يوشكا فيشر

يوشكا فيشر

وزير ألماني سابق


إذا كان هناك حدث تاريخي واحد لا يزال أغلب الأوروبيين يرتجفون لذِكره حتى بعد قرن من الزمان، فهو اندلاع الحرب العالمية الأولى، الكارثة الأوروبية الأصلية التي بدأت في الأيام الأخيرة من شهر يوليو/تموز من عام 1914.



الواقع أنه بعد مرور مائة عام بالتمام والكمال، وبعد حربين عالميتين وحرب باردة، أصبحت ارتجافات الخوف أشد وضوحا من أي وقت مضى.

في ضوء تاريخ أوروبا الدموي، اختارت الدول التي أسست الاتحاد الأوروبي كما نراه اليوم عدم اللجوء إلى العنف، واحترام حُرمة الحدود، والديمقراطية، وسيادة القانون.

اختارت هذه الدول التعاون والتكامل بدلا من المواجهة العسكرية، والتنمية الاقتصادية بدلا من سياسات القوة. ولكن "أوروبا الاتحاد الأوروبي" هذه يُرمى بها الآن إلى مسار العودة إلى الماضي، وتواجه مرة أخرى التحدي المتمثل في العودة إلى سياسات القوة على حدودها وفي جوارها المباشر.

في الشرق، يريد الكرملين بقيادة بوتين تغيير الحدود الوطنية بالقوة، وبالتالي تأمين عودة روسيا إلى الظهور بوصفها قوة عالمية إمبراطورية. ومن ناحية أخرى، تهدد الفوضى وأعمال العنف باجتياح الشرق الأوسط بالكامل

ففي الشرق، يريد الكرملين بقيادة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تغيير الحدود الوطنية بالقوة، وبالتالي تأمين عودة روسيا إلى الظهور بوصفها قوة عالمية إمبراطورية. ومن ناحية أخرى، تهدد الفوضى وأعمال العنف -وأكثر مظاهرها وضوحا في سوريا والعراق وغزة- باجتياح الشرق الأوسط بالكامل، الأمر الذي يشكل تحديا للسلامة الإقليمية للدول التي نشأت إلى حد كبير نتيجة لترتيبات السلام في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

من الواضح أن أوروبا المسالمة في عصر ما بعد الحداثة سوف تجد صعوبة كبيرة في التعامل مع التحديات التي ينطوي عليها إحياء سياسات القوة. فقد تضاعف حجم الاتحاد الأوروبي منذ عام 1989، عندما انهارت الشيوعية في أوروبا الوسطى والشرقية، ولكن أوروبا الاتحاد الأوروبي لم تبلغ بعد هيئة التكامل السياسي النهائية. والأمر الأكثر أهمية هو أنها لم تُصمَّم لمواجهة التحديات التي تفرضها سياسات القوة، فالدول القومية القديمة في أوروبا صغيرة وضعيفة، في حين يظل نمو السياسة الخارجية والأمنية المشتركة في ظل الاتحاد الأوروبي ناقصا.

غير أن العديد من الأوروبيين يعتقدون أن الاتحاد الأوروبي -والغرب- لا ينبغي له أن يسمح لبوتين بإطلاق العنان لسلوكياته المارقة. فالكثير على المحك في شرق أوكرانيا، سلام ونظام القارة بأسرها. وقد دفع ركاب رحلة الخطوط الجوية الماليزية رقم 17 (أغلبهم من الأوروبيين) التي أسقطت فوق منطقة يسيطر عليها المتمردون، ثمن هذه الرؤية بحياتهم.

إن توقيت الأحداث التاريخية المهمة ليس مسألة اختيار. ومن هنا فإن السؤال الجوهري المطروح في أعقاب مثل هذه الأحداث يتعلق دوما بمدى السرعة التي يتمُّ بها التعرف على عواقبها وتحديدها على النحو الصحيح.

فقد استغرق زعماء أوروبا وقتا طويلا للغاية قبل أن يدركوا أن كل الثقة التي وضعوها في بوتين، والتسامح الذي أظهروه في التعامل مع سياسات العنف والترهيب التي انتهجها، لم يسفر إلا عن المزيد من التصعيد واتساع نطاق الأزمة في أوكرانيا. والواقع أن الاتحاد الأوروبي لم يتحرك لفرض ذلك النوع من العقوبات الاقتصادية التي قد تخلف أثرا ملموسا على الاقتصاد الروسي إلا بعد مقتل ما يقرب من ثلاثمائة مدني كانوا على متن الطائرة الماليزية.

وفي ما يتصل بالمزيد من تطوير السياسة الخارجية والأمنية الأوروبية المشتركة، فلا ينبغي لنا أن نقلل من أهمية العقوبات المشتركة من جانب الاتحاد الأوروبي، والتي فرضها أخيرا، فبعد أن يتمكن الاتحاد الأوروبي من تفعيل الخطوة الأولى (العقوبات الفعّالة)، لا بد أن تأتي الخطوة الثانية -"اتحاد الطاقة" الكفيل بتمكين أوروبا من إنهاء اعتمادها على الإمدادات من الطاقة الروسية- في أقرب وقت ممكن.

ومن الواضح عندما نتحدث عن الشرق الأوسط أن التغلب على التحدي الذي يواجه قدرة أوروبا على العمل الجماعي سوف يكون أكثر صعوبة. ويعكس هذا وجود معسكرات قوية مؤيدة للإسرائيليين وأخرى مؤيدة للفلسطينيين داخل الاتحاد الأوروبي، والتي يعيق بعضها بعضا عادة، وعلاوة على ذلك، فإن الصراعات القائمة في الشرق الأوسط حاليا أشد تعقيدا من تلك التي نشهدها في شرق أوكرانيا.

سواء شاء الاتحاد الأوروبي أم أبى، فسوف يكون لزاما عليه أن يواجه هذه الصراعات، لأن القرارات التي تتعلق بأمنه الداخلي والخارجي من المرجح أن تتخذ في الشرق الأوسط بقدر ما تتخذ في بروكسل والعواصم الوطنية

فمن المرجح أن تنضم الأردن واليمن ودول الخليج قريبا إلى البلدان الأكثر تضررا بالاضطرابات في المنطقة الآن، العراق وسوريا ولبنان وإسرائيل وفلسطين ومصر وليبيا. وتتفاقم تعقيدات الأزمة بفعل البرنامج النووي الإيراني والمنافسة على التفوق الإقليمي -وهي المنافسة التي تتغذى على الصراع الطائفي- بين إيران الشيعية والمملكة العربية السعودية السُنّية. والواقع أن الحل (أو الحلول) للمتاعب التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط لا يلوح قريبا في الأفق.

اليوم، هناك نتيجة واحدة يمكن توقعها بدرجة عالية من الثقة، تتلخص في تصعيد الصراع. وهذا من شأنه أن يهدد بدفع المنطقة بأسرها إلى حالة من الفوضى، وبالتالي زيادة وتيرة العنف وتعاظم خطر انتقال العدوى.

وهناك على سبيل المثال خطر حقيقي يتمثل في تصدير أجزاء من الصراع في الشرق الأوسط إلى أوروبا المجاورة. وسواء شاء الاتحاد الأوروبي أو أبى فسوف يكون لزاما عليه أن يواجه هذه الصراعات، لأن القرارات التي تتعلق بأمنه الداخلي والخارجي من المرجح أن تتخذ في الشرق الأوسط بقدر ما تتخذ في بروكسل والعواصم الوطنية.

إن الأوروبيين يعيشون في جوار أصبح غير موثوق على نحو متزايد، وهو التطور الذي يستدعي نوعا من الاستجابات الإستراتيجية التي لا تستطيع أي دولة أوروبية أن توفرها بمفردها. وبالتالي فقد بات من المحتم العمل على تعميق تكامل الاتحاد الأوروبي وإعادة تنشيط الحوار بشأن السياسة الخارجية والأمنية المشتركة.

ولكن من المؤسف أن العديد من الأوروبيين في الاتحاد الأوروبي ما زالوا -رغم مرور قرن من الزمان، منذ تسببت سياسات القوة الحديثة في إشعال شرارة حرب أسفرت عن مقتل أكثر من عشرة ملايين من آبائهم وأجدادهم- عازفين عن التحضير للتصدي للعاصفة المتجمعة. وإن المرء ليتمنى أن تتبدل هذه الحال عاجلا وليس آجلا: فالاستعداد للعاصفة أفضل في كل الأحوال من الارتجاف بردا.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

شارك برأيك