حسام شاكر

حسام شاكر

باحث ومؤلف واستشاري إعلامي، متخصِّص في الشؤون الأوروبية


لم تخرج "داعش" (تنظيم الدولة الإسلامية) من كهوف الماضي، وإن بدت أشبه بمسلسل تاريخي مُتقن نسبيا. فالظاهرة صعدت من صميم المجتمعات العربية المتعثرة، ومن مناهج التعليم التي قدّست القائد الأوحد وأسلاك التجزئة وغيّبت الوعي وخدّرت الشعوب. هي جاءت من تعطيل السياسة، وخنق المجتمع، وسحق الكرامة، وتجهيل الأجيال، وسرقة خبزها.

ليست حالة "داعش" سوى لائحة اتهام كاشفة لما بلغه الواقع السياسي والاجتماعي العربي، الذي لم يُنتج أحزابا وقوى فاعلة سوى قوى النفوذ السلطوي، التي لا تجد في مواجهتها في الساحة المدنية إلاّ حركات إسلامية إصلاحية يجري سحقها بلا هوادة.

أمّا جمهرة اللافتات والألقاب والأطياف الواقعة بينهما، فحدّدت -على غير إطلاق- خيارها بالانحياز إلى سلطات القهر في معركتها المصيرية ضد المجتمع، تصفية لحسابات مُسبقة مع الحركات الإصلاحية وأملا في أن يجود عليها سيِّد المسلخ بقطع من اللحم.

هكذا شاركت أطياف من النخب العربية في عملية النحر الجماعي لفرصة الحرية والديمقراطية التي أطلّت خلسة عبر بوّابات العرب بعد طول انتظار. ثمّ أخذت الأطياف ذاتها تعلو بالشكوى من التحاق قطاعات من الشباب بخيارات الاختناق الثقافي المسلّحة. هم أدانوا نهوض "بوكو حلال" بآمال الشعوب، قبل أن يجدوا أنفسهم في مواجهة "بوكو حرام" تحاصرهم على تخوم المدن.

ليست حالة "داعش" سوى لائحة اتهام كاشفة لما بلغه الواقع السياسي والاجتماعي العربي، الذي لم يُنتج أحزابا وقوى فاعلة سوى قوى النفوذ السلطوي، التي لا تجد في مواجهتها في الساحة المدنية إلا حركات إسلامية إصلاحية يجري سحقها دون هوادة

لسنا إزاء خلاف فقهي، بل هي عقدة مركّبة من الأزمات المتضافرة، التي تعبِّر عن ذاتها زيفا عبر مقولات ذات طابع ديني جرى التعسّف في تركيبها.
إنّ التصدي الساذج لتجربة "داعش" وأخواتها، من خلال معالجة الخطاب الديني، هي تزجية ممتعة للوقت بمحاولة عبثية خارج السياق. فالظاهرة ليست دينية في منشئها وإن أطلّت على الدنيا بالعمائم والرايات القديمة. صحيح أنّ معالجات الترشيد الديني مطلوبة تماما ولا غنى عنها، ولكن هل يصحّ التوجّه بها إلى الشباب البائس دون من أنتجوا بؤسَه وهبطوا به إلى هذه الدركات؟!

إنّ الخطأ المنهجي الذي يستسهل إحالة ظواهر كهذه إلى "كهوف التاريخ" أو إلى "تطرّف ديني"، قد يعبِّر عن انصراف وخيم العاقبة عن مسؤولية المعالجة المباشرة المطلوبة في الواقع لجذور المعضلات، إذ ينشغل القوم بمظاهرها ونتاجاتها عن منابتها وبواعثها.

فرغم تعدّد العوامل المؤسِّسة للظواهر وتضافرها، فإنّ التطرّف والارتكاس إلى مُتخيّل تاريخي هو في هذا المقام نتيجة قبل أن ينهض سببا، أمّا التدثّر بالنصوص واللافتات الدينية فيأتي في مسعى البحث عن شرعية للمسلك في مجتمعات يتعمّق فيها الانشداد إلى الشعارات الدينية، دون أن تكافئ ذلك معرفةٌ وافية متوازنة بما يقرِّره الدين ذاته.

والثابت أنّ آلة التفريخ الحقيقية للعنف المسلّح المشبّع بالضلال الديني وفخامة الألقاب، إنما تعمل بدأب في ثنايا الظواهر الاجتماعية والاقتصادية في الدولة العربية الحديثة المأزومة. هي تنضح بنتاجها من ركام الأجيال المُحبَطة، وحطام الشعارات الكبرى، وعبثية نُظُم التعليم المدرسية التي يتسرّب منها الحالمون بالغرق في أمواج المتوسط. إنه التفريخ الذي أنعشه تضعضع الأمّة، والهيمنة الخارجية، والإحساس بالإذلال الجمعي لدى أجيال فقدت الثقة بمصادر التوجيه الرسمي والثقافي والديني، كما عجزت عن إبصار مسارات التغيير المدنيّة المشكوك في جدواها.

ألم يكن المشهد السياسي العربي مُغلقا بالكامل في وجه الشباب الذين اختاروا الانتقال إلى جبهات العبث المسلّح؟ ماذا أبقوا لهم غير السعي لتحقيق فرصهم المتبقية في "المشاركة"، عبر الوصول إلى مراتب تخوِّلهم رفع راية، وقيادة جيش، وإدارة حقل نفطي، والاتجار عبر الحدود دون رقيب؟ أين هي المشاركة السياسية والمجتمعية خارج الشعارات الجوفاء المرفوعة، في زمن يُعاد فيه إنتاج الاستبداد أملا في كبح الربيع القادم؟!

دفعوا أولئك الشباب دفعا لمحاولة الانقضاض على المشهد بما أوتوا من إمكانات عصرهم، فتأهّب القادمون من فيافي التيه العربي لممارسة سلطتهم المسلّحة، تأسِّيا بالسلطات القائمة تقريبا. جاء الضباط إلى الحكم على ظهور الدبابات، وجاؤوا هم إلى "دولتهم" على متن عربات رشيقة تعبر الصحراء.

استمرأت أنظمة الاستبداد فعل الذبح وروّجت فظائعها عبر قنوات التلفزة، فباشر الشبان الذين يمارسون سلطتهم فعل الذبح أيضا وروّجوا فظائعهم عبر الهواتف الذكية وشبكة الإنترنت. بات الذبح والسيطرة على حقول النفط وخطوط التهريب من رموز التعبير المباشر عن ممارسة السلطة أو المشاركة فيها، أمّا الصراع فيجري بين أنظمة تحاول احتكار الذبح والموارد، وشبّان أنتجتهم الأنظمة ذاتها ويسعون جاهدين لاقتطاع نصيبهم من الطقوس.

لو خلطنا أوراق المراحل، وتصوّرنا ما يجري اليوم وكأنه يحدث قبل عقود أربعة أو خمسة، لجاز لنا أن نتصوّر التحاق الجماهير المهمّشة بلافتات أخرى، حمراء مثلا، تستقي تعبيراتها من "ديكتاتورية البروليتاريا" وتنشد خلاصها في "الأممية الاشتراكية"، وليس في دولة الخلافة. قد تبدو اللحى مختلفة قليلا، وقد تعلوها قبعات بدل العمائم، مع رفع صور "تشي" عوض اللهج بالدعاء للبغدادي.

ومع ذلك، فإنّ ظهور "الخليفة" في الهلال الخصيب، واعتلاءه المنبر، إنما جاء في اللحظة التاريخية التي تأكد فيها انهيار كلّ ما تبقى من مظاهر العمل العربي والإسلامي المشترك في منظومة الدول.

وقد برهن عدوان 2014 على غزة أنّ العربة تتدحرج حقّا دون أن يشغل أحدهم غرفة القيادة، لا في جامعة العرب ولا في مؤتمر المسلمين ولا حتى في مجلس الخليج، كما غابت الإطلالات المألوفة ضمن صفوف القادة والزعماء في المشهد الرسمي.

ليست "داعش" تنظيما أو "دولة"، بل متلازمة "ما بعد الربيع" وحالة "ما بعد القاعدة" في آن واحد، وهي على طريقتها في الميدان، تتقاسم المشهد العربي مع أنظمة الثورات المضادة والتقويض الشامل وتفجير الحلم بدولة العدالة وكرامة الشعوب

قبل عقدين مثلا، كان بعضهم يظهر على الشاشات من مواقع الرئاسة، ليعلن أنه رأى الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام ومنحه سيفا مسلولا لقيادة شعبه ونصرة أمّته. ولمّا غاب "القادة العرب" لم يتريّث "البغدادي" أو منافسوه، فبرزوا ليشغلوا فراغا كبيرا في الفضاء السمعي البصري العصيّ على الاحتكار، وليشغلوا الجماهير بهذه التجربة الجديدة ولتتوالى ردود الفعل الدولية على الزعماء الجدد.

إنها ظاهرة إعلامية أيضا، يطرب بعض سادة الميدان فيها لردود الفعل التي يجود بها زعماء العالم على قراراتهم الخرقاء.

انصرفت قطاعات من الشعوب صوب "الخليفة"، الذي بدا لبعضهم طيفا مخلَّصا في لبوس القادم في آخر الزمان، ليحكم الناس بالقسطاس المستقيم. ولعلّ الإفاقة أحدثتها أطنان المتفجرات التي ألقت بها آلة العدوان الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني في غزة، ولم تلقَ من "الخليفة" ردّا يُلمَس أو جوابا يُسمَع، وإنما جاء "العصف المأكول" من تجربة شعبية ناهضة وواعية تبزغ بالأمل من وسط الحطام العربي الراهن.

نقاش متأخر، بل متأخر جدا، هذا الذي يجري عن ظاهرة "داعش". وهو برهان جديد على افتقار المشهد العربي العام للقراءة الإستراتيجية للظواهر في منشئها، بل وتعطّل الحسّ الاستشرافي الذي يتشوّف الآتي ويتأهّب له، فضلا عن أن يساهم في تشكيله. أمّا الجامعات ومراكز البحث فعملت في استقلال نسبيّ عن المجتمع وقضاياه، وانصرفت إلى صناعة الشهادات وتوزيع الألقاب واقتسام الحظوة ضمن معادلات كرّستها الأنظمة القائمة.

تفرض الظاهرة نقاشا في العمق، بما يتجاوز الانشغال بالتأثيرات التي تدخّلت لافتعالها. فحتى لو تجاوز الزمن الفقاعة، تبقى محاضنها وملابساتها قادرة على الدفع بمفاجآت أخرى إلى الأفق العربي والإسلامي المحفوف بأنظمة القهر والاستبداد وتآكل السيادة.

ليست "داعش" تنظيما أو "دولة"، بل متلازمة "ما بعد الربيع" وحالة "ما بعد القاعدة" في آن واحد، وهي على طريقتها في الميدان، تتقاسم المشهد العربي مع أنظمة الثورات المضادة والتقويض الشامل وتفجير الحلم بدولة العدالة وكرامة الشعوب.

يقترف مشهد النخبة العربي في نسخه المحلية خطيئتين متلازمتين، أولاهما عندما يتأخر في التعرّف على الظواهر في منابتها أو يتلكّأ في تناول بواكيرها، وثانيهما عندما يُخضِع هذا التناول المتأخِّر لتراشقات سياسية ودعائية تحيد بالموقف عن المعالجة الأمينة فتقحمه في ضروب الاستعمال الرخيص.

ثمّ يأتي الانكفاء الذي يروق لقطاعات من النخب العربية، بإطلالتها على المشهد من خانة التحليل والترقّب، التي لا تنشغل بخيارات التعامل مع الظواهر أو إنضاج مبادرات لاحتوائها. ويكفي أن نلحظ مراهنة بعضهم على الطائرات الأميركية المسيّرة دون طيّار في حسم الموقف، وكأنّ الظواهر تعجز عن إعادة إنتاج ذاتها بصيغ شتى.

ومن أعراض الأزمة التي تتلبّس النخب العربية، حتى الإصلاحية منها أحيانا، عجزها عن الالتفات إلى الأحياء القريبة في المحيط الحضري، حيث تنشأ الظواهر وتتفاعل سريعا وتضغط على المراكز.

فمن بحاجة للذهاب بعيدا كي يكتشف الواقع، مع أحزمة السكان المهمّشة التي تشكّلت عبر العقود الأخيرة جراء نزف الريف والمناطق المنسيّة. تحوّلت تلك الأحياء البائسة إلى تجلِّيات متقدِّمة في العواصم والمدن الكبرى لتناقضات المركز والأطراف داخل الدولة العربية الحديثة المثقلة بالعجز، ومن اليسير استخدام ما تفيض به من مخزونات الإحباط في تفجير المجتمعات في لحظات الإفاقة والبناء.

لقد ازدادت أوساط النخب العربية -مع الوقت- تقوقعا من العاصمة إلى مراكزها، ومن مراكزها إلى أروقتها الموصدة دون الشعب، فباتت الصفوة تَعني بالعاصمة، تلك الحالة الطبقية المصطنعة التي تجسِّدها بؤر ضيِّقة تحتفظ بأثر من "نقاء المدينة".

مَن أغلقوا أبواب البرلمان دون شعوبهم، وعطّلوا الحياة العامّة، وسارعوا إلى عسكرة الدول، وتمجيد الأيادي التي تسحق المطالبين بالحقوق في الميادين؛ هم أنفسهم الضالعون في إخراج المارد من قمقمه وتحضير شروط الفوضى

مثل هذا -مع الفارق- نجده بصفة محسّنة للغاية في حواضر مثل باريس، التي لم تعد تعني اليوم في الإدراك الجمعي سوى مركزها السياحي والثقافي وحسب، رغم أنّ ثقلها السكاني إنما يقع في الرقعة الكبرى للعاصمة بضواحيها التي تحفل بالتنوّع والأزمات الكامنة وتشهد على تقاليد التجاهل التي تحكم خيارات الطبقة الفرنسية المُمسكة بالاقتصاد والسياسة والإعلام.

لقد خبرت دول عربية أطوار التمزّق والتفكّك خلال السنوات الماضية، لكنّ مركزية العاصمة وبعض الحواضر المستحوِذة على النفوذ، أفقدت شرائح الصفوة الإحساس بحالة التشظِّي المتسارعة، "فالدنيا بخير" طالما أن ما يقع في نطاق الوعي العام للصفوة قابل للاحتمال.

وقد نحتت دمشق وبغداد، أسوة بكابول، نماذج جديدة في "الدولة المدينة" الغارقة في وعيها الزائف ولا تعبأ بالحريق الذي يأتي على البلد من أطرافه، لكن، مَن بوسعه على المدى البعيد حجب أعمدة الدخان أو احتمال العيش بمعزل عن نسق الجغرافيا؟!

ليس تعسّفا تشخيص اثنتين من الخطايا: أولاهما التسبّب المباشر وغير المباشر في اندلاع الظواهر، ومن ثمّ تفجّرها على النحو الذي يجري الاعتراف المتأخِّر به. أمّا الخطيئة الثانية فالتنصّل من المسؤولية عنها وتشديد النكير عليها دون الانصراف إلى معالجتها.

فمَن أغلقوا أبواب البرلمان دون شعوبهم، وعطّلوا الحياة العامّة، وسارعوا إلى عسكرة الدول، وتمجيد الأيادي التي تسحق المطالبين بالحقوق في الميادين، هم أنفسهم الضالعون في إخراج المارد من قمقمه وتحضير شروط الفوضى، ليس بعيدا عن تدخلات السياسة الدولية وتلاعباتها بالجغرافيا ومصائر الشعوب والحسابات الإستراتيجية وحقول النفط، وبالطبع تحصين الاحتلال الإسرائيلي.

أمّا حديث بعضهم في مراكز القرار الدولي عن خطر الظاهرة التي "ستطاردنا في شوارعنا إن لم نوقفها"، بتعبير ديفد كاميرون، فلا بدّ أن يحيلنا إلى جوقة الجوار الأوروبي والأسرة الدولية، وتجربتها مع "الربيع العربي" الذي صفقت له، ثمّ أجازت عملية الإجهاز عليه بلا هوادة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك