مثل ما سُمّي الربيع العربي موجة مهمة من هذه التغيرات تتلوها موجات أخرى إلى أن يستقر بحر العالم العربي. ويدرك الغرب والصهاينة حقيقة ما يجري ويبذلون قصارى جهودهم لتوجيه الواقع نحو أهدافهم وتحقيق مصالحهم وضمان استمرار هيمنتهم، وما الحرب الجارية على غزة إلا خطوة من خطوات أخرى في هذا المِضمار، سبقها الانقلاب على الثورة المصرية وتعطيل استكمال مسارات الثورات الأخرى.

غير أن ما ينساه هؤلاء جميعا أن الواقع البشري شديد التعقيد، أكثر مما يتصورون، لذلك تجدهم كثيرا ما يُمْنَوْنَ بنكسات كبيرة وترتد المعارك التي يشعلون فتيلها ضدهم أو تتطور الأحداث في اتجاه مخالف لتطلعاتهم ومصالحهم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك