محمود سمير الرنتيسي

محمود سمير الرنتيسي

باحث وكاتب فلسطيني


الوسيط هو الخائن
مرتكزات الهجوم
غضب إسرائيلي
الدور القطري الحالي
وسائل الهجوم

تكثف في الأيام الأخيرة حجم ما يصدر في إسرائيل من تصريحات ومنشورات تحرض على إمارة قطر وأميرها ومؤسساتها، خاصة قناة الجزيرة الفضائية. وقد ازداد حجم التحريض بعد أن شن وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان هجوما على قناة الجزيرة منتصف الشهر الماضي، في ذروة العدوان الجاري على قطاع غزة.

الوسيط هو الخائن
افتتح أحد الكتاب الإسرائيليين مقالا يهجو فيه الدور القطري تجاه العدوان على غزة باقتباس من أحد الأفلام الأميركية يوجّه فيه أب ابنه إلى حقيقة مهمة من وجهة نظره، مفادها "إذا قدّم أحدهم نفسه على أنه الوسيط فهو دائما الخائن". ويصف الكاتب قبول أميركا بتركيا وقطر كوسطاء لعملية التهدئة بأنه سخافة كبيرة.

ويبدو أن ليبرمان الذي أعلن بدء دراسة قرار وقف عمل الجزيرة في إسرائيل، يرى أن هذا هو الحد الأدنى لعقاب قطر وللتعامل مع الجزيرة التي يتهمها بأنها غير مهنية وتقوم بعمل الناطق باسم المنظمات الإرهابية وتنظيم برامج غسيل الدماغ.

ويعتبر ليبرمان أن ما يقوم به القطريون غير معقول في كل ما يتعلق بعلاقتهم بالمنظمات التي وصفها بالإرهابية، وأن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) منظمة إرهابية حسب قرارات أوروبية وأميركية.

ولم يتوقف الأمر عند ليبرمان فحسب، بل إن كثيرا من المسؤولين الإسرائيليين، مثل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع موشيه يعالون والناطق باسم الحكومة أوفير جندلمان وآخرين، قد وجهوا الاتهام لقطر بدعم حماس، وللجزيرة بأنها تعمل كناطقة باسم الحركة.

تمويل قطر لحماس تهمة قديمة, ولكن الجديد فيها أن الدوحة تقدم دعما لحماس في المجال التقني فيما يتعلق بتقنية الصواريخ والأنفاق والهجمات الإلكترونية على إسرائيل

وقد انضمت أيضا صحف ومواقع إسرائيلية إعلامية إلى الحملة ضد قطر، كان أبرزها صحيفة معاريف الإسرائيلية بنشرها مقالا تحت عنوان "القنبلة القطرية" يتهم الدوحة بأنها الممول الرئيسي لما تصفه بالإرهاب. كما وصفت الإمارة بأنها جهة متطرفة واستفزازية في الشرق الأوسط.

مرتكزات الهجوم
ترجع أساسات هذا الهجوم على قطر التي أغلقت المكتب التجاري لإسرائيل فيها عام 2009، إلى تأكيد الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز أثناء لقائه في أكتوبر/تشرين الأول 2012 مع مسؤولة الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون، "أن المال الذي قدمه أمير قطر لغزة سيستخدم لشراء سلاح تقصف به إسرائيل". ولكن إسرائيل لم تنتظر سوى أيام لتشن عدوانها الثاني في نوفمبر/تشرين الثاني 2012 على قطاع غزة.

وتتمثل مرتكزات الهجوم الإسرائيلي الحالي على قطر في عدة نقاط رئيسية:

1- أن قطر هي الممول الأول والرئيسي لحركة حماس, وهي تهمة ترددها إسرائيل منذ سنوات، لكن جديد التهمة هذه المرة هو أن الدوحة تقدم دعما لحماس في المجال التقني فيما يتعلق بتقنية الصواريخ والأنفاق والهجمات الإلكترونية على إسرائيل.

وقد قال مدير شركة سايبر الأمنية أفيعاد دادون قبل يومين إن 70% من الهجمات الإلكترونية على إسرائيل مصادرها عناوين قطرية, وإن قطر دربت عناصر حماس على أنظمة الإطلاق التلقائي للصواريخ من حيث التوقيت, وأعطتها أجهزة استشعار لتفجير الجنود داخل الأنفاق، بينما زودتها بإحداثيات المواقع الحساسة في إسرائيل.

2- استضافة قطر لرئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل كزعيم لحركة إرهابية، واتهامه بإدارة أعمال ضد إسرائيل من الدوحة وبتسهيلات منها.

3- اتهام الجزيرة بالتحريض على إسرائيل وإظهارها بصورة الجلاد وإظهار الفلسطينيين بصورة الضحية.
4- ربط الدور القطري بتقديم الدعم لكافة "المنظمات الإرهابية" في الشرق الأوسط.

ويظهر جليا أن الحكومة الإسرائيلية مغتاظة بشدة من الدورين التركي والقطري في المنطقة، غير أن قطر تبدو بالنسبة لها هدفا أسهل من تركيا. وتحنق حكومة نتنياهو بشكل كبير على المواقف القطرية قبل العدوان الحالي على غزة وخلاله، وعلى التنسيق التركي القطري فيما يتعلق بجهود وقف العدوان.

غضب إسرائيلي
ومن المواقف القطرية التي أغضبت إسرائيل قبل العدوان الحالي على سبيل المثال لا الحصر:

1- زيارة أمير قطر السابق صحبة الأمير الحالي عندما كان وليا للعهد إلى قطاع غزة عام 2012 والتي مثلت بداية فك للحصار السياسي العربي عن القطاع.

2- الدور السياسي القطري بالتنسيق مع مصر وتركيا ودول أخرى لوقف إطلاق النار بعد عدوان 2012.

3- الدعم الإغاثي الإنساني لقطاع غزة في قطاعي فك الحصار والإعمار, وكانت إسرائيل ترى في ذلك توفيرا لميزانية حركة حماس لتوجهها في الإنفاق العسكري بشكل غير مباشر، غير أنها اتهمت قطر حديثا بتمويل حماس بشكل مباشر.

4- الدعم الاقتصادي والإعلامي للربيع العربي الذي تراه إسرائيل خطرا إستراتيجيا، وخاصة دعم الدوحة لمصر بعد ثورة 25 يناير، ثم موقفها المعارض للانقلاب العسكري في مصر خلال الفترة الماضية.

5- التنسيق القطري التركي تجاه قضايا المنطقة منذ انطلاق الربيع العربي وخاصة القضية الفلسطينية وما يرتبط بها, حيث تعتقد إسرائيل أن لهما دورا مهما في السعي لإضفاء شرعية على حركة حماس والقيام بمحاولات لإقناع الولايات المتحدة بالتعامل معها.

6- تعهد قطر قبل أسابيع بدعم رواتب موظفي حكومة الوفاق الوطني الفلسطينية، خاصة الموظفين الذين كانوا يتبعون الحكومة المقالة السابقة في غزة ولم تصرف رواتبهم مؤخرا.

الدور القطري الحالي
سلسلة من المواقف السياسية القطرية أغضبت إسرائيل خلال العدوان الإسرائيلي الحالي، بالإضافة إلى تغطية قناة الجزيرة الفضائية، وترجيح إسرائيل أن قطر تمد حماس بنصائح سياسية وإستراتيجية. ويتمثل ذلك في النقاط التالية:

الحكومة الإسرائيلية مغتاظة بشدة من الدورين التركي والقطري في المنطقة، كما تحنق بشكل كبير على المواقف القطرية بشأن العدوان على غزة، وعلى التنسيق التركي القطري فيما يتعلق بجهود وقف العدوان

1- التشديد القطري على أن إسرائيل هي التي أخلت بالتزاماتها تجاه الفلسطينيين، حيث خرقت اتفاق الهدنة الذي وقع في القاهرة عام 2012، إلى جانب "الإخلال باتفاقية تبادل الأسرى بعد استلامها الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط".

2- دعوات قطر المتكررة للعرب إلى العمل على إنهاء الحصار وفتح المعابر.

3- تحركات دبلوماسية قادها الأمير ووزير الخارجية خاصة مع تركيا وفرنسا، للتوصل إلى مسودة اتفاق تهدئة.

4- مطالبة الأمم المتحدة بتحمل المسؤولية، وذلك في اتصالات متبادلة بين الأمير والأمين العام الأممي.

5- تقديم خمسة ملايين دولار للاحتياجات الطبية العاجلة لمستشفيات القطاع.

6- اقتراح وزير الخارجية القطري خالد العطية إنشاء ميناء تجاري في قطاع غزة تحت إشراف دولي كحل مؤقت لتخفيف معاناة سكان القطاع، وحتى تحقيق إقامة الدولة الفلسطينية.

7- قيام قطر بعرض مطالب قوى المقاومة، وإعلانها أنها لن تمارس أي ضغوط على حماس، وأنها تعمل كقناة اتصال.

8- المشاركة الفاعلة في الاجتماع الذي سمي "الاجتماع الدولي لدعم وقف إطلاق النار الإنساني في غزة"، مع وزراء خارجية كل من الولايات المتحدة وتركيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا, وممثل للاتحاد الأوروبي، والذي أدى إلى تهدئة خرقتها إسرائيل. وقد اتهمت تل أبيت وكتّاب عرب قطر وتركيا بالعمل من خلال دورهما في هذا المؤتمر على إفشال المبادرة المصرية.

9- تفنيد وزير الخارجية القطري اتهامات وزيري الخارجية والاقتصاد الإسرائيليين أفيغدور ليبرمان ونفتالي بينيت لقطر بدعم الإرهاب، وتأكيده أنهما آخر من يحق لهم الحديث عن الإرهاب لأنهما من صانعيه وممارسيه.

10- كان آخر المواقف حتى كتابة هذه السطور استغراب أمير قطر من بيان الأمم المتحدة الذي أصدره الأمين العام بان كي مون والذي حمّل فيه المقاومة الفلسطينية مسؤولية انتهاك وقف إطلاق النار في قطاع غزة، دون أن تتحقق المنظمة الدولية أولا مما حدث بالضبط, خاصة أن البيان قال إن الأمم المتحدة ليست لديها وسيلة مستقلة للتحقق مما حدث.

وسائل الهجوم
تحاول إسرائيل مهاجمة قطر من خلال عدة أبعاد ووسائل أبرزها الإعلام والقنوات الدبلوماسية ومراكز التأثير في أميركا والدول الغربية، وذلك عبر:

1- التشويش على العلاقات القطرية الأميركية والتشكيك في التعاون بينهما من خلال نقاط مهمة منها:
أ‌- أن قطر تهدف إلى إسقاط الحكومات العربية "المعتدلة" الحليفة لأميركا في المنطقة من أجل إقامة نظام إسلامي عالمي.

ب‌- أن هناك تعاونا استخباريا ولو مؤقتا بين قطر وإيران تمد ا لدوحة من خلاله طهران بمعلومات حساسة حول أنظمة رسو السفن العسكرية الأميركية في الموانئ القطرية وأنظمة الرادار ومعلومات عسكرية وأمنية أخرى.

ت‌- أن استرجاع مكانة أميركا في المنطقة يكمن في التحلل من العلاقة مع قطر والتضحية بعقود الغاز معها، مع توفر بدائل كثيرة للقاعدة الأميركية في قطر.

2- عرقلة النمو الاقتصادي القطري بتشكيك المستثمرين -خاصة من الدول الغربية- في مستقبل استثماراتهم في قطر. ويندرج في هذا السياق حملة تشويهية ربما بدأت فيما يتعلق بكأس العالم بقطر عام 2022. وقد صرح بهذا وزير الاقتصاد الإسرائيلي نفتالي بينيت بالقول "يجب الطلب من الفيفا إلغاء كأس العالم في قطر، فشعار الفيفا هو اللعب النظيف، وأظن أن علينا إنهاء لعبة الحرب عبر سحب كأس العالم من قطر".

3- محاولة التشويش على المصالح القطرية في أوروبا وأفريقيا التي تشهد نشاطا إسرائيليا ملحوظا في الآونة الأخيرة.

أمام هذه الحملة التحريضية التي تسعى لتحقيق نتائج ملموسة، يتوقع ألا تقف قطر مكتوفة الأيدي، بل يرجح أنها ستقوم بخطوات وقائية ودفاعية لتفنيد الهجوم الإسرائيلي عليها، ولمزيد من الدعم لصمود الشعب الفلسطيني

4- تشويه المؤسسات القطرية المالية والإعلامية بشكل خاص، مثل الحديث عن بنك قطر وقناة الجزيرة بدعوى عدم المهنية وقلب الحقائق، وعلاقتهما بدعم "الإرهاب" ومساندته.

5- عدم التفرقة بين الحركات الإسلامية، واتهام قطر بدعم كافة الحركات الإسلامية المتشددة والمعتدلة، واتهامها أيضا بمد هذه الحركات بالسلاح. وتدخل حركات مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وجبهة النصرة وحماس والإخوان المسلمون في الدعاية الإسرائيلية.

6- توتير علاقات قطر بجوارها الخليجي بالتأكيد أنها مصدر تهديد، وربط ذلك بوجود علاقات بين الدوحة وتيارات أو حركات داخل هذه الدول. وربما ستحاول إسرائيل مجددا إعادة إحياء الخلاف الخليجي الذي أسفر عن سحب ثلاثة سفراء خليجيين من الدوحة.

7- لا يستغرب أن ينفذ جهاز الموساد نشاطات معينة تضر بالمصالح القطرية.

ويبدو أن الهجوم الإسرائيلي المركّز على قطر يأخذ طابعا جديا أكثر من كونه زوبعة إعلامية عابرة هذه المرة، ويرجح استمراره بأشكال مختلفة حتى لو انتهى العدوان الحالي على غزة. ويدور أساس الهجوم في فلك التصريحات المنسوبة إلى الوزيرة الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني في نوفمبر/تشرين الثاني 2012، حين قالت بوضوح إن كل قائد ودولة في المنطقة يجب أن يقرروا أن يكونوا إما جزءا من معسكر التطرف والإرهاب، أو معسكر البرغماتية والاعتدال، وإذا قرر قائد أو دولة ما مسارا آخر فسيكون هناك ثمن لهذا المسار.

هذا ويعتقد أن إسرائيل التي يتصدى لها صمود الشعب الفلسطيني وبسالة مقاومته مما جعلها في وضع حرج ميدانيا، ستعمل على تقوية تحالفاتها وتكريسها مع الدول التي تصنفها "معتدلة"، حيث لم تعد تخجل هذه الدول من الإعلان الإسرائيلي المتكرر أن هناك دولا عربية تتحالف مع إسرائيل من أجل مصالح مشتركة.

وأمام هذه الحملة التحريضية التي تسعى لتحقيق نتائج ملموسة، يتوقع ألا تقف قطر مكتوفة الأيدي، بل يرجح أنها ستقوم بخطوات وقائية ودفاعية لتفنيد الهجوم الإسرائيلي عليها، ولمزيد من الدعم لصمود الشعب الفلسطيني.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك