زياد منى

زياد منى

كاتب فلسطيني


ربيع العرب فلسطين، وربيع فلسطين غزة، وربيع غزة ضحاياها الأبرياء وشهداؤها الأبرار وأهلها ومقاوموها الأبطال.

نعم، نقول هذا رغم هول المجزرة التي نفذها العدو بحق أهلنا في القطاع المحاصر، ورغم فجاعة الموقف وطغيان الدمار ورائحة التواطؤ والموت التي تطل من كل زاوية من زوايا الأرض العربية والفلسطينية.

نعم، نعلم حجم التضحيات التي يقدمها شعبنا، طوعا، وكرها أحيانا. لا نعرف لِمَ لم تبن لهم ملاجئ خلال الفترات السابقة. هذا موضوع مهم، لكن طرحه والبت فيه مؤجل. يجب العودة إليه في المستقبل ومعرفة أسباب التقصير ومحاسبة المسؤولين أيضا بهدف تجنب الأمر في معاركنا الوطنية/القومية الآتية لا محالة.

الحرية لا تنقسم. من يريد الحرية لشعبه لا يمكن أن يقف متفرجا أو محايدا من قضية فلسطين، التي هي أكثر قضايا الاستعمار عدالة، مع أن الناطقين باسمها، وأعني المؤسسة السياسية الفلسطينية، وبكل أسف، هم "أسوأ مدافعين عن أعدل قضية"

كتبنا في بدايات الحراكات العربية -أو سمها ما شئت- أنه لا شرعية لثورة فلسطين ليست شعارها. البعض اختار أن يفهم أن المقصود إخضاع كافة مسائل تحررنا الاجتماعي والاقتصادي والفكري وغيرها، لمصلحة القضية الفلسطينية وأن الشعار تسويغ لكافة ممارسات الأنظمة العربية الممانعة، وأن على شعوب أمتنا التضحية بحاضر أبنائها ومستقبلهم من أجل فلسطين [التي لن تعود]، مع أننا كررنا مرات ومرات أن الموقف من فلسطين هو البوصلة، هو الأساس الذي يمنح أي تحرك شعبي أي شرعية.

ففي قضية فلسطين تتكثف كل معاني النضال الوطني/القومي، وفروعه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية... إلخ، ولسنا في حاجة إلى تكرار ذلك.

وقد جاء العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة -المغرق على نحو استثنائي في وحشيته، حتى بالمقاييس الصهيونية- ليكشف لكل شخصية وأنظمة ومؤسسة أغمضت أعينها في الماضي عن حقيقة الصراع في بلادنا وجوهره. من وقف متفرجا أو مؤيدا صريحا للعدوان تحت مختلف الذرائع الواهية، أثبت موقفه الذرائعي المعادي لطموحات شعوب أمتنا.

فمسألة الحرية لا تنقسم. من يريد الحرية لشعبه لا يمكن أن يقف متفرجا أو محايدا من قضية فلسطين، التي هي أكثر قضايا الاستعمار عدالة، مع أن الناطقين باسمها، وأعني المؤسسة السياسية الفلسطينية، وبكل أسف، هم "أسوأ مدافعين عن أعدل قضية".

البعض، في موقفه الذرائعي المخزي، وقف مؤيدا للعدوان الإسرائيلي، سواء بعدم شجبه أو الانحياز له أو تحميل المقاومة الفلسطينية مسؤوليته، مديرا ظهره لكل مبادئ قضايا الحرية منشغلا بلوم الضحية.

ثمة أكثرية مشبوهة من هؤلاء "الحداثيين"، تتذرع بأن وقوفها إلى جانب المقاومة الفلسطينية في غزة يعني وقوفها إلى جانب قوى دينية إسلامية "ظلامية"، وما إلى ذلك من لغو وتزوير للحقائق. هذه الذريعة الرئيسة مردودة على أصحابها لأنها تتجاهل حقيقة أن الكيان الإسرائيلي، فكرا وتطبيقا، عنصريا حتى النخاع، وهو يطرح نفسه دولة دينية بامتياز. فكيف يمكن لهؤلاء "الحداثيين" تبرير جمعهم بين معارضة الإسلام السياسي والانحياز إلى حد التماهي مع اليهودية السياسية؟ غريب أمرهم!

على أي حال، هؤلاء -كما كُثْر من قبلهم- تجاوزتهم الأحداث ورمى التاريخ بهم خلفه. فمعركة غزة الأخيرة، نكرر: رغم عظم عدد الضحايا (الشهداء) وحجم الدمار، تعد منعطفا مفصليا في تاريخ الصراع العربي الصهيوني. فهذه المرة الثانية التي يمنى بها العدو بهزيمة واضحة تداعياتها ذات أبعاد إستراتيجية.

كثير من ضباط الجيش الإسرائيلي بدؤوا يعدون ملفات الدفاع عن أنفسهم لأنهم يتوقعون محاكمتهم في بعض الدول الأوروبية بصفتهم مجرمي حرب خسروها، كما أن حزب الليكود بدأ بالبحث عن زعيم جديد بدل نتنياهو الفاشي الفاشل

وإذا كانت معركة لبنان عام 2006 حيث قدم مقاتلو حزب الله أداء بطوليا واستثنائيا في مواجهة القوات الإسرائيلية يمكن تفسير بعض نجاحاته بحصول الحزب على أسلحة نوعية وحرية تحرك لا تملكهما المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة المحاصر برا وبحرا وجوا، فإن نجاح الأخيرة يكتسب بعدا محوريا وبداية تأريخ جديد للصراع العربي الصهيوني.

لقد فقدت إسرائيل هيبتها للمرة الثانية، وهذه المرة على يد قوة عسكرية أضعف بكثير مما واجهته في جنوبي لبنان عام 2006. إسرائيل، رغم تبجحها بقوتها العسكرية التي لا تقهر وقدراتها الاستخباراتية شبه الإلهية:

- لم تتمكن من اقتحام قطاع غزة المحاصر منذ عقد من الزمن، وتوغلها في أراضيه لم يتجاوز بضعة أمتار حدودية.

- لم تتمكن من كشف الأنفاق في غزة، دعنا من بضعة أنفاق على حدود القطاع مع فلسطين المحتلة ذات الطبيعة التكتيكية.

- لم تتمكن من تدمير منصة صواريخ واحدة.
- لم تتمكن من أسر مقاوم واحد.
- لم تتمكن من العثور على مخابئ الصواريخ.
- لم تتمكن من معرفة أمكنة تصنيعها.
- لم تتمكن من معرفة أمكنة إطلاقها.
- أثبتت قبتها الأميركية أنها أقرب إلى الهلامية منها إلى الحديدية.

يضاف إلى ذلك كله إبداع المقاومين الفلسطينيين في القطاع المحاصر في الدفاع، بل وفي الهجوم أيضا عبر قيامهم بعمليات خارج حدود القطاع وخلف خطوط العدو، وأسر أحد جنودهم.

هنا من المفيد تأكيد حقيقة أن كثيرا من ضباط الجيش الإسرائيلي بدؤوا يعدون ملفات الدفاع عن أنفسهم لأنهم يتوقعون محاكمتهم في بعض الدول الأوروبية بصفتهم مجرمي حرب (خسروها)، كما أن حزب الليكود بدأ بالبحث عن زعيم جديد بدل نتنياهو الفاشي الفاشل، ليلحق بسابقة إيهود أُلمرت صاحب إخفاق عدوان عام 2006.

هذا غيض من فيض، وهذه الحقائق وجب الكلام فيها مطولا والتنويه إليها، في ظل محاولة تعتيم إعلام عربي أصيب بالإحراج، بل وبذهول أشد، بسبب خسارة المعركة، وهي خسارة إستراتيجية.

إسرائيل المستقبل ستكون مختلفة تماما. دورها الوظيفي تبين بعد حربين أنه أفل، ولذا حاولت التغطية على خسارتها (عندما طلبت وقف إطلاق النار في بداية العدوان) بالتنكيل الوحشي غير المسبوق بالمدنيين، ليس فقط لأن هذا من طبيعتها العنصرية التي تعد كل من ليس منها دون مستوى البشر، بل أيضا للضغط على المقاومين وإجبارهم على التنازل عن مطالبهم بإنهاء الحصار وفتح المعابر وغير ذلك، لكن من دون أي نجاح. فالقيادة العسكرية الميدانية قررت عدم التفريط في المكاسب العسكرية مهما عظمت التضحيات، وهذا قرار صائب.

 لقد أصبحت إسرائيل دولة محجمة غير قادرة على إنجاز المهام الكبرى التي توكلها واشنطن إليها "لنتذكر قول إيهود ألمرت عام 2006 إنه يريد وقف الحرب، لكن كونداليزا رايس أمرته علانية بالاستمرار حتى تقرر واشنطن ذلك"

قلنا: إن إسرائيل المستقبل مختلفة، ونقصد من منظور وظيفيتها. لقد أصبحت دولة محجمة غير قادرة على إنجاز المهام الكبرى التي توكلها واشنطن إليها "لنتذكر قول إيهود ألمرت عام 2006 إنه يريد وقف الحرب، لكن كونداليزا رايس أمرته، علانية، بالاستمرار حتى تقرر واشنطن ذلك".

لقد عجزت عام 2006 وكذلك تعجز الآن عن تنفيذ المهام التي أناطتها بها واشنطن. ودون الدخول في تفاصيل ومتاهات، نقول إن واشنطن/الناتو سوف "يرد" على هذه الهزيمة بطرق أخرى، وليس عبر تل أبيب. قد يكون الرد في سوريا أو في العراق. معرفة ذلك أو توقعه، على أسس علمية، من مهام نخب النخب ومراكز الأبحاث العربية المخصصة، إن وجدت أصلا.

وماذا يعني انكفاء إسرائيل (1956-2014)؟ يعني أنه على القيادة الفلسطينية، ولا نعني قيادة مقر المقاطعة في رام الله، الاستعداد السياسي والعسكري والإعلامي والنفسي... إلخ، لمواصلة المعركة ضد إسرائيل، لكن ليس بالضرورة بطرق عنيفة، لإجبارها على الانسحاب من كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، دون قيد أو شرط، تماما كما أجبرها مقاتلو حزب الله على التقهقر من جنوبي لبنان عام 2000 بلا أي شرط. أما بقية القضايا مثل حق العودة وغير ذلك فيطرح بعد دحر العدو من أرضي الضفة والقطاع، ونؤكد: من دون قيد أو شرط.

نحن لا نقلل أبدا من قدرات العدو وعلى ثقة من أن معركة استعادة فلسطين طويلة ومتشعبة، وقد تحصل بعض التعقيدات هنا وهناك، لكننا على ثقة من مفصلية هذه المعركة المجيدة ونؤكد ضرورة قراءتها قراءة صحيحة، بما يضعنا حقا على طريق استعادة وطننا وحقوقنا الوطنية/القومية فيه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك