إدواردو بشارة بركات

إدواردو بشارة بركات

كاتب أرجنتيني


الغنيمة
أميركا اللاتينية وفلسطين
صمت متواطئ

قبل نحو شهر قُتل ألفا فلسطيني في غزة، من بينهم 450 طفلا، وجرح ما يقارب من عشرة آلاف شخص، وصل معظمهم حافة الموت، إنهم أشخاص بريئون سيظلون بدرجات مختلفة من الإعاقة بقية حياتهم.

وفي وسط القرن الـ21، نحن شاهدون على هجوم على مدارس وملاجئ، مقرات ومكاتب الإغاثة الإنسانية، المستشفيات، والأحياء المدنية والمحطات الكهربائية، فيما لا يجد الفلسطينيون مكانا يختبئون فيه من القنابل التي تجتاز الهواء وتسقط على منازلهم دون احترام للهدنة.

تحمل هذه المجزرة اسما اختارته إسرائيل بعناية "الجرف الصامد". كانت العمليتان السابقتان تحملان اسمي "الرصاص المصبوب" و"عامود السحاب". لم تعد هذه العبارات الملطفة تخدع أحدا، ففي خضم الغضب العارم الذي اجتاح شبكات التواصل الاجتماعية، رأينا الظلم يعمُّ في زمن حقيقي، إذ انتشرت دماء الأبرياء لآلاف الكيلومترات، حتى طمرت العالم وجعا وخجلا.

بدأت مأساة فلسطين بإعلان وعد بلفور عام 1917، ومن خلال هذه الخطوة المندرجة تحت حالة من الغموض الدبلوماسي، وضعت بريطانيا القواعد لخلق شعب يهودي في الأراضي الفلسطينية

لقد كانت فكرة هذا التطهير العرقي ذي الأبعاد التوراتية قد اختمرت منذ ما يقارب القرن، محميا من أولئك الذين يستطيعون إيقافه، وها هو الوقت قد حان لكسر الصمت.

الغنيمة
بدأت المأساة بإعلان وعد بلفور عام 1917، ومن خلال هذه الخطوة الرئيسية المندرجة تحت حالة من الغموض الدبلوماسي، وضعت الإمبراطورية البريطانية القواعد لخلق شعب يهودي في الأراضي الفلسطينية.

وبالرغم من أنها لم تكن سوى رسالة واحدة بين بلفور ولورد روتشيلد، فقد جعلت الانتداب البريطاني لفلسطين متورطا بالأمر. لقد حاك المفكر آرثر كوستلر خيوط هذه المؤامرة في كتابه (وعد وتنفيذ) حين قال "أمة وعدت أمة ثانية بأرض أمة ثالثة".

حتى عام 1920، وصل ما يقارب من نصف مليون يهودي لفلسطين من أماكن مختلفة. خلف هذا التيار المهاجر كان ثمة مخطط، بيد أن وسائل الاتصالات لم تكن بالتدفق الذي هي عليه اليوم. كان العالم يحاول أن يشفى من جراح الحرب العالمية الأولى وأن يعتاد التكيف مع التحولات الجيوسياسية.

وبحلول عام 1922، صادق مجلس عصبة الأمم على الانتداب البريطاني، لم تكن حينها مخططات الصهيونية واضحة للعالم بعد. ومنذ عام 1939، فإن معاناة الشعب اليهودي في معسكرات الاعتقال جعلت العالم يميل للتعاطف معهم، ذلك التعاطف الذي غطى على القتل الذي بدأ بحجاب من حديد، وأصبح الشعب اليهودي محميا بشكل ضمني.

عام 1947، أعلن قرار الأمم المتحدة 181 الذي أعطى أساسا قانونيا لإنشاء دولة إسرائيل، وقسمت الأراضي خلف ظهور الفلسطينيين. تلك الخطوة أظهرت إنكار وجود الشعب الأصلي بوجود نظام من المعتقدات ومؤسسة اجتماعية سياسية، وفوق كل ذلك، فقد أعطوا الفلسطينيين أراضي صحراوية وجبلية، فيما كانت الأراضي الخصبة من نصيب إسرائيل.

واليوم لا تعترف إسرائيل حتى بحدودهم بموجب قرارات الأمم المتحدة. حكومات العالم، متأثرين بالجهاز القوي للوبي الصهيوني، صمتت أمام المصادرة المستمرة للأراضي والممتلكات وأمام الاضطهاد والإبادة التي تلاحق الفلسطينيين منذ سنوات عدة.

ناضلت المقاومة الفلسطينية من أجل الحق في تقرير مصير شعبها في أوضاعه الصعبة وحصاره من قبل إسرائيل، التي لا تسمح بحرية الحركة في الأراضي التي انضمت لها، وإضافة للمعاملة العنصرية، فهناك من يقتله المحتل بالرصاص في عقر داره التي قضى بها طفولته.

وما ظهور حماس وغيرها من الفصائل الفلسطينية إلا نتيجة القهر المفرط ضد شعب يفقد تدريجيا إمكانية العيش وتقرير المصير، ما يصفونه بالإرهاب هي تلك المقاومة التي خرجت من أولئك الذين فقدوا كل شيء.. لو تمكن الفلسطينيون من امتلاك الوسائل، فسيكون لديهم جيش معتبر بدل الصواريخ البدائية والحجارة.

أميركا اللاتينية وفلسطين
أظهرت أميركا اللاتينية تضامنا كبيرا مع الفلسطينيين، واتخذت تقريبا معظم حكومات المنطقة تدابير للتظاهر من أجل السلام وضد إسرائيل.

خوسيه موخيكا من الأوروغواي وصف الوضع بـ"الإبادة"، إيفو مورالس أمر بضرورة حصول الإسرائيليين على تأشيرة قبل دخول بوليفيا معتبراً إياهم قادمين من دولة إرهابية. تشيلي والبيرو والبرازيل والإكوادور والسلفادور استدعوا سفراءهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة للتشاور في الوضع.

أولئك الذين لم يتبرأوا من سياسة التدمير والإذلال وقتل المدنيين التي تتبناها إسرائيل، أصبحوا متواطئين، إذ ليس هناك سبب للحكومات المدنية لحملها على اللامبالاة

وطالبت البلدان التي تشكل السوق المشتركة لأميركا الجنوبية (ميركوسور)، ومن بينها الأرجنتين، بوقف فوري لإطلاق النار في قطاع غزة. كولومبيا خصصت نقودا للضحايا الفلسطينيين. نيكولاس مادورو أعلن عن عزمه إرسال مساعدات، فضلا عن إعداد مأوى لاستقبال اللاجئين في فنزويلا.

فيدل كاسترو أكد أن ما حدث هو "شكل جديد وبغيض للفاشية"، كما وقع على البيان الدولي للدفاع عن فلسطين، الذي يحوي أصواتا لشخصيات بارزة كأدولفو إسكيفل وإدواردو غاليانو وغيرهما.

صمت متواطئ
بعض الحكومات أظهرت نداءات فاترة من أجل السلام، لكن هذا ليس كافيا، فالمطلوب هو محاكمة قوية ومستمرة لا تهمل التفاصيل المتعلقة بالإبادة الفاضحة والمهينة والوحشية بحق الشعب الفلسطيني.

أما أولئك الذين لم يتبرأوا من سياسة التدمير والإذلال وقتل المدنيين التي تتبناها إسرائيل، فقد أصبحوا متواطئين، إذ ليس هناك سبب للحكومات المدنية لحملها على اللامبالاة, وكمثال ذي قيمة نذكر "بارونيسا وارسي" (سعيدة وارسي) وزيرة الدولة السابقة بالخارجية البريطانية، التي استقالت من منصبها لأنها "لم تعد تتحمل السياسة البريطانية تجاه العدوان الإسرائيلي على غزة".

المطلوب الآن هو توحيد الجهود لوضع إسرائيل أمام محكمة الجنايات الدولية. من الواجب إدانة جرائم الحرب ليكون للشعب الفلسطيني ذات الفرصة في تحقيق العدالة كما حدث مع اليهود في نورمبرغ.

إنه وقت الوقوف إلى جانب من يحتاجون العدالة والتضامن منذ زمن. ليس مهما كم هي قوية الأسلحة أو الآلة الإعلامية، فالعالم قد توحد مطالبا بالعدالة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك