عبد الله علي إبراهيم

عبد الله علي إبراهيم

أستاذ التاريخ الإفريقي والإسلام بجامعة ميزوري


صارت ولاية ميزوري منذ التاسع من أغسطس/آب قبلة الإعلام الوطني والعالمي الذي جاء يغطي حادثة مقتل الصبي الأسود مايكل براون (17 سنة) على يد ضابط الشرطة الأبيض دارن ويلسون بمدينة فيرغسون (21 ألف نسمة) شمال غربي قضاء سنت لويس أكبر مدن الولاية.

وأطلق ويلسون ست رصاصات على براون أصابته أربع منها في يده اليمني وهو في مواجهة الشرطي وعلى مبعدة منه، كما جاء في تقرير الطب الشرعي. وأكثر ما ساء الناس أن الشرطي لم يأذن لممرضة من الجيران بإجراء التنفس الصناعي لبراون، وظل واقفا عند جسده الصريع لساعات لم يهتم فيها حتى بالتحقق من حياته من موته.

وامتدحت الشرطة الضابط الذي عمل في دوائرها لست سنوات خلت من أي صور من صور المحاسبة على تفريط مهني، ولم تذع الشرطة اسم ويلسون إلا مؤخرا في سياق عرض شريط لمحل تجاري صوّر براون وهو ينهب المحل ويرهب صاحبه ويضربه كما سنفصل.

امتدحت الشرطة الضابط الذي عمل في دوائرها لست سنوات خلت من أي صور من صور المحاسبة على تفريط مهني، ولم تذع اسم ويلسون إلا مؤخرا في سياق عرض شريط لمحل تجاري صوّر براون وهو ينهب المحل ويرهب صاحبه ويضربه

بدا أن النيويورك تايمز عبرت عن قطاع واسع من أهل الرأي بأن التحقيق في الحادث، جاء بالقسط أم لم يأت، لن يضع أمر فيرغسون في نصابه. ومع أننا نطمع في تحقيق عادل إلا أنه ليس نهاية الأرب. فلم يُجد القضاء في تسوية مقتل تريفون مارتن، الصبي الأسود على يد جورج زمرمان الأبيض في يوليو/تموز 2013 بل زاد الأمر سوءا حين حكم للقاتل بذريعة الدفاع عن النفس وتغاضى عن مضامين الواقعة العرقية.

فما قاد زمرمان لقتل الفتى الأسود هو وسوسة بيضاء معروفة تتحسب لمجرد مرور مثل ذلك الفتي بحيهم حتى لو لم يبيت شرا. وشابت الحزازة البيضاء مخايل التحقيق في فيرغسون وهو ما يزال في طوره الباكر.

فشرطة فيرغسون نشرت شريط فيديو براون وهو يسرق دكانا ويعتدي على صاحبها قبل مقتله، كما روجت للعثور على مخدرات في دمه، ولم تأت بكلمة واحدة بشأن ملابسات عراك براون مع الضابط ويلسون. واتفق الكثيرون أن ذلك كان اغتيالا ثانيا لشخصية براون ومادة مدروسة لينصرف بها من يريد عن الاشتغال بلص مسطول لقي مصيره. وقال محامي الأسرة "إنهم لا يريدون من هذ الترويج حل الجريمة بل تبريرها".

من جهة أخرى تكتنف بوب مكالاك، مدعي عمومي قضاء سنت لويس لعقدين، طعون في ذمته المهنية دعت بسببها دوائر من ذلك القضاء لعزله، وها هو يشتبك مع حاكم الولاية لأنه نزع احتواء أزمة فيرغسون من شرطة قضاء سنت لويس وعهد به لشرطة الطرق العابرة والحرس الوطني. ويقول الطاعنون في حياده المهني إن والده الشرطي قد لقي حتفه بيد أحد السود.

من رأي النيويورك تايمز أن بوسع مكتب التحقيقات الفدرالي أن يسبر غور حادثة فيرغسون الفاجعة، ويميز البريء من المذنب فيها، ولكن لن يسعفنا مثل هذا التحقيق في فهم الاقتصاد السياسي لتاريخ من العنصرية الأميركية، واختلاف حظوظ المعاش، وصلف الشرطة التي ظلت تعيد إنتاج مثل حادثة فيرغسون.

وقالت إن هذا التاريخ تجسد في أعلى صوره في قضاء سنت لويس، فهذا القضاء أكثر المواضع في أميركا تفرقة بين البيض والسود، فالسلطان فيه للبيض وفيهم إدارة القضاء والغلبة في شرطته. والسود وافدون جدد على سكن ضواحي القضاء، فحتى الأربعينات لم يكن مسموحا للسود بمثل هذا السكن بمنع بناء العمارات السكنية فيها، ولا يقوى السود بالطبع على غير الإيجار فيها.

وكانت فيرغسون استثناء لأنها بنيت قبل سن قانون منع بناء العمائر، وصارت مقصدا للسود، وأدى ذلك لنزوح البيض منها فقلت نسبتهم فيها من 85% عام 1980 إلى 29% عام 2010، وغلب السود فصاروا 69% من سكانها عام 2010 بينما كانوا 14% عام 1980.

ولم تنعكس هذه الحقيقة الديموغرافية في تركيبة إدارة المدينة فغلب البيض في حكومتها كما تقدم، فالعمدة ومدير الشرطة وخمسة من أعضاء المجلس الستة بيض وسادسهم من ذوي الأصول اللاتينية.

حسب استفتاء للرأي أخير فإن 22% من الجمهوريين لا يرون في الحادث الخطر الذي يراه 68% من الديمقراطيين. بل يرى 61% من الجمهوريين أن إثارة موضوع العرق مبالغ فيها مقابل 21% من الديمقراطيين

وإلى هذه الحوكمة، حكم البيض الأقلية على السود الأكثرية، ترجع نسب التجريم العالية للسود في المدينة، وسبب أكثر هذا التجريم الجزافي أن مدنا مثل فيرغسون تمول حكومتها من غرامات مخالفات الحركة. ولذا تنشط في التوقيف بين الأكثرية السود.

كشفت واقعة فيرغسون مرة أخرى ما يكتمه السود من غبينة في بيئة الاستضعاف التي يكابدونها. والشجاعة الواجبة الآن أن تجد الدولة والمجتمع الأميركيين الشجاعة والنبل لمواجهة الإرث العنصري الصدئ، كما فعلا في الحرب الأهلية عام 1865 وفي حركة الحقوق المدنية عام 1965.

ومع نذر الحادثة التي تستصرخ أميركا لإصلاح جذري آخر للعلاقات العرقية فيها، إلا أن إجماع الأميركيين على وجوب هذا الإصلاح مستبعد. فحسب استفتاء للرأي أخير فإن 22% من الجمهوريين لا يرون في الحادث الخطر الذي يراه 68% من الديمقراطيين. بل يرى 61% من الجمهوريين أن إثارة موضوع العرق مبالغ فيها مقابل 21% من الديمقراطيين.

وللحسرة -حسب الواشنطن بوست- فإن أوباما، الرئيس الذي اعتقد الناس أنه سيكون القنطرة بين البيض والسود، صار الرئيس الذي يستقطب الناس شيعا متى تحدث في العرق. ومع أنه، بالثابتة، أقل الرؤساء الديمقراطيين حديثا عن العرقية، بل ما سنحت فرصة إلا تجده حمل على قومه وعاب طرائقهم في الحياة، إلا أن خصومه في الوسائط مثل قناة فوكس جعلوه كذلك عنوة وتكرارا، وأفرغوه من البشائر الكبرى في الصلح العرقي التي رنا الناس إليها في أول عهده.

وتقف على رأس قضايا الإصلاح الجذري للحوكمة الأميركية رد الشرطة من حالة العسكرة التي تقمصتها. فقد كشفت واقعة فيرغسون ظاهرة هذه العسكرة بجلاء. فوضح من نوع الأسلحة والعتاد واللبس والمركب التي تدججت بها الشرطة في مواجهة المحتجين أن الشرطة إنما تقتفي أسلوب الجيوش في التعاطي مع "الشغب" المدني.

وسيكون على رأس أولويات إصلاح الشرطة زيادة أعداد السود فيها، وليس هذا بالقول يلقى جزافا. فقد وجد هذا المطلب صورته المغرية الجاذبة في شخص رونالد جونسون، الضابط الأسود من شرطة الطرق العابرة الذي كلفه حاكم الولاية بإدارة أمن المدينة. فلم يجد جونسون، ابن قضاء سنت لويس، عسرا في التماهي مع الوضع العرقي المتفجر في فيرغسون. فكان، كما قيل، وجه القانون ووجه المحتجين في وقت معا.

والواقع أنه لن يكون لأجندة الإصلاح التي تستصرخ الأميركيين مستقبل لو لم تنهض بين السود قيادة مدنية أفضل مما توافر خلال محنة فيرغسون. فلاحظت جولي روزمان من النيويورك تايمز -كما لم يخطر على بال غيرها- أن أكثر شرر عنف فيرغسون ناجم من فراغ قيادي بين السود، فبين شبابهم وشيوخهم وقادتهم الدينيين هوة جيلية كبرى. فلم يسمع الشباب لنصح كبارهم بالتهدئة حتى ما التمستهم منهم أسرة براون نفسها.

وتروي الصحفية عن شاب قوله لها "أتودين أن تعرفي إن كان لنا قائد؟ لا. قائدنا مايكل براون". وأشارت إلى الشعور بالإخفاق الذي عبر عنه كبار السن من قادة المجتمع والكنيسة من إعراض الشباب عن الاستماع إليهم ونعوا الفراغ القيادي في الاحتجاج.

حري باستضعاف السود الأغلبية في فيرغسون أن يثير مسألة القيادة الغائبة من جهة تباعد الطبقة الوسطى السوداء عن مظالم أهلها، فلا يجدون محيصا عن الشغب الذي عرّفه زعيم حركة الحقوق المدنية في الستينات، مارتن لوثر كنغ بأنه صوت من لم يصخ له أحد

حري باستضعاف السود الأغلبية في فيرغسون أن يثير مسألة هذه القيادة الغائبة من جهة تباعد الطبقة الوسطى السوداء عن مظالم أهلها، فلا يجدون محيصا عن الشغب الذي عرّفه زعيم حركة الحقوق المدنية في الستينات، مارتن لوثر كنغ بأنه صوت من لم يصخ له أحد.

فمن المحير ألا يستخدم السود كثرتهم لوضع بصمتهم في حكومة المدينة، فلم يزد عدد من صوتوا في انتخابات عمدة المدينة الأخيرة في أبريل/نيسان الماضي عن 12%.

ويجد بعض قادة السود في هذا التقاعس عن طلب القوة السياسية في فيرغسون تبريرا بالقول إن سود ضواحي قضاء حديثو عهد بها خلافا لمدينة سنت لويس التي رسخت فيها الجماعة السوداء ودبرت منظماتها المدنية وتعبأت حتى شغل أفراد منها وظائف عامة مرموقة، وهو عذر أقبح من ذنب.

بل تجد من كتاب الرأي السود من يبكت البيض ويطلب منهم توظيف امتيازهم لزلزلة نظام سلطانهم القديم الذي استفادوا منه، والزلزلة أقرب إليه من حبل الوريد متى طلب القوة السياسية عن طريق التعبئة للتصويت في الانتخابات في فيرغسون وغيرها، وهي مهمة نهض بها شباب حركة الحقوق المدنية في الستينات في عرين العنصرية البيضاء في الجنوب الأميركي وذاقوا الأمرين. فكيف يزهد قادة اليوم في مثل الرصيد الأسود في فيرغسون وهي على مرمى حجر من سنت لويس أحد المراكز الهامة للمنظمة الوطنية لتقدم الشعب الأسود. بدا لي أن القادة المنتظرين طويلا من طبقة السود الوسطى يحسنون الشكوى ويقلون عند الفزع.

استدعي كاتب محسن عبارة من الشاعر الأسود لانغستون هيوز في بطء الأماني العزيزة دون التحقق. والتآخي الأميركي ما يزال مشروعا، كما يقول الأميركيون، لا يكاد يبلغونه برغم مر القرون وقائمة من الإنجازات في سبيله: تحرير الرقيق، الحقوق المدنية السوداء، الخلطة في المدارس، التمييز الإيجابي. ومع ذلك يبدو كسراب بقيعة:

ما الذي يحدث لحلم تباطأ
هل يجف؟
مثل زبيبة تحت الشمس

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك